لقيت ست حكايات زوزا

لمحة نيوز

الشخص لكل الجهات المختصة.
وبعد دقائق، جاله اتصال من أحد الضباط.
يا فندم، إحنا عرفنا هو مين.
مين؟
اسمه سامح عبدالسلام ابن أخو فاطمة.
الظابط استغرب.
ابن أخوها؟! نادية قالت إن أخوها ما كانش عنده غيرها!
الضابط رد
دي المفاجأة يا فندم. سامح اتسجل رسميًا إنه مات وهو طفل، بعد حادثة حصلت لعيلته من سنين. لكننا لقينا مستندات بتثبت إن فيه احتمال كبير إنه لسه عايش، وإن حد زوّر أوراق وفاته.
الظابط قفل المكالمة، وافتكر كلام فاطمة عن الشخص اللي شافته مع محمود.
هل ممكن يكون سامح هو الشخص اللي ساعدهم؟ ولا هو نفسه ضحية زي عمته؟
فاطمة في المكان المهجور
في الوقت نفسه، كانت فاطمة قاعدة على كرسي متحرك داخل مخزن قديم بعيد عن المدينة.
كانت مرهقة جدًا، وبتحاول تفهم إزاي رجعت لنفس الكابوس مرة تانية.
قدامها وقف الراجل اللي ظهر في كاميرات المستشفى.
خلع القناع اللي كان مغطي جزء من وشه، وقال بصوت هادي
متخافيش يا عمتي، أنا مش جاي أأذيكي.
فاطمة فضلت تبص له، وبعد لحظات قالت بصوت مرتعش
سامح؟!
الراجل هز راسه.
دموع فاطمة نزلت من غير ما تحس.
إنت عايش؟! إزاي يا ابني؟! إحنا افتكرنا إنك مت من سنين!
سامح قعد قدامها، وقال
أنا عايش، بس اتقال لي طول عمري إنك إنتِ السبب في موت أبويا، وإنك أخدتي حقه وسبتيه يواجه مصيره لوحده.
فاطمة حطت إيديها على صدرها.
مين قالك الكلام ده؟!
محمود الشناوي. هو اللي ربّاني بعد الحادثة، وقال لي إن أبويا كان بيثق فيكي، وإنك خنتيه عشان تحافظي على فلوسك.
فاطمة هزت راسها بعنف.
كدب! أبوك كان أغلى إنسان عندي. أنا اللي حاولت أحميه، وأنا اللي فضلت أدور على الحقيقة بعد موته!
سامح سكت، وبعدين طلع من جيبه صورة قديمة.
طيب، تفسريلي إيه الصورة دي؟
فاطمة مسكت الصورة بإيد مرتعشة.
كانت صورة لأخوها عادل، واقف قدام بيت قديم، وفي إيده صندوق خشبي صغير.
لكن اللي خلّى فاطمة تصرخ من الصدمة، ما كانش صورة أخوها.
كان الشخص الواقف وراه، واللي كانت فاكرة إنه مات قبل عادل بسنتين!
رفعت عينيها لسامح وقالت
إنت جبت الصورة دي منين؟!
سامح رد
لقيتها في أوراق محمود. وتحتها كان مكتوب إن الراجل اللي في الصورة هو الشاهد الوحيد على اللي حصل ليلة موت أبويا.
فاطمة فضلت تبص للصورة، وبعدين همست
مستحيل ده كان أقرب شخص لأخويا، وكان بيزورنا كل أسبوع!
سامح سألها
مين هو؟
فاطمة فتحت بقها عشان تجاوب، لكن صوت خطوات سريعة جه من بره المخزن.
سامح قام بسرعة، وراح ناحية الباب.
كان فيه حد بيحاول يفتحه من الخارج.
صوت راجل جه من ورا الباب
سامح، أنا عارف إنك جوه. افتح، إحنا لازم ننهي الموضوع ده الليلة!
سامح اتجمّد مكانه.
فاطمة مسكت دراعه وقالت برعب
متفتحش يا ابني! ده هو!
سامح بصّ لها.
هو مين يا عمتي؟!
