بعد ماامهم ماتت

لمحة نيوز

الظرف ده.
فتحت الرسالة ببطء.
وكان أول سطر فيها
لو وصلت للرسالة دي، يبقى أخيرًا عرفت إن الحقيقة اللي عشت بيها طول عمرك ناقصة.
بلعت ريقي بصعوبة.
وكملت.
أخوك عمره ما كان مجرد أخوك.
وقفت عند الجملة دي.
قلبي كان بيدق بجنون.
لكن الرسالة كملت
وفي نفس الوقت... عمره ما كذب عليك.
كل سطر كان بيزود الغموض أكتر.
ثم وصلت لفقرة قصيرة مكتوبة بخط مختلف عن باقي الرسالة.
وكأنها اتكتبت في وقت تاني.
الحقيقة الكاملة موجودة في الدفتر الأسود.
بس.
مفيش تفسير.
مفيش تفاصيل.
ولا حتى كلمة زيادة.
رفعت رأسي بسرعة.
وسألت الرجل العجوز
دفتر إيه؟
بص للرجل اللي كان مدير البنك وقال
هو لسه موجود؟
رد المدير
كان موجود وقت إيداع الأمانة.
لكن تم سحبه بعدها بسنة واحدة.
اتجمدت.
مين اللي سحبه؟
فتح المدير سجلًا قديمًا.
وقلب صفحاته ببطء.
ثم رفع رأسه ناحيتي.
وقال
المفروض إن الشخص ده مات من 24 سنة.
سكتنا كلنا.
ثم دفع السجل نحونا.
كان فيه توقيع واحد.
اسم واحد.
اسم الشخص اللي سحب الدفتر.
ولما قرأته حسيت إن الهواء اختفى من المكان.
لأنه كان اسم أم البنات نفسها.
مستحيل.
هي ماتت من 15 سنة.
إزاي سحبت الدفتر قبل 24 سنة؟
وإزاي كانت مرتبطة بالموضوع قبل ما تتجوز أخويا أصلًا؟
أخويا فجأة قال
إحنا لازم نمشي.
لكن قبل ما يتحرك، الرجل العجوز أمسك ذراعه بقوة.
وقال
لا.
كفاية هروب.
ثم التفت إليّ.
وقال
اسأله عن الليلة اللي اتحرق فيها البيت القديم.
البيت القديم؟
عمري ما سمعت عن بيت اتحرق.
بصيت لأخويا.
وشه كان شاحبًا بشكل مخيف.
قلت
بيت إيه؟
محدش رد.
كرر الرجل العجوز
اسأله.
هنا أخويا قعد على الكرسي وكأنه فقد كل قوته.
ثم قال بصوت واطي
كنت فاكر إن مفيش حد لسه فاكر الليلة دي.
سألته
ليلة إيه؟
رفع رأسه ناحيتي.
وعينيه مليانة دموع.
وقال
الليلة اللي اختفى فيها الدفتر الأسود...
ثم سكت لحظة طويلة.
وأكمل
واللي اكتشفت فيها إن في واحد تاني كان عايش معانا في البيت...
واحد محدش من العيلة كلها بيتكلم عنه.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي.
مين؟
رد وهو يحدق في الفراغ
أخ ثالث.
ساد الصمت.
صمت ثقيل مرعب.
لأننا طول عمرنا كنا نعرف إن العيلة فيها ولدين فقط.
أنا وهو.
لكن أخويا أكمل بصوت مرتجف
وكان المفروض إنه مات وهو طفل...
ثم نظر إليّ مباشرة وقال
لكن بعد اللي شوفته ليلة الحريق... بقيت مش متأكد إنه مات أصلًا. لكن وأنا بقلب آخر ورقة في الملف، حاجة صغيرة وقعت على الأرض.
مفتاح.
مفتاح مختلف عن كل المفاتيح اللي لقيناها قبل كده.
كان مربوط فيه بطاقة صفراء قديمة.
مكتوب عليها بخط أم البنات
لا يُستخدم إلا إذا رجع.
رفعت رأسي ناحية أخويا.
وشه اتغير فجأة.
ولأول مرة من ساعة ما شوفته، بان عليه الخوف الحقيقي.
قال بسرعة
سيب المفتاح.
سألته
ليه؟
اتردد ثواني.
ثم قال
لأن ده الجزء اللي أنا نفسي معرفوش.
