كل مااخويا

لمحة نيوز

اكتشفت إنه مطابق لتاريخ ميلادي، اتأكدت إن فيه احتمال كبير يكون أخويا التوأم.
سألتها
طب ليه ماقولتيليش؟!
ردت وهي بتعيط
لأنه طلب مني ماقولش لحد لحد ما يتأكد من أوراقه. كان خايف يكتشف إن كل حياته مبنية على معلومة غلط.
ماقدرتش ألومها، لكن كان عندي سؤال أهم
طب ليه كل ما خالد ييجي عندنا بتغمى عليكي؟
مريم أخدت نفسًا طويلًا وقالت
عشان خالد كان بيطلب مني ماقابلوش، وكان كل ما ييجي يفتكرني بالرسالة اللي لقيتها في الصندوق. كنت بخاف إنك تعرف الموضوع من غير ما يكون عندنا دليل، وكنت بتوتر لدرجة إني بحس بدوخة شديدة ونفسي بيضيق. أنا عارفة إن ده مش مبرر إني ماحكتلكش، بس دي الحقيقة.
قررت وقتها إني مش هفضل أعيش وسط الشكوك دي.
قلت لها
النهارده هقابل يوسف، وهسمع منه كل حاجة. وبعدها هنقعد إحنا التلاتة ونتكلم بصراحة، ومش هقبل إن أي حد يفضل مخبي عني حاجة تاني.
في الساعة الخامسة مساءً، وصلت للمكان اللي اتفقنا نتقابل فيه.
كان كافيه صغير وهادي، ويوسف قاعد على ترابيزة في آخر المكان، قدامه ملف مليان ورق.
أول ما شافني، قام من مكانه.
وقفنا قصاد بعض ثواني من غير ما نتكلم.
كان الشبه بيننا غريب فعلًا، لدرجة إني حسيت إني واقف قدام نسخة مني، بس بملامح مختلفة شوية.
يوسف ابتسم ابتسامة متوترة وقال
أهلًا يا عمر.
سلمت عليه وقعدنا.
فضل يبص لي كأنه بيحاول يحفظ ملامحي، وبعدها قال
أنا مش عارف أبدأ منين، بس فيه حاجة لازم أقولها لك الأول.
قلت له
اتفضل، أنا سامعك.
فتح الملف وطلع صورة قديمة.
كانت صورة لأبويا، وخالد، وراجل تالت واقف جنبهم، وفي حضن الراجل طفل صغير.
يوسف أشار للطفل وقال
ده أنا، على حسب المكتوب ورا الصورة. والصورة دي اتصورت بعد ولادتنا بأيام.
سألته
طب إيه اللي حصل بعد كده؟
قال إنه اتربى مع أسرة محترمة، وإنهم كانوا بيحبوه جدًا، لكنه عرف وهو كبير إنه متكفّل بيه، وإن أسرته الحاضنة ماكانتش تعرف تفاصيل كتير عن أهله الأصليين.
ولما بدأ يدور في أوراقه، اكتشف إن تاريخ ميلاده مطابق لتاريخ ميلادي، وإن فيه مستندات بتربطه بأبويا وأمي.
قلت له
طيب، وإيه حكاية مريم؟ ليه سألتني عنها في التليفون؟
يوسف بص لي بتركيز وقال
لأن مريم كانت أول شخص قابلته من عيلتك، وكانت هي اللي ساعدتني أعرف إن فيه احتمال إنك تكون أخويا.
سكت لحظة، وبعدين كمل
لكن فيه حاجة ماعرفتش أفهمها. لما سألتها عن خالد، قالت لي إنه عارف الحقيقة من زمان، وإنه كان بيحاول يمنع الموضوع من إنه يظهر.
قلت له
خالد كان عارف جزء من الحكاية، لكن أنا لحد دلوقتي مش فاهم ليه كل ده حصل.
يوسف هز راسه، وطلع ورقة تانية.
الورقة دي لقيتها في دولاب أبويا بالتربية، وكانت مكتوبة بخط والدتك. اقراها بنفسك.
مسكت الورقة وبدأت أقرا
إلى ابني يوسف...
