لقيت ست حكايات زوزا

لمحة نيوز

قالتلي إنتِ خبّيتي الورق فين؟ محمود اكتشف إن فيه صفحة ناقصة، ولو عرف إنها معاكي، مش هيسيبنا في حالنا!
الظابط وقف فجأة.
صفحة ناقصة؟! يعني إيه؟
فاطمة بصّتله وقالت
الورق اللي أخويا سابهولي كان عقد ملكية ومعاه كشف حساب قديم، لكن فيه صفحة واحدة كانت أهم من كل المستندات. الصفحة دي فيها أسماء الناس اللي اتاخد منهم حقهم، وتوقيعات تثبت مين اللي استولى على الأرض.
وبعدين همست
والاسم الأول المكتوب في الصفحة دي كان اسم محمود الشناوي نفسه!
في اللحظة دي، موبايل الظابط رن مرة تانية.
المرة دي، اللي بيتصل كان زميله اللي راح يعاين البيت القديم.
الظابط رد، وسمع صوت زميله بيقول بسرعة
إحنا وصلنا للمكان، ولقينا الكرسي المتحرك التاني اللي كانوا بيستخدموه لنقلها لكن فيه حاجة أغرب من كده!
إيه اللي لقيتوه؟
لقينا أوضة مقفولة من بره، وجواها أدوية ومجموعة ملفات وفي ملف منهم صورة الست فاطمة، وتقرير مكتوب عليه تاريخ الأسبوع الجاي!
الظابط اتجمّد مكانه.
إنت متأكد من التاريخ؟
أيوه، والأغرب إن التقرير مكتوب فيه إن الست فاطمة توفيت بالفعل، وإن مفيش أي مطالبات مالية أو قانونية ليها بعد الوفاة!
الظابط بصّ لفاطمة، اللي كانت بتسمع كل كلمة، ووشها بقى أبيض زي الورق.
همست بصوت مبحوح
كانوا مجهزين شهادة وفاتي قبل ما يقتلوني كانوا عايزين ينهوا كل حاجة ويخلّوا الناس تفتكر إني متّ طبيعي!
لكن فجأة، فاطمة افتكرت حاجة، وبدأت تدور بإيدها المرتعشة تحت المخدة.
طلعت من جيب صغير مخفي في هدومها مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، وناولته للظابط.
خد المفتاح ده يا ابني ده مفتاح مكان الورق الحقيقي. محمود ونادية فضلوا يدوروا عليه شهور، لكنهم ما يعرفوش إن أخويا كان متوقع إن حد هيحاول يسرقه.
الظابط سألها
المكان فين يا حاجة؟
فاطمة قربت منه وهمست بكلمتين بس
وفجأة، الظابط أمر كل الموجودين يفضلوا في أماكنهم، واتصل فورًا برئيسه.
لأن المكان اللي قالت عليه فاطمة ما كانش بيت قديم، ولا خزنة في بنك.
كان مكانًا تابعًا لجهة حكومية، والمفروض إن محدش يقدر يدخله أو يغيّر أي مستند موجود فيه!
والأخطر من كده، إن فاطمة أكدت إن الشخص اللي ساعد محمود يدخل المكان ده من سنين لسه شغال فيه لحد النهارده!
يا ترى مين الشخص ده؟ وإيه اللي هيلقوه لما يستخدموا المفتاح؟ 
الظابط طلب من زميله يقفل كل مداخل المستشفى، ووصّى بحراسة باب أوضة فاطمة، وبعدها خرج بسرعة وهو ماسك المفتاح النحاسي في إيده.
لكن قبل ما يمشي، فاطمة نادته بصوت ضعيف
يا ابني، أوعى تثق في أي حد يقولك إنه عايز يساعدك محمود مش لوحده، واللي وراه أخطر منه بكتير!
الظابط وقف وبصلها.
تقصدي مين يا حاجة؟
فاطمة هزّت راسها بحزن.
لو كنت أعرف كل الأسماء، مكنتش فضلت كل السنين دي خايفة. أنا بس عرفت إن أخويا مات وهو بيحاول يكشفهم، وأنا مش عايزة أموت قبل ما حقه يرجع لأصحابه.
بعد حوالي ساعة، وصل الظابط لمبنى حكومي قديم، كان فيه أرشيف ضخم للمستندات والعقود الخاصة بالأراضي.
استقبله مسؤول الأرشيف، راجل في أواخر الخمسينات، اسمه المستشار كمال عزمي.
أول ما الظابط ورّاه المفتاح، كمال اتغيّر لونه.
