لقيت ست حكايات زوزا
المحتويات
وهو سامع صوت رئيسه في التليفون.
بصّ لنادية، وبعدين لفّ عينيه على فاطمة اللي كانت بتترعش فوق السرير.
ردّ بهدوء مصطنع
حضرتك بتطلب مني أبعد عن شاهدة في قضية احتجاز وتزوير؟ ممكن أفهم السبب؟
جاله الرد بلهجة حادة
إنت مش فاهم إنت بتلعب مع مين! اقفل المحضر، وسلّم كل المستندات، واعتبر إن الست دي ماتت من سبع شهور زي ما السجلات بتقول!
الظابط قبض إيده على الموبايل.
بس الست قدامي وعايشة، يا فندم!
سكت رئيس القسم لحظات، وبعدها قال
يبقى إنت كمان بقيت جزء من المشكلة.
والمكالمة اتقفلت.
الظابط وقف مكانه، مش مصدق إن التهديد جه من الشخص اللي المفروض يساعده في كشف الحقيقة.
لكن فاطمة نادته بصوت ضعيف
قلتلك يا ابني اللي ورا محمود أكبر من اللي إنت متخيله.
قرب منها وسألها
يا حاجة، إنتِ تعرفي رئيس القسم؟
فاطمة هزّت راسها بالنفي.
معرفوش شخصيًا، لكن أخويا كان بيحكيلي عن راجل كبير في الشرطة كان بيساعده يجمع أدلة ضد عصابة استولت على أراضي ناس غلابة. أخويا مات قبل ما يكشف الحقيقة، والملف اختفى بعدها بأيام.
نادية كانت قاعدة على الكرسي، وشها مدفون بين إيديها.
فجأة رفعت راسها وقالت
أنا أعرف مين قتل أبويا بس لازم تسمعوا الحكاية من أولها.
الظابط أمر فرد الأمن يفضل عند الباب، وبدأ يسجل أقوالها.
نادية أخدت نفسًا طويلًا، وبدأت تحكي.
السر اللي فضّل مدفون عشرين سنة
أبويا كان موظف حسابات في شركة كبيرة بتشتري أراضي من الفلاحين. في الأول كان فاكر إن كل حاجة قانونية، لحد ما اكتشف إن فيه عقود بتتزوّر، وأراضي بتتسجل بأسماء ناس عمرهم ما شافوا أصحابها الحقيقيين.
سكتت نادية، ومسحت دموعها.
أبويا حاول يواجه المسؤولين، لكن محدش سمعه. بعدها بدأ يتلقى تهديدات، وفي يوم رجع البيت وقال لأمي إنه لو حصل له أي حاجة، لازم توصل الحقيقة لخالتي فاطمة.
فاطمة حطت إيدها على بقها.
أنا عمري ما عرفت الكلام ده!
نادية بصّت لها بحزن.
لأن أبويا خاف عليكي. كان عارف إنك لو عرفتي، هتحاولي تساعديه، وده كان هيعرّضك للخطر.
وبعدين كملت
بعد أسبوع، أبويا مات في حادثة عربية. قالوا إن الفرامل باظت، وإنه فقد السيطرة على العربية. أمي انهارت، وأنا كنت صغيرة، ومحدش شرحلي حاجة.
الظابط سألها
وإمتى عرفتي إن الحادثة كانت مدبرة؟
نادية اترددت، وبعدها طلعت من جيبها ورقة مطوية.
من حوالي سنة، محمود الشناوي كلمني، وقال إنه عنده مستندات تثبت إن أبويا ما ماتش بالصدفة. طلب مني أساعده أوصل لخالتي، وأعرف منها مكان الورق اللي أخوها خبّاه.
فاطمة بصّت لها بذهول.
يعني إنتِ قربتي مني عشان الورق؟
نادية نزلت راسها.
في الأول، أيوه لكن بعد كده بقيت خايفة. محمود كان بيهددني، وقال إن لو رفضت أساعده، هيخليني أنا المتهمة في كل حاجة.
فاطمة ردت بصوت موجوع
كان ممكن تيجي تقوليلي الحقيقة يا بنتي! كنت هقف جنبك مهما حصل!
نادية انفجرت في العياط.
عارفة يا خالتي وأنا كل يوم من يوم ما سيبتك على الطريق، بموت من الخوف والندم!
الظابط قاطعها بحدة
إنتِ بنفسك اعترفتي إنك شاركتي في احتجازها وتعريض حياتها للخطر. الندم مش هيمحي اللي عملتيه، ولازم تتحاسبي.