لو الورقة دي وصلت لك يومًا، فاعرف إننا ما نسيناكش، وإن قرار بُعدك عن أخوك ماكانش بسبب إننا ماحبناكش. الحقيقة إننا كنا فاكرين إن ده الحل الوحيد في الوقت ده، لكننا غلطنا لما خلينا السنين تعدي من غير ما نصلح اللي حصل.
حسيت بوجع في قلبي، خصوصًا لما شفت إن الرسالة كانت موجهة ليوسف بالاسم.
لكن آخر سطر كان مختلفًا
ولو قابلت أخوك عمر، خليه يسأل خالد عن اللي حصل في الليلة اللي رجع فيها أبوك من المستشفى، لأن خالد هو الوحيد اللي يقدر يفسر له ليه العيلة كلها فضلت ساكتة.
رفعت عيني ليوسف.
يعني إنت كمان ما تعرفش الحقيقة كاملة؟
رد
لأ. وعشان كده أنا عايز أروح معاك لخالد، ونواجهه سوا.
وافقت، واتفقنا نروح له في نفس الليلة.
وصلنا بيت خالد، ولقيناه قاعد لوحده في الصالة.
أول ما شاف يوسف، وقف فجأة، وفضل باصص له من غير ما يتكلم.
يوسف قال له
أنا يوسف. ومش جاي أتهمك بحاجة، أنا جاي أفهم ليه حياتي اتغيرت من غير ما أعرف السبب.
خالد قعد ببطء، وحط إيده على وشه.
وبعد لحظات قال
أنا كنت خايف من اليوم ده، لكن واضح إن مفيش مهرب من الحقيقة.
قام من مكانه، وفتح دولاب قديم، وطلع منه صندوق خشب صغير.
حطه قدامنا، وقال
الصندوق ده كان بتاع أبويا. بعد وفاته، لقيت جواه ورقة مكتوب فيها إن فيه شاهد على اللي حصل يوم ولادتكم، وإن الشاهد ده لازم يتكلم لو إنتوا اتقابلتوا في يوم من الأيام.
يوسف سأله بسرعة
مين الشاهد؟
خالد فتح الصندوق، وطلع منه جواب مختوم، وبعد ما فتحه، قرأ الاسم المكتوب في آخره.
وبمجرد ما نطق الاسم، حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
الشاهد كان عم صبري، الراجل اللي قابلناه عند نادية، لكنه كان مات من تلات شهور!
بصيت لخالد وقلت
يعني كده مفيش حد يقدر يقول لنا الحقيقة؟!
خالد هز راسه وقال
لأ يا عمر. عم صبري قبل ما يموت، سلّم أمانة لشخص تاني، وكتب عنوانه في الجواب ده.
يوسف أخد الجواب من إيده، وقرأ العنوان بصوت مسموع.
وفجأة، ملامحه اتغيرت.
سألته
إيه؟ تعرف المكان ده؟
رد وهو بيبص لي بذهول
ده عنوان البيت اللي اتربيت فيه... البيت اللي عشت فيه طول عمري!
سكتنا كلنا.
وبعدين يوسف أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا، وقال
وأنا عندي مفتاح الصندوق اللي كان أبويا بالتربية مخبيه في البيت. عمري ما فتحته، لأنه قال لي ما افتحوش إلا لما أعرف اسم أمي الحقيقية.
بصيت لخالد، فقال
يبقى لازم نروح البيت الليلة.
لكن قبل ما نتحرك، موبايل يوسف رن.
رد، وسمعنا صوت ست كبيرة في السن بتقوله
يوسف، إنت فين؟ لازم ترجع البيت حالًا. لقيت ورقة جديدة في حاجات أبوك، وفيها اسم عمر... لكن فيه حاجة مكتوبة تحت الاسم خلتني مش قادرة أصدق عيني!
يوسف سألها بقلق
إيه المكتوب يا أمي؟
الست سكتت لحظة، وبعدها قالت
مكتوب إن الطفلين ماكانوش المفروض يتفرقوا أبدًا... وإن الشخص اللي تسبب في فراقكم لسه عايش، ولسه مخبي الحقيقة لحد النهارده!
بصيت لخالد، لقيته قام من مكانه فجأة وقال
لازم نروح دلوقتي... قبل ما الورقة دي تختفي هي كمان.
