بعد ماامهم ماتت
المحتويات
بتستنى بره شوية وترجع.
بعد بحث طويل عرفنا إن المبنى ده كان تابع لبنك قديم اتقفل من سنين، لكن خزائن الأمانات اتحفظت في فرع جديد.
رحنا هناك بالمفتاح والورق.
الموظف اتغير لونه أول ما شاف رقم الأمانة.
وسألنا
إنتوا أقارب الست دي؟
قلنا أيوه.
بص حواليه كأنه خايف حد يسمعه.
وقال
الأمانة دي محدش سأل عليها من أكتر من 15 سنة.
بعد إجراءات طويلة، فتحوا الخزنة أخيرًا.
كنا متوقعين دهب.
فلوس.
عقود.
أي حاجة.
لكن اللي لقيناه كان أغرب بكتير.
صندوق معدني صغير.
وجواه...
دفتر يوميات كامل بخط أم البنات.
وأسطوانة قديمة.
وفوقهم ورقة مكتوب فيها
الحقيقة الكاملة موجودة هنا.
رجعنا البيت.
وقعدنا نقرأ اليوميات.
كل صفحة كانت صدمة أكبر من اللي قبلها.
لحد ما وصلنا لصفحة مكتوبة قبل وفاتها بشهر واحد فقط.
وكان فيها سطر واحد
لو حصلي حاجة، اعرفوا إن اللي كنت بخاف منه أخيرًا عرف إني وصلت للحقيقة.
سكتنا كلنا.
مفيش حد نطق.
البيت كله كان هادي بشكل مرعب.
وفجأة...
رن جرس الباب.
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
بصينا لبعض.
مين ممكن ييجي في الوقت ده؟
فتحت الباب بحذر.
ملقتش حد.
لكن كان فيه طرد صغير مرمي قدام الشقة.
خدته وقفلت الباب.
ولما فتحناه...
وقع منه مفتاح تاني.
ومعاه صورة حديثة جدًا لأخويا.
الصورة متصورة قبل أيام فقط.
وأخويا واقف فيها قدام مبنى مهجور.
لكن اللي خلانا نتجمد من الرعب...
إنه كان ماسك ورقة مكتوب عليها بخط واضح
متفتحوش الأسطوانة...
وفوق كتفه مباشرة ظهر شخص واقف في الخلفية.
شخص كنا متأكدين إنه مات من أكتر من عشرين سنة...!سكتنا كلنا.
الكلمات وقعت علينا كالصاعقة.
البنات كانوا باصين لأبوهم، وأنا كنت حاسس إن فيه حمل تقيل هيقع على قلوبنا بعد شوية.
أخويا مد إيده للأسطوانة وقال
أنا هسيب لكم القرار... تسمعوها أو لأ.
لكن بعد كل اللي مرينا بيه، مكنش ينفع نرجع لورا.
جبنا جهاز قديم يشغل الأسطوانات، وبعد محاولات كتير اشتغل أخيرًا.
طلع صوت خفيف فيه تشويش.
وبعدين سمعنا صوتها...
صوت أم البنات.
بعد 15 سنة كاملة.
أول ما البنات سمعوا صوت أمهم، دموعهم نزلت من غير ما يحسوا.
قالت في التسجيل
لو وصل لكم الكلام ده، يبقى أنا خلاص مش موجودة. وأتمنى تكونوا كبرتوا وبقيتوا أقوى.
سكتت ثواني.
ثم أكملت
أنا مش سايبة التسجيل عشان أحكي عن الأرض ولا الفلوس. أنا سايباه عشان أحكي عن أغلى حاجة عندي... بناتي.
البنات مسكوا إيدين بعض.
وأنا كنت سامع وكل كلمة بتخبط في قلبي.
قالت
من يوم ما تعبت، كنت عارفة إن الأيام مش مضمونة. وعشان كده كتبت كل حاجة ورتبت كل حاجة.
ثم سمعناها تقول
أبوكم عمره ما كان إنسان سيئ.
رفعت عيني لأخويا.