نادية هزّت راسها، وما حاولتش تدافع عن نفسها.
لكنها فجأة افتكرت حاجة مهمة.
فيه نسخة تانية من المستندات! محمود كان محتفظ بيها في مكتب قديم تابع للشركة، وأنا شفته بنفسه وهو بيحطها جوه خزانة حديد.
الظابط سألها
فين المكتب ده؟
نادية كتبت العنوان على ورقة، وناولتها له.
وقبل ما يخرج، قالت له
بس خلي بالك محمود مش هيهرب لوحده. هو عنده موعد الليلة مع الشخص اللي كان بيساعده من جوه الشرطة.
الظابط بصّ لساعته.
كانت الساعة قربت من منتصف الليل.
المفاجأة في المكتب القديم
بعد أقل من ساعة، وصلت قوة من الشرطة لمقر الشركة المهجور. الظابط كان اتواصل سرًا مع جهة رقابية مختصة، وطلب إن التحرك يتم بعيدًا عن رئيس القسم المشتبه في تورطه.
المكان كان هادي بشكل مريب.
دخلوا من البوابة الخلفية، وبدأوا يفتشوا المكاتب واحدًا واحدًا.
لحد ما وصلوا لأوضة في آخر الممر، بابها مقفول بقفل حديدي.
استخدموا الأدوات اللازمة لفتحه، ولقوا الخزانة اللي وصفتها نادية.
جواها كانت فيه ملفات قديمة، وعقود ملكية، وكشوف تحويلات مالية، وصور لمستندات عليها توقيعات مشكوك فيها.
لكن الظابط لاحظ ظرفًا أسود منفصلًا عن باقي الأوراق.
فتحه، فلقى صورة قديمة لأبو نادية، واقف جنب محمود الشناوي، وبجانبهم رجل ثالث، وشه كان واضح جدًا.
كمال عزمي، مسؤول الأرشيف الحكومي!
وتحت الصورة كانت فيه ورقة مكتوب فيها
المبلغ اتسلّم بالكامل، والمستند الأصلي لازم يختفي قبل جلسة التحقيق.
الظابط أمر بتصوير كل المستندات وتحريزها، وبعدها سمع صوت حركة جاية من ناحية المدخل.
رفع إيده، وأشار لرجاله يلتزموا الهدوء.
باب المكتب اتفتح.
دخل محمود الشناوي، ومعاه رجل لابس بدلة رسمية.
محمود قال وهو بيقفل الباب
أنا جبتلك آخر الأخبار. فاطمة ظهرت، ونادية وقعت في إيد الشرطة.
الرجل رد ببرود
وقلتلك تعمل إيه في الورق؟
النسخة اللي عندي موجودة، لكن الصفحة الأصلية لسه مش معايا. فاطمة خبّتها في مكان محدش يعرفه.
الرجل قرب منه وقال
لو الصفحة دي ظهرت، مش هتخسر فلوسك وبس إنت عارف إن توقيعي موجود عليها.
محمود اتوتر.
أنا عملت كل اللي طلبته مني! حتى موضوع تقرير الوفاة كان فكرتك!
في اللحظة دي، الظابط خرج من مكانه وقال بصوت حاسم
كفاية! إنتوا الاتنين متهمين في قضية تزوير وإخفاء أدلة، والتحقيق هيثبت باقي التفاصيل.
محمود اتصدم، وحاول يرجع ناحية الباب، لكن أفراد القوة حاصروه.
أما الرجل اللي معاه، ففضل واقف في مكانه، وبصّ للظابط بابتسامة غريبة.
وقال بهدوء
إنت فاكر إن القبض علينا معناه إنك وصلت للحقيقة؟
الظابط رد
الأدلة اللي لقيناها كفاية عشان نبدأ التحقيق.
الرجل ضحك ضحكة قصيرة.
الأدلة دي هتثبت إن محمود مذنب، ويمكن تثبت إني كنت أعرفه. لكن الصفحة الأصلية هي اللي هتكشف مين أصدر الأمر الحقيقي والصفحة دي مش موجودة هنا.
وبعدين قرّب من الظابط وهمس
اسأل فاطمة عن الصندوق الخشبي اللي ورثته عن أمها. بس اسألها كمان عن اللي حصل يوم ما أخوها سلّمها الصندوق، لأن فيه شخص تاني كان واقف وشاف كل حاجة.
الظابط اتجمّد للحظة.