لكن نظراته كانت بتقول إنه عارف أكتر بكتير مما اعترف بيه.
ولأول مرة، بدأت أشك إن أخويا مش بس بيحاول يحمينا من سر قديم... يمكن يكون هو نفسه عارف مين الشخص اللي فرّق بيني وبين يوسف من البداية!
يتبع...
النهاية السر اللي فرّق بين التوأم 30 سنة! 
ما استنيتش ثانية واحدة، وخرجت أنا ويوسف وخالد على البيت اللي يوسف اتربى فيه.
طول الطريق، كنت ببص لخالد من المراية، وكل شوية أسأله
إنت عارف مين الشخص اللي فرّق بيني وبين يوسف، صح؟
كان ساكت، لحد ما وصلنا، وفجأة قال بصوت مكسور
أيوه يا عمر... أنا عارف، بس عمري ما تخيلت إني هضطر أقولك الحقيقة بالشكل ده.
دخلنا البيت، واستقبلتنا الست الكبيرة اللي ربت يوسف. كانت قاعدة في الصالة، وقدامها صندوق خشب قديم، وإيديها بتترعش وهي بتطلع ورقة مطوية.
قالت ليوسف
أنا كنت عارفة إنك مش ابني من دمي، لكن أبوك الله يرحمه عمره ما قال لي إن ليك أخ توأم. كل اللي قالهولي إن أمك اضطرت تسيبك لظروف صعبة، وإنه وعدها إنه يربيك ويحميك.
يوسف سألها والدموع في عينيه
يعني إنتِ كنتِ عارفة إني متبنّى؟
مسكت إيده وقالت
أيوه يا ابني، وعشان كده كنت خايفة عليك من اليوم اللي تعرف فيه الحقيقة. لكن والله ما حبيتك يوم أقل من أي ابن.
يوسف حضنها، وقال لها إنه عمره ما هيعتبرها أقل من أمه، وإن الحقيقة مش هتغيّر مكانتها في قلبه.
بعدها فتحت الورقة وبدأت تقراها.
كانت رسالة بخط أبويا، مكتوبة قبل وفاته بسنين.
لو ولادي الاتنين اتقابلوا يومًا، لازم يعرفوا إن اللي حصل ماكانش سرقة طفل، ولا إن أمهم اختارت واحد فيهم ورفضت التاني. اللي حصل كان خطأ كبير، وأنا شاركت في إخفائه خوفًا من الفضيحة.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
أبويا؟!
أبويا اللي طول عمره كنت فاكره أحنّ إنسان في الدنيا، كان عارف إن ليا أخ توأم وساكت؟!
خالد نزل عينيه وقال
لما كنت صغير، سمعت أبويا بيتكلم مع عم صبري عن موضوع الولادة. ولما كبرت، لقيت الورق. أبويا اعترف لي إن المستشفى سلّمت الطفلين لأسرتين بشكل غلط بعد حالة ارتباك حصلت وقت الولادة، وإنه لما اكتشف الحقيقة، خاف يخسر ابنه اللي ربّاه طول السنين دي.
يوسف سأله بصدمة
يعني أبويا اللي رباني كان عارف إني ليّا عيلة تانية؟
خالد هز راسه وقال
أبويا كان عارف إن فيه طفل اتربّى بعيد عن أسرته، لكن ماكانش عنده دليل قاطع إن الطفل ده هو يوسف. بعدين ظهرت أوراق جديدة، ولما بدأنا نتحقق منها، أبويا مات قبل ما نعرف الحقيقة كاملة.
بصيت لخالد بغضب وقلت
وإنت ليه سكت كل السنين دي؟!
رد والدموع بتنزل من عينيه
لأني كنت خايف أظلمك أو أظلم يوسف. ماكنتش عايز أقولك إن ليك أخ توأم بناءً على أوراق ناقصة، وبعدين نكتشف إننا غلطانين. لكن غلطتي إني خليتك تعيش وسط الشك بدل ما أواجهك بالحقيقة من الأول.
في اللحظة دي، يوسف أشار لآخر سطر في الرسالة.
كان مكتوب
أما الشخص اللي كان مسؤول عن مراجعة ملفات الولادة، فهو الوحيد اللي يقدر يفسر ليه اتسجلت بيانات الطفلين بالشكل ده. اسمه محفوظ في الملف الأصلي.