حاول يداري ارتباكه وقال
المفتاح ده قديم جدًا، ومش عارف إنت جايبه منين، لكن مفيش أي حاجة هنا تخص الموضوع اللي بتتكلم عنه.
الظابط ركّز في عينيه.
أنا لسه ما قلتلكش الموضوع اللي جاي عشانه!
كمال سكت فجأة.
الظابط قرّب منه وقال
يبقى إنت عارف أكتر ما بتقول.
كمال حاول يضحك، وقال إنه مجرد تخمين، لكن إيده كانت بتترعش وهو بيقلّب في الورق اللي قدامه.
الظابط طلب منه يفتح سجل الأرشيف القديم، وبعد مراجعة طويلة، وصلوا لسجل يرجع لأكتر من عشرين سنة.
كان فيه رقم ملف محفور جنبه نفس العلامة اللي موجودة على المفتاح النحاسي.
الظابط قال
افتح الخزنة.
كمال اعترض في البداية، لكن لما الظابط أبلغه إن فيه تحقيق رسمي في واقعة احتجاز سيدة مسنة والتلاعب بمستندات ملكية، اضطر ينفّذ.
دخلوا غرفة صغيرة في آخر الممر، وفتح كمال بابًا حديديًا تقيلًا.
جواها كانت فيه خزنة قديمة، عليها طبقة سميكة من التراب.
الظابط دخل المفتاح، ولفّه ببطء.
تك!
الباب اتفتح.
لكن الخزنة كانت فاضية تقريبًا!
مفيش غير ظرف بني صغير، مكتوب عليه بخط إيد واضح
إلى فاطمة عبدالسلام لو وصلتي لحد هنا، يبقى أنا فشلت في إني أحميكي.
الظابط فتح الظرف بحذر، وطلع منه جواب قديم، ومعاه صورة بالأبيض والأسود لثلاثة رجال واقفين قدام قطعة أرض كبيرة.
أول راجل كان أخو فاطمة.
والتاني كان محمود الشناوي.
أما التالت
فالظابط حس إن الأرض بتلف بيه لما شاف وشه.
لأنه كان نفس الشخص اللي واقف قدامه من شوية!
كمال عزمي، مسؤول الأرشيف!
الظابط رفع الصورة قدام وشه وقال بحدة
إنت قلت إنك ما تعرفش حاجة عن الملف ده!
كمال رجع خطوتين لورا، ووشه بقى شاحب.
أنا أقدر أشرح كل حاجة.
اتفضل اشرح!
كمال قعد على كرسي قريب، وحط إيده على راسه، وبعد صمت طويل قال
أخو فاطمة كان شريكي في مشروع قديم. محمود كان المحامي المسؤول عن العقود، وأنا كنت وقتها موظف صغير في الأرشيف. حصلت مخالفات كبيرة، ولما أخو فاطمة اكتشفها، هدد إنه يسلّم المستندات للنيابة.
الظابط سأله
وإنت عملت إيه؟
كمال رد بصوت مكسور
أنا خوفت على مستقبلي، وساعدت محمود يخفي بعض الأوراق. لكن أقسم بالله، أنا ما كنتش أعرف إنهم هيأذوا فاطمة بالشكل ده!
الظابط ضرب بإيده على المكتب.
يعني إنت ساعدتهم في إخفاء دليل، وبعدها فضلت ساكت كل السنين دي؟
كمال ما ردش.
لكن الظابط لاحظ إن الجواب لسه فيه ورقة تانية ملزوقة في ضهره.
فصلها بحذر، وفتحها.
كانت رسالة قصيرة من أخو فاطمة، مكتوبة قبل وفاته بيومين
الصفحة الأصلية مش في الأرشيف. أنا حطيتها في مكان أمين، واللي عايز يعرف الحقيقة لازم يدور على الحاجة اللي فاطمة كانت بتحتفظ بيها من يوم ما اتولدت.
الظابط عقد حواجبه.
الحاجة اللي كانت بتحتفظ بيها من يوم ما اتولدت؟!
كمال رفع راسه فجأة وقال
أنا فاكر! أخوها كان بيقول إن فاطمة عندها صندوق خشب صغير، ورثته عن أمها، وكانت مستحيل تسيبه بعيد عنها!
الظابط افتكر كلام فاطمة عن حياتها في دار الرعاية، وعن إن نادية كانت بتزورها كل أسبوع.
لو الصندوق لسه موجود، ممكن يكون فيه الدليل اللي بيدوروا عليه.