لأن الراجل ده ما كانش المفروض يعرف أي حاجة عن الصندوق، ولا عن الرسالة اللي لقوها في الخزنة!
وقبل ما يقدر يسأله أي سؤال، موبايل أحد أفراد القوة رن.
كان اتصال من المستشفى.
ردّ الظابط، وسمع صوت الممرضة وهي بتصرخ
الحقونا! الست فاطمة اختفت من أوضتها!
الظابط حس إن قلبه وقع.
إيه؟! إزاي اختفت؟!
الممرضة ردت وهي بتعيط
الحراسة لقت باب الأوضة مفتوح، والكرسي المتحرك مش موجود لكن فيه ورقة على السرير مكتوب فيها رسالة ليك!
الظابط سألها عن محتوى الرسالة.
الممرضة قرأتها بصوت مرتعش
لو عايز تعرف مين قتل أخويا، تعالى لوحدك للمكان اللي بدأت فيه الحكاية وإوعى تثق في الراجل اللي أنقذني.
الظابط سكت تمامًا.
لأنه فجأة افتكر حاجة محدش انتبه لها من بداية القضية
هو نفسه كان أول شخص لقى فاطمة على الطريق.
لكن لو الرسالة حقيقية، مين اللي كتبها؟ وهل فاطمة اتخطفت مرة تانية، ولا فيه سر أخطر لسه ما اتكشفش؟
والأخطر من كل ده إن الكاميرات الموجودة في المستشفى سجلت آخر شخص دخل أوضة فاطمة قبل اختفائها، والشخص ده ما كانش نادية، ولا محمود، ولا حتى رئيس القسم!
يتبع
الظابط حس إن رجليه مش شايلاه، لكنه حاول يسيطر على نفسه.
بصّ للرجل اللي قبض عليه في المكتب، وقال لأحد أفراد القوة
محدش يخرج من هنا، ومحدش يتصل بأي حد بره المكان ده. عايز أعرف مين دخل أوضة فاطمة، وعايز تسجيلات الكاميرات كاملة من غير حذف ولا تعديل!
وبعدها خرج بسرعة ناحية عربيته، واتصل بالممرضة.
اسمعيني كويس، الست فاطمة كانت لابسة إيه آخر مرة شوفتيها فيها؟
كانت لابسة هدوم المستشفى، يا فندم بس لقينا الجاكيت بتاعها مرمي جنب السرير، وفيه حاجة تانية.
إيه هي؟
لقينا ورقة صغيرة تحت المخدة، مكتوب عليها رقم تليفون، وتحته اسم شخص اسمه عادل عبدالسلام.
الظابط سكت لحظة.
عادل عبدالسلام كان اسم أخو فاطمة المتوفى!
إزاي الاسم ده يظهر دلوقتي، بعد كل السنين دي؟
الشخص اللي ظهر في تسجيل الكاميرات
بعد نص ساعة، وصل الظابط للمستشفى، وطلب من مسؤول الأمن يشغّل تسجيلات الكاميرات.
في البداية، كل حاجة كانت طبيعية. الممرضات بتدخل وتخرج، وعامل النظافة بيمر في الممر، وفرد الأمن واقف عند باب الأوضة.
لكن الساعة ١١٤٠ بالليل، ظهر شخص لابس زي عامل صيانة، وماسك شنطة أدوات.
دخل الأوضة، وخرج بعد أربع دقايق.
الظابط طلب تكبير الصورة.
وشّ الشخص ما كانش واضح، لكنه لاحظ إنه كان بيمشي وهو بيعرج في رجله اليمين.
فجأة، فرد الأمن قال
استنى يا فندم! أنا شفت الراجل ده قبل كده!
الظابط لفّ ناحيته.
فين؟
من حوالي أسبوع، جه المستشفى وسأل عن الست فاطمة. قال إنه قريبها، وإنه عايز يطمن عليها. بس أنا منعته يدخل عشان اسمه مش موجود في قائمة الزوار.
الظابط سأله
اسمه إيه؟
فرد الأمن فكر شوية، وبعدين قال
قال إن اسمه عادل!
الظابط حس بقشعريرة في جسمه.
عادل، أخو فاطمة، مات من أكتر من عشرين سنة!
إما إن الشخص ده بيستخدم اسم المتوفى عشان يخفي هويته، أو إن فيه سر في وفاة عادل محدش عرفه لحد دلوقتي.
الظابط طلب من فريق البحث الجنائي يفحص مكان اختفاء فاطمة، وفي نفس الوقت بعت صورة
متابعة القراءة