رفع يوسف عينيه وسأل
فين الملف الأصلي؟
الست الكبيرة ردت
أبوكم بالتربية سلّمني ظرفًا، وقال لي ما أفتحهش إلا لو يوسف عرف اسم أمه الحقيقية. والظرف ده فيه عنوان مكتب قديم، قال إن فيه نسخة من الملف محفوظة عند صاحبه.
خرجنا تاني يوم، وبدأنا ندور في العنوان المكتوب.
وبعد محاولات كتير، قدرنا نوصل لرجل مسن كان شغال في الإدارة وقت ولادتنا. لما شاف الأوراق، اتغير لون وشه، وقال إنه فاكر الواقعة، وإنه مستعد يشهد بالحقيقة قدام الجهات المختصة.
وبالفعل، بعد مراجعة المستندات وسجلات المستشفى وإجراء الفحوصات اللازمة، اتأكدنا إن يوسف أخويا التوأم فعلًا، وإن اللي حصل كان خطأ قديم اتغطّى عليه بدل ما يتصلح.
لكن أكبر صدمة ليا ماكانتش اكتشاف إن ليا أخ توأم.
كانت إني اكتشفت إن أبويا، رغم إنه حبني ورباني، خاف من الحقيقة لدرجة إنه سمح للسنين تسرق مني أخويا.
بعد أسابيع، رجع يوسف معانا البيت.
أول ما ابني شافه، جري ناحيتي وسألني
بابا، هو عمو يوسف شبهك ليه كده؟
ضحكت وأنا ببص ليوسف، وقلت له
عشان عمو يوسف مش مجرد عمو... ده أخويا التوأم.
ابني فتح عينيه بدهشة، وبعدها جري يمسك إيد يوسف، وفضل يسأله أسئلة كتير عن طفولته وحياته.
أما مريم، فكانت واقفة بعيد، ودموعها بتنزل في صمت.
قربت منها وقلت
أنا آسف إني شكيت فيكي، وآسف إني ما سمعتكيش من الأول.
ردت بهدوء
المهم إن الحقيقة ظهرت، وإنك عرفت إن محدش كان بيحاول ياخد منك عيلتك.
بصيت لخالد، اللي كان واقف جنب يوسف، وقلت له
إحنا خسرنا سنين كتير بسبب السكوت، بس مش هنخسر الباقي.
خالد مد إيده ليا، وسلمنا على بعض، وبعدها يوسف مد إيده هو كمان، فمسكت إيديهم الاتنين.
لأول مرة في حياتي، حسيت إن الصورة العائلية اللي كانت ناقصة من سنين بدأت تكتمل.
وبعد فترة، زرنا قبر أبويا.
وقفت قدامه طويلًا، وقلت في سري
سامحتك يا أبويا، مش عشان اللي عملته كان صح، لكن عشان مش عايز أكمل عمري شايل وجعك جوايا. بس كان نفسي أعرف الحقيقة منك، قبل ما أموت وأنا فاكر إن أخويا مجرد شخص غريب.
يوسف وقف جنبي، وحط وردة على القبر.
وبعدين قال
إحنا مش هنقدر نرجّع السنين، لكن نقدر نعيش اللي باقي منها سوا.
رجعنا البيت، ومن اليوم ده، بقى يوسف جزءًا من حياتنا. ومريم ما بقتش تخاف من زيارة خالد، لأن السر اللي كان بيخنقها اتكشف، والخوف اللي كان بيوقعها كل مرة بدأ يخف بالتدريج.
أما أنا، فتعلمت درسًا عمري ما هنساه
مش كل سر بيتخبّى بيكون وراه خيانة، ومش كل سكوت معناه إن صاحبه شرير... لكن الحقيقة مهما اتأخرت، لازم تلاقي طريقها للنور.
وأصعب حاجة في الحكاية دي كلها؟
إن أخويا كان عايش على بُعد خطوات من حياتي، وكان ممكن أفضل طول عمري ما أعرفش إنه موجود، لولا ورقة قديمة قرر حد أخيرًا إنه ما يخبيهاش تاني.

تم نسخ الرابط