فاطمة همست بالاسم، وسامح رجع خطوتين لورا كأنه اتضرب على وشه.
لأن الشخص اللي واقف بره الباب كان آخر واحد يتوقع إنه يكون متورط في كل ده.
كان كمال عزمي، مسؤول الأرشيف الحكومي، واللي المفروض إنه موجود تحت حراسة الشرطة!
سامح همس
إزاي خرج؟!
فاطمة بصّت للباب، ودموعها نزلت تاني.
عشان هو مش مجرد شخص ساعد محمود ده الشخص اللي أخويا كان بيحاول يفضحه من البداية!
وفجأة، الباب اتفتح ببطء.
كمال دخل، وبص لفاطمة، وبعدها لسامح، وقال
واضح إنكم بدأتوا تعرفوا الحقيقة بس فيه حاجة واحدة لسه محدش فيكم يعرفها.
طلع ملفًا قديمًا من شنطته، وحطه على الترابيزة.
عادل ما ماتش بسبب حادثة العربية، وسامح ما اتسجلش ميت بالصدفة، وفاطمة ما اتخطفتش عشان الورق بس.
سكت لحظة، وبعدين قال
كل ده بدأ بسبب وصية أخوكم، لأن الوصية الأصلية كانت بتقول إن الأرض كلها مش ملك فاطمة ولا ملك محمود الأرض كانت أمانة لناس محدش يعرف إنهم لسه عايشين!
فاطمة بصّت له بصدمة.
تقصد مين بالناس دول؟
كمال فتح الملف، وطلع منه قائمة أسماء طويلة.
لكن أول اسم في القائمة كان اسمًا خلّى فاطمة تحط إيدها على بقها وتصرخ
لأ مش معقول! دي بنتي!
سامح بصّ لها بدهشة.
بنتك؟! إنتِ طول عمرك بتقولي إنك ما خلفتيش غير ابنك اللي مات!
فاطمة فضلت تعيط، وبعدين قالت بصوت مكسور
عشان ده اللي قالوهولي قالولي إنها ماتت بعد ولادتها، لكن أخويا كان وعدني إنه هيعرفلي الحقيقة.
كمال ابتسم ابتسامة غامضة وقال
بنتك عايشة يا فاطمة وأنا عارف مكانها من سنين.
وقبل ما يكمل، دوّى صوت قوي بره المخزن، وبعده صوت فرامل عربية.
كمال لفّ بسرعة ناحية الباب، ووشه اتغيّر.
سامح استغل اللحظة، وسحب عمته بعيد عن الترابيزة.
لكن فاطمة كانت لسه بتبص لقائمة الأسماء، وبتحاول تستوعب إن فيه بنت كانت فاكرة إنها ماتت، ممكن تكون عايشة فعلًا.
وفجأة، لاحظت إن اسم بنتها مش مكتوب لوحده.
كان مكتوب جنبه عنوان، وتاريخ، وجملة قصيرة بخط إيد أخوها
لو وصلت فاطمة للحقيقة، لازم تعرف إن بنتها هي الشاهدة الوحيدة على اللي حصل ليلة مقتل عادل.
يا ترى بنت فاطمة عايشة فين؟ وإيه اللي شافته وهي طفلة وخلاهم يخفوا هويتها كل السنين دي؟ 
يتبع
النهاية السر اللي اتدفن أكتر من عشرين سنة 
فاطمة كانت حاسة إن قلبها هيقف من كتر الصدمات.
بنتها اللي عاشت عمرها كله فاكرة إنها ماتت بعد ولادتها، طلعت عايشة، وممكن تكون هي المفتاح الوحيد لكشف الحقيقة!
بصّت لكمال عزمي وصرخت فيه
بنتي فين؟! إنت عارف مكانها من سنين وسايبني أعيش عمري كله وأنا فاكرة إنها ماتت؟!
كمال حاول يرد، لكن صوت عربيات الشرطة اللي وقفت بره المخزن خلاه يتراجع ناحية الباب.
سامح وقف قدامه ومنعه من الخروج.