اتصدمنا كلنا.
إزاي يعني؟
رد
مراتي كانت أذكى مما تتخيلوا. كانت بتخبي أسرار جوه أسرار.
فتحت البطاقة أكتر.
كان جواها عنوان قديم في مدينة بعيدة.
ومعاه رقم صندوق حفظ أمانات باسم شخص غريب عمرنا ما سمعنا عنه.
في اليوم التالي سافرنا.
أنا والبنات وأخويا.
الطريق كله كان ساكت.
كل واحد غرقان في أفكاره.
ولما وصلنا للبنك القديم، الموظف بص للاسم واتغير لونه.
ثم دخل غرفة المدير مباشرة.
بعد عشر دقائق رجع ومعاه رجل كبير في السن.
أول ما شاف أخويا وقف مكانه مصدوم.
وقال
مستحيل...
إنت لسه عايش؟
بصينا لبعض.
أما أخويا فوشه شحب تمامًا.
سأله الرجل
هو ما قالكمش؟
قلنا
يقولنا إيه؟
الرجل بص لأخويا.
وأخويا نزل عينه للأرض.
هنا بدأ قلبي يدق بعنف.
الرجل تنهد وقال
الأمانة دي متسجلة من 26 سنة.
وصاحبة الحساب طلبت إنها ما تتفتحش إلا بحضور ابنها.
سكت.
ثم أكمل
وابنها رجع أخيرًا.
كلنا بصينا لأخويا.
لكن الراجل هز رأسه وقال
مش قصدي عليه.
ساد صمت مرعب.
ثم أشار بإصبعه نحوي أنا.
وقال
قصدي عليك أنت.
الدنيا لفت بيا.
حسيت إن رجلي مش شيلاني.
قلت
أنا؟!
أخرج الرجل ملفًا سميكًا جدًا من الخزنة.
ووضعه أمامي.
وفوق الملف كانت صورة قديمة بالأبيض والأسود.
الصورة فيها جدي...
وجوانبه طفلان صغيران.
واحد منهم أخويا.
أما الطفل الثاني...
فكان أنا.
لكن الصورة متصورة قبل التاريخ اللي اتقال إني اتولدت فيه بسنتين كاملتين.
رفعت الصورة وأنا مش قادر أتنفس.
والبنات واقفين مذهولين.
أما أخويا فكان بيبكي.
بكاء عمره ما بكى زيه قبل كده.
ثم قال بصوت مكسور
سامحني...
أنا كنت فاكر إن السر ده هيفضل مدفون للأبد.
مددت يدي نحو الملف.
فتحته ببطء.
وفي أول صفحة كانت شهادة قديمة جدًا.
وعليها جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي
تصحيح بيانات ميلاد...
وتحتها مباشرة اسم والدي...
لكن الاسم المكتوب لم يكن اسم أبي الذي رباني طوال عمري.
والأصعب من كل ده...
أن الصفحة التالية كانت تحتوي على رسالة مختومة من أمي، ومكتوب عليها
اقرأ هذه الرسالة وحدك... لأن بعدها لن تنظر إلى أخيك بنفس الطريقة أبدًا اتسعت عيني من الصدمة.
أخ ثالث؟!
الكلمة نفسها كانت غريبة.
عمري ما سمعت أمي، ولا أبويا، ولا أي حد من العيلة جاب سيرته حتى بالخطأ.
أخويا مسح دموعه وقال
لأنهم اتفقوا يدفنوا الحكاية كلها.
سألته وأنا حاسس إن رأسي هينفجر
مين هو؟
أخرج نفسًا طويلًا.
ثم قال
كان اسمه ياسين.
الاسم وقع علينا كأنه حجر.
أكمل
ياسين كان أصغر مني بسنة... وقبل الليلة المشؤومة دي بأيام، كان دايمًا يكرر جملة واحدة.
إيه هي؟
رد
كان بيقول إن فيه راجل بيكلمه من جوه الحجرة المقفولة.
شعرت بقشعريرة.
لكن أخويا هز رأسه بسرعة وقال
لا... مفيش حاجة خارقة. الحكاية كانت أكبر وأخطر من كده.
ثم أكمل
في البيت القديم كان فيه أوضة محدش بيدخلها غير جدي.
وكان ممنوع علينا حتى نقرب منها.
وفي ليلة الحريق...
