بعد ماامهم ماتت

لمحة نيوز

بعد ما أمهم ماتت، ربيت بنات أخويا التلاتة كأنهم حتة مني لمدة خمستاشر سنة... لحد ما أخويا ظهر فجأة الأسبوع اللي فات، مش عشان يعتذر، لأ.. ده عشان يسيب في إيدي حاجة دمرت كل اللي عشته وصدقته حاجة ولا تيجي في خيال بشر 
من ١٥ سنة بالتمام والكمال، كنت واقف كتفي في كتف أخويا وإحنا بنواري مراته التراب. الحزن كان كاسر وسطه، وكنت خايف عليه يطب ساكت من القهرة. لكن عمري ما تخيلت إن اليوم ده هيكون آخر عهدي بيه، وإنه هيختفي بعدها زي فص ملح وداب.. كأن الأرض انشقت وبلعته من غير ولا كلمة، ولا تفسير، ولا حتى وداع.
ساب وراه تلات حتت لحم، تلات بنات زي الورد؛ عمرهم ٣، و٥، و٨ سنين. نظرة الخوف والكسرة في عنيهم لسه محفورة في قلبي، كأنهم مش مستوعبين إيه اللي بيحصل، ولا فاهمين ليه مفيش حد هياخدهم من إيدهم ويرجع بيهم على بيتهم يتغطوا ويناموا.
تلات زهرات في مهب الريح
حالة البنات وقتها كانت تقطع في القلب، كل واحدة فيهم عبرت عن قهرتها بطريقة توجع أكتر من التانية
الصغيرة ٣ سنين كانت كل ليلة تسألني بصوت بريء ومكسور هي ماما هتيجي إمتى؟. سؤال كان بينزل على قلبي زي السكينة.
الوسطانية ٥ سنين فضلت شهور متبتة في شنطة هدومها، رافضة تطلع منها أي حاجة، كأنها بتكدب على نفسها ومستنية إن الكابوس ده يخلص، وإن القعدة دي مؤقتة وهيرجعوا بيتهم تاني.
الكبيرة ٨ سنين أما دي بقى فدموعها نشفت بسرعة واختارت السكوت. بس سكوتها ده كان أتقل وأقسى من أي عياط؛ لأنه كان استسلام بدري أوي لدنيا قاسية، وشيلة تقيلة مفيش طفلة في سنها المفروض تشيلها.
أنا السند والضهر.. بقوا بناتي
في الأول، كنت بكدب نفسي وأقول أخويا هيرجع، أكيد في مصيبة أو عذر قهري خلاه يغيب. أصل بالعقل كده، مفيش أب يسيب عياله في الدنيا دي لوحدهم بعد ما أمهم تروح بالشكل اللي يوجع القلب ده!
لكن الأيام بتجر أسابيع، والأسابيع قلبت بشهور، والشهور بقت سنين طويلة... مفيش تليفون، مفيش مرسال، ولا حتى خبر يطمنا إنه لسه عايش على وش الدنيا.
ومع الوقت، مابقاش قدامي حل غير إني أقفل باب الانتظار. وشوية بشوية، بقيت أنا الأب والأم، بقيت أنا الدنيا كلها للبنات دول.
أنا اللي بصحيهم الصبح بدري، وأعملهم سندوتشات المدرسة.
أنا اللي بقعد في آخر صف في حفلات عيد الأم آخر السنة، أسقف لهم والدموع في عنيا.
أنا اللي كنت بسهر جنبهم وبعملهم كمادات وهما سخنين، وأمضي على ورق المدرسة.
أنا اللي كنت بسمع حكاياتهم، ومشاكلهم، وأطبطب عليهم في أول صدماتهم في الحياة.
كنت معاهم خطوة بخطوة وهما بيكبروا وبيعرّفوا يعني إيه دنيا.. ومع السنين، كلمة بنات أخويا دي اتمحت من قاموسي، لأن الحقيقة اللي مافيش غيرها إنهم بقوا بناتي أنا.
لحد ما جه الأسبوع اللي فات... وبعد ١٥ سنة غياب وتوهان... أخويا رجع!
لقيته واقف قدام باب شقتي، فجأة من غير ولا كلمة، مش جاي عشان يترمي في حضني ولا يبكي ويعتذر عن السنين اللي فاتت... لأ، ده مد إيده وسابلي حاجة شقلبت كياني ونسفت كل اللي كنت فاكره حقيقة 
سابلي حاجة العقل البشري ما يقدرش يستوعبها ولا يتخيلها 
...........بعد ما أخويا حط الشنطة الجلد القديمة في إيدي، بصلي نظرة غريبة عمري ما شفتها في عينه قبل كده.
قال بصوت مبحوح
سامحني... بس لازم تعرف الحقيقة كلها.
وقبل ما ألحق أسأله أي حاجة، لف ضهره ومشي.
فضلت واقف مكاني مش مستوعب. فتحت الشنطة وأنا متوتر، لقيت جواها ملفات قديمة وصندوق خشب صغير ومجموعة خطابات مربوطة بشريط أزرق باهت.
أول خطاب كان مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا اختفى والد البنات أو عاد بعد سنوات.
قلبي بدأ يدق بعنف.
الخطاب كان بخط مرات أخويا الله يرحمها.
فتحت الورق وأنا إيدي بتترعش.
