اتجوزها وخلاها حامل

لمحة نيوز

كان عندها 34 سنة، وفي شهرها السادس من الحمل، وإيديها متورمة وهي قاعدة على ترابيزة خشب قديمة، لما جوزها حط قدامها ملف أسود.
ما كانش صوته عالي، ولا فيه أي انفعال.
بس كان هادي زيادة عن الطبيعي هدوء يخوف.
عدّل ساعته الغالية، أخد نفس عميق وقال
كلمت المحامي... وده أفضل حل لينا كلنا.
فتحت الملف بهدوء.
جوا أوراق كتير ترتيبات قانونية، نقل ملكيات مؤقت، وإجراءات تخص بيت قديم باسمه العيلة من سنين.
رفعت عينيها له باستغراب.
يعني إيه أفضل حل؟ إحنا في مشكلة أصلًا؟
بصلها لحظة طويلة، كأنه بيختار كلامه بحذر.
في حاجة لازم تتنقل في أسرع وقت... حاجة متعلقة بالعيلة القديمة. البيت القديم.
سكتت.
البيت القديم اللي كان دايمًا يتكلم عنه كأنه مش مكان سكن، كأنه مخزن أسرار.
قالت
البيت اللي في آخر البلد؟
هز راسه.
لازم تروحي هناك مؤقتًا. ترتيبات بس. لحد ما الأمور تتفك.
الجنين تحرك جواها، وكأن الجو نفسه اتغير.
رفعت إيديها على بطنها وقالت
وليه دلوقتي؟
سكت لحظة أطول من اللازم، وبعدين قال
عشان في حاجة لازم تتحفظ بعيد عن الناس... ومينفعش حد يقرب منها غيرك.
الكلمة دي علقت في دماغها.
غيرك.
مش تهديد مش طلاق مش خيانة
بس سر.
تاني يوم كانت في الطريق للبيت القديم.
بيت على أطراف الأرض الزراعية، عايش لوحده