في نفس الوقت، في المستشفى، كانت الممرضة بتساعد فاطمة تشرب شوية مية، لما الباب اتفتح ودخلت ست أنيقة في أواخر الأربعينات.
كانت لابسة معطف غامق، وماسكة باقة ورد كبيرة.
ابتسمت وقالت
خالتي حبيبتي! الحمد لله إنك بخير!
فاطمة أول ما شافتها، وقعت الكوباية من إيدها.
الممرضة جريت عليها، لكن الست الكبيرة كانت بتبص للزائرة برعب شديد.
الست قرّبت من السرير وقالت بهدوء مصطنع
وحشتيني أوي يا خالتي. أنا عرفت إنك رجعتي، وجيت آخدك معايا البيت. إنتِ محتاجة ترتاحي بعيد عن دوشة المستشفى.
فاطمة بدأت تهز راسها بعنف.
لأ لأ إنتِ مش هتاخديني من هنا!
ابتسامة نادية اختفت للحظة، وبعدين رجعت تاني.
إنتِ تعبانة يا خالتي، والمهدئات لسه مأثرة عليكي. متخليش خوفك يخلّيكي تشكي في الناس اللي بتحبك.
الممرضة وقفت بينها وبين السرير، وقالت بحزم
المريضة محتاجة راحة، وممنوع خروجها من غير موافقة الطبيب.
نادية بصّت لها بنظرة باردة، وطلعت من شنطتها ورقة.
أنا معاكي توكيل رسمي، وأنا المسؤولة عنها.
لكن فاطمة مسكت إيد الممرضة وصاحت
بصّي في شنطتها! بصّي على اللي معاها! دي مش جاية عشان تطمن عليّا!
نادية اتوترت، وحاولت تخبي الشنطة ورا ضهرها.
وفي اللحظة دي، دخل فرد الأمن ومعاه ضابط من الشرطة، بعد ما الممرضة ضغطت زر الاستغاثة.
الضابط طلب من نادية تحط الشنطة على المكتب.
اعترضت وهددت إنها هتشتكيهم، لكن لما فتحوا الشنطة، لقوا بداخلها زجاجة دواء، وأوراقًا عليها توقيعات فاطمة، ونسخة من تقرير طبي مزوّر!
نادية انهارت في البكاء، لكنها فضلت تصرخ
أنا ماليش دعوة! محمود هو اللي أجبرني! هو اللي قاللي إن لو الورق ظهر، كلنا هنضيع!
فاطمة بصّت لها بوجع وقالت
وأنا يا نادية؟ أنا اللي ربيتك بعد ما أبوكي مات! كنت بعتبرك بنتي إزاي قدرتي تعملي فيّا كده؟
نادية نزلت عينيها، وما قدرتش ترد.
لكن قبل ما الظابط ياخدها، رفعت راسها فجأة وقالت جملة خلت كل الموجودين يسكتوا
إنتوا فاكرين إن الصفحة اللي بتدوروا عليها هتثبت إن محمود سرق الأرض وبس؟!
وبعدين بصّت لفاطمة مباشرة وأضافت
الصفحة دي فيها اسم الشخص اللي أمر بقتل أبويا واللي عايش بينا لحد النهارده، وكل الناس بتفتكره راجل محترم!
فاطمة شهقت، وحطت إيدها على قلبها.
أبوكي مات في حادثة يا نادية!
نادية هزّت راسها والدموع على وشها.
لأ يا خالتي أبويا ما ماتش بالصدفة. وأنا عرفت الحقيقة من محمود، بس ما كنتش أعرف إنه هيطلب مني أدفنك بالحياة عشان الورق!
الظابط قرّب منها بسرعة.
مين اللي أمر بقتل أبوكي؟!
نادية فتحت بقها عشان تجاوب
لكن موبايلها رن.
بصّت للشاشة، وأول ما شافت اسم المتصل، وشها اتقلب، وبدأت تتراجع ناحية الحيطة.
الظابط مد إيده وأخد الموبايل منها، وبص للاسم المكتوب عليه.
كان اسم شخص ما حدش في الأوضة يتوقع إنه يكون له أي علاقة بالقضية.
لأن المتصل كان رئيس قسم الشرطة نفسه!
والأغرب إن أول ما الظابط رد على المكالمة، سمع صوت رئيسه بيقول جملة واحدة
ابعد عن فاطمة عبدالسلام فورًا وإلا مش هتلحق تنقذها المرة دي!
يتبع 
الظابط حس إن الدم نشف في عروقه
تم نسخ الرابط