بعد ماامهم ماتت
صمت.
ثم مد يده لصندوق خشبي صغير.
وأخرج منه الدفتر الأسود.
الدفتر اللي دارت حواليه كل الأسرار.
وقال
أنا مش ياسين.
اتصدمنا.
ابتسم ابتسامة حزينة.
وأكمل
أنا ابن ياسين.
ساد الصمت.
ثم بدأ يحكي الحقيقة كاملة.
في ليلة الحريق القديمة، اكتشف جدهم أن هناك أشخاصًا يحاولون الاستيلاء على كل أملاك العائلة عن طريق تزوير مستندات قديمة.
وكان الدفتر الأسود يحتوي على كل الأدلة.
أسماء.
وتواريخ.
ووثائق.
وكان وجوده كافيًا لسجن ناس كبار وقتها.
لذلك قرر الجد إخفاء الدفتر.
لكن قبل أن يفعل، اندلع الحريق.
وفي الفوضى، أخذ ياسين الدفتر وهرب مع أحد أصدقاء الجد لحمايته.
ولأن الجميع اعتقد أنه مات، قرر الجد أن يتركهم يصدقون ذلك.
كان يظن أن السر سيموت معه.
لكن السنوات مرت.
وياسين كبر بعيدًا عن العائلة.
وتزوج.
وأنجب ولدًا.
هو الرجل الجالس أمامنا.
أما الرسائل التي كانت تصل للعائلة طوال السنين، فكان يرسلها ياسين ليطمئن أن أهله بخير دون أن يكشف نفسه.
ثم فتح الرجل آخر صفحات الدفتر.
وهنا كانت المفاجأة الأخيرة.
لا توجد ثروة مخفية.
ولا كنز.
ولا ميراث بملايين.
كل ما في الأمر أن جدهم كان قد كتب وصية طويلة.
وفي آخرها جملة واحدة
لو وصل أحفادي إلى هذه الصفحة، فأنا فشلت.
نظرنا إليه باستغراب.
فأكمل القراءة
معنى وصولكم إلى هنا أنكم ضيعتم سنوات من أعماركم تبحثون عن أسرار الماضي بدل ما تعيشوا مستقبلكم.
ساد الصمت.
ثم تابع
البيت الحقيقي ليس الأرض ولا المال. البيت هو الأشخاص الذين بقوا بجانبكم عندما اختفى كل شيء آخر.
بدأت الدموع تنزل من عيون البنات.
وأخويا أخفض رأسه.
أما أنا فشعرت أن كل الأحداث التي عشناها خلال الأسابيع الماضية بدأت تتضح.
كل واحد كان يجري وراء لغز.
وراء سر.
وراء حقيقة مخفية.
لكن الحقيقة الأهم كانت أمامنا طوال الوقت.
العائلة.
بعد ساعات طويلة من الكلام، وقف الرجل العجوز.
وأعطى الدفتر لأكبر البنات.
وقال
احتفظوا به لو أردتم.
فنظرت إليه.
ثم أغلقت الدفتر.
وقالت
لا.
استغرب الجميع.
فابتسمت ومسحت دموعها.
وقالت
إحنا أخيرًا عرفنا الحقيقة... ومش محتاجين نعيش باقي عمرنا أسرى لها.
وفي تلك اللحظة، وقف أخويا أمام البنات الثلاثة.
ولأول مرة منذ خمسة عشر عامًا، قال الكلمة التي كان يخاف يقولها
سامحوني.
فاحتضنته بناته.
واحتضنوني أنا أيضًا.
وقالت الكبرى وهي تبكي
إحنا كسبنا أبين... مش أب واحد.
في ذلك اليوم انتهت كل الأسرار.
وأُغلق الدفتر الأسود.
ودُفنت معه الحكايات القديمة.
لكن الشيء الوحيد الذي بقي حيًا...
هو العائلة التي نجت من الغياب، ومن الحزن، ومن الأسرار، وعادت تجتمع من جديد بعد خمسة عشر عامًا من الفراق.
النهاية.