كانت كاتبة
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى فيه حاجة كبيرة حصلت. أنا اكتشفت سر خطير في عيلة جوزي، والسر ده ممكن يهدد مستقبل بناتي.
وقفت عند الجملة دي أكتر من مرة.
إيه السر اللي يخلي واحدة تكتب وصية بالشكل ده؟
كملت القراءة.
كانت بتحكي عن جد أخويا الكبير، الراجل اللي مات من أكتر من عشرين سنة، واللي طول عمرنا فاكرينه مجرد فلاح بسيط عنده شوية أرض.
لكن الحقيقة كانت غير كده تمامًا.
قبل وفاته بسنوات، باع قطعة أرض ضخمة كانت على أطراف البلد لرجل أعمال معروف، لكن البيع ما اكتملش قانونيًا بسبب نزاع على الملكية.
الورق الرسمي اختفى.
والملف اتقفل.
والكل افتكر إن الأرض راحت.
لكن مرات أخويا كانت شغالة في مكتب محاماة وقتها، واكتشفت بالمصادفة إن العقود الأصلية مازالت موجودة، وإن الأرض دلوقتي تساوي ثروة خيالية.
والأخطر من كده...
إن فيه ناس كانت بتدور على العقود دي من سنين.
ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تمنع ظهورها.
كملت أفتش في الشنطة.
لقيت نسخة من العقود.
وخريطة قديمة.
وصورة بالأبيض والأسود لجدي واقف جنب قطعة الأرض.
وفي آخر ظرف لقيت ورقة مكتوب عليها عنوان مكان مهجور على أطراف المحافظة.
في نفس الليلة أخويا اختفى تاني.
كأن ظهوره كان مجرد دقيقة في عمر الزمن.
اتصلت عليه.
رقمه مقفول.
دورت عليه.
مفيش أثر.
لكن قبل ما أنام بساعات، حصلت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي.
البنت الكبيرة خبطت على باب أوضتي.
كانت شاحبة جدًا.
وقالت
عمو... فيه راجل واقف تحت العمارة من المغرب.
بصيت من البلكونة.
ملقتش حد.
قالت
لا... هو كان واقف يبص على شقتنا بس.
تاني يوم الصبح نزلت أجيب الجورنال.
لقيت ظرف أبيض محطوط تحت باب الشقة.
مفيش اسم.
مفيش عنوان.
فتحته.
وكان جواه ورقة واحدة مكتوب فيها
لو بتحب البنات... انسى الشنطة.
وفي آخر السطر...
كان فيه تاريخ.
نفس التاريخ المكتوب على الخريطة القديمة بالظبط.
وقتها بس بدأت أفهم إن أخويا ما اختفاش من 15 سنة عبث...
وإن السر اللي سابهولي أكبر بكتير من مجرد أرض أو فلوس.
لأن تحت الخريطة القديمة كان فيه رمز مرسوم بالقلم الأحمر...
ولما البنت الكبيرة شافته، وشها اصفر وقالت جملة هزتني من جوا
الرمز ده... أنا شوفته قبل كده.
سألتها بذهول
فين؟!
فردت وهي بتبص على صورة أمها القديمة
ورا الصورة... من سنين. اتجمدت في مكاني.
خدت الصورة من إيدها بسرعة وقلبتها.
ولأول مرة من 15 سنة أبص لظهر الصورة كويس.
فعلاً...
كان فيه نفس الرمز مرسوم بالقلم الأحمر، لكن باهت جدًا كأنه مرسوم من سنين طويلة.
بصيت للبنت الكبيرة وسألتها
إنتِ عرفتيه إزاي؟
قالت بتردد
ماما كانت بتخبي الصورة دي دايمًا في درج مقفول، ومرة وأنا صغيرة فتحت الدرج ولقيتها بتعيط وهي ماسكاها.
حسيت إن كل كلمة بتكشف جزء جديد من لغز أكبر مني.
قعدنا نفتش في كل حاجات أمهم القديمة.
ولحد الفجر تقريبًا، ملقيناش حاجة.
لكن وأنا بقفل الدرج الأخير، سمعت صوت حاجة بتتحرك جواه.
كان فيه لوح خشب رفيع مخفي في القاع.
رفعته بحذر.
ولقيت تحته ظرف أصفر قديم.
الظرف كان مقفول بالشمع الأحمر.
وعليه مكتوب
للبنت الكبرى فقط... عند إتمام الخامسة والعشرين.
سكتنا كلنا.
لأن البنت الكبيرة كانت بالفعل أتمت الخامسة والعشرين من شهرين بس.
فتحت الظرف وسط توتر رهيب.
كان جواه مفتاح نحاسي قديم.
ورسالة قصيرة جدًا.
المفتاح يفتح الأمانة رقم 17.
بس.
ولا كلمة زيادة.
ولا مكان الأمانة.
ولا اسم البنك.
ولا أي حاجة.
فضلنا أسبوع كامل بندور.
لحد ما البنت الوسطانية افتكرت حاجة غريبة.
قالت إن أمها زمان كانت بتاخدها معاها أحيانًا لمبنى قديم في وسط المدينة، وكانت

تم نسخ الرابط