استيقظوا على صراخ.
النار كانت مولعة في جزء من البيت.
والكل جرى ينقذ نفسه.
لكن بعد ما النار اطفَت...
قالوا إن ياسين مات.
واتدفن.
وانتهى الموضوع.
سألته
فين المشكلة؟
مد يده داخل الملف.
وأخرج صورة محترقة من الأطراف.
وقال
لأن دي صورة الجنازة.
أخذتها.
كانت الصورة قديمة جدًا.
فيها رجال العائلة واقفين حول قبر.
لكن لما دققت فيها...
اكتشفت حاجة غريبة.
القبر كان مغلقًا بالفعل.
لكن مفيش أي صورة للطفل.
ولا حتى اسم مكتوب على الشاهد.
مجرد رقم.
رقم فقط.
٧١.
سألت
يعني إيه ده؟
رد الرجل العجوز
لأن مفيش حد كان متأكد مين اللي اتدفن أصلًا.
ساد الصمت.
ثم أكمل
بعد سنوات طويلة، بدأت تظهر إشارات غريبة.
إشارات إيه؟
رسائل.
شهقت البنات.
رسائل من مين؟
أجاب
من شخص بيوقع باسم ياسين.
تجمدت الدماء في عروقي.
الرجل أكمل
كل عدة سنوات كانت توصل رسالة.
من غير عنوان.
من غير مرسل.
وفيها تفاصيل محدش يعرفها غير أفراد العيلة.
أخويا أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
وقال
وده آخر خطاب وصل.
فتحته بسرعة.
كان الورق أصفر من القدم.
وفي آخر السطر مكتوب
لما الحقيقة تقترب، هتلاقوني قبلكم بخطوة.
وقبل التوقيع مباشرة...
كان مرسوم نفس الرمز الأحمر.
الرمز اللي ظهر على الصورة.
وعلى الخريطة.
وعلى جدار السرداب.
وفجأة...
تذكرت البنت الكبيرة شيئًا.
قالت
استنوا...
وجرت نحو الصندوق المعدني.
وبدأت تقلب محتوياته.
ثم أخرجت صورة صغيرة جدًا لم ننتبه لها من قبل.
الصورة كانت مهترئة.
لكن بعد التدقيق...
ظهر فيها ثلاثة أطفال.
ليس طفلين.
ثلاثة.
وأحدهم كان وجهه ممزقًا عمدًا.
كأن شخصًا حاول إخفاء ملامحه.
على ظهر الصورة كانت جملة مكتوبة بالقلم
لو ضاعت الصورة... يبقى الخطة نجحت.
نظرنا لبعضنا في ذهول.
ثم قلبت البنت الصورة أكثر.
فوجدت شيئًا جعل الجميع يصمت.
عنوانًا.
عنوانًا حديثًا.
وليس قديمًا.
ومكتوب بجواره تاريخ...
تاريخ بعد ثلاثة أيام فقط من يومنا هذا.
كأن شخصًا حدد موعدًا مسبقًا.
وفي أسفل الورقة عبارة واحدة
بعد ثلاثة أيام... سأخبركم من أنا. 
وانتهى بنا الأمر أمام لغز جديد تمامًا
هل ياسين مات فعلًا منذ عشرات السنين؟
أم أن شخصًا ما كان يحرك خيوط كل هذه الأسرار من الظل طوال هذه السنوات... وينتظر هذه اللحظة بالذات ليظهر؟!مرت الثلاثة أيام كأنها ثلاثة سنين.
ولا حد فينا عرف ينام.
في الموعد المحدد بالضبط، رحنا كلنا للعنوان المكتوب في الصورة.
كان بيتًا قديمًا على أطراف مدينة صغيرة.
البيت شكله عادي جدًا.
وده اللي كان مخيف.
بعد كل الأسرار والرسائل والسنين دي، كنا متوقعين أي حاجة... إلا بيتًا عاديًا.
خبطنا الباب.
وبعد لحظات فتح رجل عجوز.
شعره أبيض بالكامل.
لكن أول ما شفته، حسيت بحاجة غريبة.
ملامحه...
ملامح العيلة.
ملامح جدي.
ملامح أخويا.
وملامحي أنا.
الرجل بص لنا طويلًا.
ثم قال بهدوء
اتأخرتوا.
دخلنا.
وقعدنا في
تم نسخ الرابط