كان بيعيط بصمت.
كملت
يمكن لما تكبروا تسمعوا عنه كلام كتير. يمكن تفتكروا إنه سابكم. لكن الحقيقة مختلفة.
ثم سمعنا ورق بيتقلب.
وقالت
أنا اللي طلبت منه يختفي.
اتصدمنا كلنا.
حتى البنات شهقوا.
وأخويا غمض عينيه.
قالت
لأن مرضي كان بيزيد، وكان فيه نزاع كبير هيبدأ بعد وفاتي بسبب الورث القديم. وكنت متأكدة إن أي حد هيقرب من البنات وقتها هيبقى في خطر.
فطلبت من أبوكم يسافر ويستخبى فترة، وطلبت من الشخص الوحيد اللي بثق فيه إنه يرعى البنات.
هنا بدأ صوتها يرتجف.
ثم قالت
أخو جوزي.
قلبي وقف لحظة.
سمعت اسمي خارج من فمها.
وقالت
يمكن يزعل مني لما يعرف إني حملته مسؤولية بالشكل ده من غير ما أقوله الحقيقة... لكني كنت واثقة إنه هيكون أب ليهم أكتر من أي حد.
انهرت من البكاء.
والبنات حضنوني في نفس اللحظة.
لكن التسجيل ماكانش خلص.
قالت
في الصندوق ملف تاني. افتحوه بعد ما تسمعوا التسجيل.
فتحنا الملف.
وكانت المفاجأة.
صور.
خطابات.
وكل سنة من ال سنة اللي فاتوا كانت أم البنات كاتبة رسالة مسبقة لبناتها.
رسالة لعمر 10 سنين.
ورسالة لعمر 15.
ورسالة للتخرج.
ورسالة لأول وظيفة.
ورسالة للزواج.
كانت عاملة حساب كل حاجة.
وكأنها كانت عايشة معاهم سنة بسنة.
أما آخر رسالة فكانت موجهة ليا أنا.
فتحتها وإيدي بترتعش.
وكان مكتوب فيها
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنت وفيت بوعد ما أخدتوش أصلًا.
شكراً لأنك كنت الأب اللي بناتي احتاجوه.
وشكراً لأنك خليتهم يكبروا وهم حاسين بالأمان.
وأرجوك... متخليش الحقيقة اللي تعبت سنين عشان أخبيها تفرق بينكم.
في آخر الورقة كانت جملة واحدة
العيلة مش دم وبس... العيلة هي اللي بتفضل موجودة لما الكل يمشي.
رفعت رأسي.
لقيت البنات الثلاثة واقفين قدامي.
الكبيرة قالت وهي بتبكي
إحنا عمرنا ما حسينا إنك عمنا.
وقالت الوسطانية
إنت بابا.
أما الصغيرة، اللي بقت شابة دلوقتي، حضنتني وقالت
وكانت ماما عارفة ده من زمان.
في اللحظة دي فهمت إن السر الحقيقي عمره ما كان الأرض ولا الميراث ولا الاختفاء.
السر الحقيقي كان إن ست عظيمة وهي بتودع الدنيا رتبت كل حاجة بحب، وسابت لبناتها أغلى ميراث ممكن
عيلة فضلت متماسكة رغم كل السنين والوجع.
ااتسمرت عيوننا على الصورة.
في البداية افتكرت إننا بنتوهم.
لكن لما قربنا الصورة تحت النور، كلنا شوفنا نفس الحاجة.
الراجل اللي واقف ورا أخويا كان شبه جدي بدرجة مخيفة.
نفس الملامح.
نفس الشارب.
ونفس العصاية الخشبية اللي كان دايمًا ماسكها في الصور القديمة.
البنت الوسطانية شهقت وقالت
مستحيل... جدو مات قبل ما أنا أتولد أصلًا!
فضلت أبص للصورة وأحاول أقنع نفسي إن ده مجرد واحد شبهه.
لكن الحاجة اللي هزتني فعلًا كانت التاريخ المطبوع على الصورة.