المرة دي مش هتهرب! إنتوا ضيعتوا عمر عيلتنا، ولازم كل واحد فيكم يتحاسب!
كمال بصّ له باستهزاء وقال
إنت فاكر إنك فاهم كل حاجة؟ أبوك كان بيحاول يكشف شبكة تزوير كبيرة، لكنه اكتشف سر أخطر من تزوير الأراضي. ولما قرر يسلّم الأدلة، اتعمل له حادث متدبّر عشان يسكتوه للأبد.
فاطمة شهقت.
يعني عادل اتقتل فعلًا؟!
كمال نزل عينيه، وبعد صمت طويل اعترف
أيوه. وأنا ساعدت في إخفاء الأدلة، ومحمود هو اللي رتّب عملية التزوير، لكن الشخص اللي أصدر الأمر كان رئيس قسم الشرطة السابق، والد رئيس القسم الحالي.
سامح قبض إيده بغضب.
وإنت كنت شريكهم!
كمال هز راسه بحزن.
أيوه. وأنا عارف إن مفيش كلام هيصلح اللي عملته.
في اللحظة دي، دخلت قوة من الشرطة ومعاها ضابط من جهة التحقيق المختصة. قبضوا على كمال، وبدأوا تأمين المكان، وبعدها نقلوا فاطمة للمستشفى تحت حراسة مشددة.
أما سامح، فقرر لأول مرة في حياته إنه مش هيصدق أي حكاية من غير دليل.
وبعد تفتيش المخزن، الشرطة لقت مستندات أصلية، وكشوف تحويلات مالية، وخطابات قديمة بتثبت إن محمود وكمال اشتركوا في تزوير عقود والاستيلاء على أراضي ناس غلابة.
لكن السؤال اللي كان شاغل فاطمة أكتر من أي حاجة هو فين بنتها؟
اللقاء اللي استنته فاطمة طول عمرها
بعد يومين، وصل الظابط للمستشفى ومعاه ملف صغير.
دخل أوضة فاطمة، وقعد جنبها وقال
يا حاجة، لقينا بنتك.
فاطمة مسكت إيده وهي بتعيط.
عايشة يا ابني؟! بنتي عايشة فعلًا؟!
ابتسم الظابط وقال
أيوه. اسمها الحقيقي مريم، وعندها دلوقتي سبعة وعشرين سنة. اتربّت في أسرة محترمة بعد ما اتسجلت غلط في أوراق قديمة، والأسرة دي ما كانتش تعرف أي حاجة عن اللي حصل.
فاطمة حطت إيديها على وشها وانفجرت في العياط.
طول عمرها كانت بتدعي ربنا إنها تشوف بنتها ولو مرة واحدة قبل ما تموت، وفجأة أمنيتها بقت حقيقة.
بعد ساعات، باب الأوضة اتفتح، ودخلت شابة ملامحها هادية، وعينيها مليانة خوف وحيرة.
وقفت بعيد عن السرير، وبصّت لفاطمة.
حضرتك طلبتي تشوفيني؟
فاطمة حاولت تقوم، لكن جسمها الضعيف ما ساعدهاش.
مدّت إيديها ناحية الشابة وقالت
تعالي يا بنتي أنا أمك.
مريم اتجمّدت مكانها.
كانت عارفة من التحقيقات إن فيه شك في نسبها، لكنها ما كانتش مستعدة تسمع الكلمة دي بالشكل ده.
أمي؟! إزاي؟ أنا طول عمري أعرف إن أمي ماتت بعد ولادتي!
فاطمة بدأت تحكيلها كل حاجة إزاي اتقال لها إن بنتها ماتت، وإزاي أخوها عادل حاول يدور على الحقيقة، وإزاي المستندات اختفت، وإزاي قضت شهور محتجزة بسبب الورق اللي كان ممكن يكشف الجريمة.
مريم كانت بتسمع ودموعها بتنزل.
ولما فاطمة خلصت كلامها، مريم قربت منها، ومسكت إيديها وقالت
أنا مش عارفة أصدق كل ده مرة واحدة، لكن هعمل تحليل نسب، ولو طلعتِ أمي فعلًا، مش هسيبك تاني.