وسط صمت غريب، كأنه منفصل عن باقي الدنيا.
الواجهة كانت باينة عليها السنين، لكن مش مهجورة بالكامل كأن حد كان بييجي ويقفله ويمشي بسرعة.
بنت خالتها كانت معاها، شايلة شنط وبطاطين وبتبص حواليها بقلق.
البيت ده فيه حاجة مش مريحة مش مجرد بيت قديم.
ما ردتش.
دخلوا.
الهواء جوه مختلف تقيل، كأنه مخزن ذكريات مش مفروض يتفتح.
الصالة فيها عفش متغطي، وفيه دولاب قديم متثبت في الأرض بمسامير جديدة نسبياً.
بنت خالتها لمست الحيطة وقالت
المكان ده معمول له صيانة من قريب مش متساب زي ما بيقولوا.
وقفت تبص حوالين نفسها.
فيه حاجة مش راكبة.
في المطبخ، لفت نظرها صوت غريب لما خبطت على الحيطة.
تك.
تك.
الصوت فاضي.
مش طبيعي.
بنت خالتها جابت إزميل صغير كان متسيب جنب الحوض.
نجرب نشوف وراه إيه؟
بدأوا يفتحوا بحذر.
الجبس اتكسر.
وخلفه ظهر تجويف صغير، متقفل بإحكام كأنه متعمل مخصوص عشان يستخبى.
جواه كيس قماش قديم ملفوف كويس جدًا.
ومعه ظرف بني صغير.
على الظرف مكتوب بخط واضح لكن مهزوز
لو المكان ده اتفتح في الوقت الصح هتفهمي كل حاجة.
جسمها اتجمد.
بنت خالتها همست
ده مقصود حد كان مستنيك تيجي.
في اللحظة دي بالظبط
سمعوا صوت باب البيت بيتفتح من بره.
خطوات تقيلة داخلة بسرعة.
وبصوت واحد قالوا الاتنين من غير ما يبصوا
هو
رجع
والباب اتفتح على آخره الصوت اللي جاي من جوه الحيطة ما كانش واضح في الأول بس كان كفاية يخلي الكل يثبت مكانه.
تكّة بعدها احتكاك معدن خفيف، كأنه حاجة بتتزحزح ببطء من سنين.
بنت خالتها رجعت خطوة لورا وهمست
أنا مش مرتاحة في حاجة بتتحرك جوه الحيطة دي بجد!
هو ما ردش عليها.
كان مركز مع الصوت بس.
وبعدين فجأة قال
ابعدوا عن الفتحة.
بس قبل ما حد يتحرك
الحيطة نفسها نَفَسَت.
جزء صغير من الجبس وقع لوحده من غير لمس، وكشف مساحة أكبر من التجويف.
والصوت زاد.
تك تك كأن في قفل قديم بيتفتح من جوه.
هي مسكت الظرف بقوة، وقالت بصوت متقطع
إنت جايبني هنا ليه؟ قولي الحقيقة بدل ما أنا بعيش في فيلم مرعب!
سكت ثانيتين.
وبعدين قرب خطوة واحدة بس ناحية الحيطة وقال
عشان لو أنا ما فتحتش اللي جوه حد تاني هييجي يفتحه بطريقة أسوأ.
بنت خالتها صرخت
يعني إيه حد تاني؟!
بس قبل ما يكمل
من جوه الحيطة طلع صوت طَقّة أعلى من كل اللي فات.
وبعدها مباشرة
جزء صغير من الحائط اتزحزح كأنه باب داخلي اتفتح نص فتحة.
ونسمة هوا باردة جدًا خرجت من الداخل مش طبيعية كأنها طالعة من مكان مقفول بقاله سنين طويلة.
وفي اللحظة دي
المفتاح النحاسي اللي في إيدها سخن فجأة.
سخونة مفاجئة خلتها تفلت صرخة خفيفة وتسيبه على الأرض.
المفتاح
وقع على البلاط
وطلع منه صوت رنّة قصيرة.
رنّة غريبة كأنها ردّ على الصوت اللي جوه الحيطة.
هو بص للمفتاح وبعدين للفتحة وقال بصوت أخفض من الأول
كده بدأ.
وسكت.
مش مفسر.
مش شارح.
بس واضح إنه كان خايف لأول مرة من بداية كل اللي حصل.
والفتحة اللي في الحيطة بدأت تتوسع شوية بشوية لوحدها كأن في حاجة من جوه بتزق وتطلع ظهر جوزها في مدخل البيت، ملامحه مش متعادلة مش غضب صريح، لكن توتر واضح، كأن كل خطوة كان بيحسبها قبل ما يدخل.
عينه جت على الكيس اللي في إيدها فورًا.
مش على وشها.
مش على بطنها.
على الكيس.
قال بصوت منخفض
فتحتيه؟
بنت خالتها وقفت قدامها تلقائي، كأنها بتحاول تحميها بجسمها.
لكن هي ما اتحركتش.
رفعت الظرف شوية وقالت بهدوء
إيه اللي في الحيطة دي؟ وإيه الورقة دي؟
سكت.
بس سكوته ما كانش عادي كان سكون حد بيحاول يمنع حاجة قديمة تتفلت.
دخل خطوة جوا.
وبص حواليه بسرعة، كأنه بيأكد إن مفيش حد تاني.
المكان ده مفروض مايتفتحش بالطريقة دي.
ردت عليه لأول مرة بنبرة مختلفة
يبقى ليه جبتني هنا أصلاً؟
سكت تاني.
وبعدين قال جملة خلت الجو كله يتغير
عشان انتي الوحيدة اللي ينفع تعرفي من غير ما الدنيا كلها تعرف.
بنت خالتها همست
تعرفي إيه بالظبط؟
هو ما ردش عليها.
عينه كانت عليها هي بس.
افتحي الكيس.

إيديها كانت بترتعش وهي بتفك الرباط.
جوا الكيس كان فيه دفتر صغير قديم، جلده متشقق، ومعاه مفتاح نحاس كبير غريب الشكل مش بتاع باب
تم نسخ الرابط