متصورة من أسبوع واحد بس.
في الليلة دي محدش نام.
والأسطوانة كانت قدامنا على الترابيزة.
كل شوية نبصلها.
وكل شوية نفتكر الجملة المكتوبة
متفتحوش الأسطوانة.
لكن السؤال اللي كان بيقتلنا
ليه؟
وليه أخويا بعت التحذير بعد ما سابها أصلًا؟
مع أول ضوء للشمس، قررت أروح للمكان اللي ظاهر في الصورة.
المبنى المهجور كان مصنع قديم على أطراف المحافظة.
وصلت هناك ومعايا البنات.
المكان كان فاضي تمامًا.
شبابيك مكسورة.
وتراب مالي الأرض.
لكن أول ما دخلنا، الكبيرة شاورِت على الحائط.
كان فيه نفس الرمز الأحمر مرسوم عليه.
وبجانبه سهم متجه ناحية السرداب.
نزلنا السلم بحذر.
وفي آخر السرداب لقينا غرفة صغيرة مقفولة بقفل صدئ.
المفتاح اللي جه مع الطرد فتحه بسهولة.
ولما الباب اتفتح...
لقينا أخويا.
قاعد على كرسي.
حي.
لكن شكله مرهق جدًا وكأنه شايل هموم الدنيا كلها.
أول ما شافنا دموعه نزلت.
وقال
كنت عارف إنكم هتوصلوا.
صرخت فيه
فين كنت 15 سنة؟ وإيه كل اللي بيحصل ده؟
سكت لحظة طويلة.
وبعدين قال
الراجل اللي في الصورة مش جدكم.
اتصدمنا.
كمل وهو بيطلع ملف قديم من درج حديدي.
الراجل ده أخو جدكم التوأم.
محدش في العيلة كان يعرف إنه كان عنده أخ توأم.
الحقيقة إن العيلة كلها كانت مخبية القصة دي.
قبل عشرات السنين حصل خلاف كبير على الأرض والميراث.
واحد من التوأمين اختفى واتقال إنه مات.
لكن الحقيقة إنه عاش باسم مختلف بعيد عن البلد.
ومن يومها اتقسمت كل المستندات والأسرار بين الفرعين.
أم البنات اكتشفت الحكاية بالصدفة.
ولما بدأت تجمع الأدلة، ناس كتير خافت الحقيقة تظهر.
سألته
طب وإنت اختفيت ليه؟
رد بصوت مكسور
لأني كنت بحاول أحميهم.
وأشار للبنات.
وصلتني تهديدات بعد وفاة أمهم مباشرة. قالولي لو فضلت قريب منهم هيحصّلهم أذى.
سكتنا جميعًا.
لأول مرة كانت كلماته منطقية.
لكن كان لسه فيه لغز أكبر.
الأسطوانة.
بصيت له وقلت
إيه اللي عليها؟
وشه شحب فجأة.
وقال
عشان كده كنت بقولكم متفتحوهاش.
سألته
ليه؟
طلع نفسًا طويلًا وقال
لأن اللي عليها مش أسرار الأرض... ولا الميراث.
أمال إيه؟
رد وهو بيبص للبنات الثلاثة
عليها تسجيل صوتي لأمهم... سجلته ليلة وفاتها.
ساد الصمت.
ثم أكمل بصوت مرتعش
وفي التسجيل ده هتعرفوا حاجة عمر أي حد فينا ما قالها لكم.
البنات بصوا لبعض بقلق.
وأنا حسيت إن قلبي هيقف.
لأن أخويا قال بعدها مباشرة
بعد ما تسمعوا التسجيل... نظرتكم لكل اللي حصل في ال سنة اللي فاتوا هتتغير للأبد. وقفت مكاني وأنا ماسك الرسالة.
إيدي كانت بتترعش.
وأخويا واقف بعيد، رافض يبص في عيني.
البنات كانوا عايزين يعرفوا إيه اللي بيحصل، لكني حسيت إن في حاجة أكبر من الكل مستنياني جوه
متابعة القراءة