فاطمة ابتسمت وسط دموعها.
مش طالبة منك غير فرصة يا بنتي فرصة أعرفك فيها وأعوّض ولو جزء صغير من العمر اللي ضاع مننا.
وبعد أيام، ظهرت نتيجة التحليل.
مريم كانت بنت فاطمة فعلًا!
ولأول مرة من سبعة وعشرين سنة، فاطمة عرفت إن بنتها لسه عايشة، وإنها مش هتموت من غير ما تعرفها.
العدالة أخيرًا
التحقيقات استمرت شهور، وخلالها اتكشفت تفاصيل الجريمة بالكامل.
محمود الشناوي اتثبت تورطه في تزوير عقود الأراضي، واحتجاز فاطمة بمساعدة نادية، ومحاولة إخفاء الأدلة.
كمال عزمي اعترف بدوره في إخفاء المستندات والتلاعب بالأرشيف، وكشف أسماء مسؤولين ساعدوا في تمرير العقود المزورة.
أما نادية، فاعترفت بكل اللي عملته، وقدّمت مستندات ورسائل ساعدت التحقيقات. ورغم تعاونها، اتحاسبت على مشاركتها في احتجاز خالتها وتعريض حياتها للخطر.
والأهم، إن التحقيق أثبت إن وفاة عادل ما كانتش حادثة عادية، وإن فيه أدلة
على تدبيرها لإسكاته بعد اكتشاف عمليات الاستيلاء على الأراضي. واتفتحت القضية من جديد لمحاسبة كل المتورطين، من غير ما يفضل أي حد فوق القانون.
بعد فترة، رجعت حقوق أصحاب الأراضي لأصحابها، واتجمعت المستندات اللي كانت ضايعة، وبقى عند النيابة ملف كامل بدل ما تفضل القضية مجرد شكوك وحكايات قديمة.
أما فاطمة، فخرجت من المستشفى، وانتقلت تعيش مع بنتها مريم، اللي أصرت تكون جنبها وتتابع علاجها بنفسها.
وفي أول يوم قضته فاطمة في بيت بنتها، كانت قاعدة جنب الشباك، بتبص للشمس وهي داخلة الأوضة.
مريم قعدت جنبها وسألتها
ندمانة إنك فضلتِ متمسكة بالورق ده كل السنين دي؟
فاطمة ابتسمت وقالت
أنا ما كنتش متمسكة بالورق يا بنتي أنا كنت متمسكة بحق ناس اتظلمت، وبأمانة أخويا، وبالأمل إني أعرف الحقيقة قبل ما أموت.
وبعدين مسكت إيد بنتها وأضافت
بس لو رجع بيا الزمن، كنت هطلب المساعدة بدري، ومش هواجه الخطر لوحدي.
مريم ابتسمت، وحطت قدامها صورة قديمة لعادل، أخوها اللي عمرها ما شافته.
فاطمة فضلت تبص للصورة، ودموعها بتنزل بهدوء.
أخيرًا يا عادل حقك ما ضعش.
وبعد شهور، احتفلت فاطمة بعيد ميلادها السادس والتسعين وسط عيلتها الجديدة، وكان سامح ومريم قاعدين جنبها، وكل واحد فيهم بيحاول يعوّضها عن سنين الوحدة والخوف.
أما أنا، الراجل اللي لقاها على الطريق، فزرتها بعد ما عرفت إنها خرجت من المستشفى.
لما شافتني، مسكت إيدي وقالت
ربنا بعتك ليا في الليلة دي عشان ما أموتش قبل ما أشوف بنتي وأعرف الحقيقة.
ما عرفت أرد عليها بإيه، غير إني دعوت لها ربنا يديها الصحة وراحة البال.
والحكاية دي علمتني إن ساعات إنقاذ إنسان مش بيبدأ بإنك تكون بطل خارق ممكن يبدأ بس إنك ما تتجاهلش حد محتاج المساعدة، حتى لو الدنيا كلها قررت تسيبه لوحده.
تمت النهاية.

تم نسخ الرابط