بعت دهبي بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

بعت دهبي كله من ورا جوزي... عشان أنقذ أبويا من الموت.
الجملة دي فضلت تتردد في وداني طول الليل، وأنا قاعدة أبص لسقف الأوضة وقلبي بيتقطع بين خوفين؛ خوف على أبويا اللي مستني يدخل العملية، وخوف من اليوم اللي جوزي يعرف فيه الحقيقة.
ثمان سنين وأنا محرومة أدخل بيت أهلي، محرومة أشم ريحة بيت أبويا وأقعد جنب أمي وأحس إني بنت وسط أهلها. كل ده عشان خلاف قديم بين جوزي وأهلي، خلاف أنا ماليش ذنب فيه، لكني كنت أنا اللي بدفع تمنه كل يوم.
كنت بضحك قدام عيالي وأمثل إن كل حاجة بخير، لكن الحقيقة إن قلبي كان بيتفتت في صمت.
ولما عرفت إن أبويا محتاج عملية كبيرة ومستعجلة، حسيت إن الدنيا كلها بتضغط على صدري. فضلت أبص على الدهب اللي كنت بحوشه سنة ورا سنة من مصروفي، وأقول لنفسي لو مش النهارده، يبقى إمتى؟ ولو مش لأبويا، يبقى لمين؟
وفي لحظة واحدة، خدت القرار.
بعت الدهب... وبعت كل جنيه كنت مخبياه.
مافكرتش في نفسي، ولا في اللي ممكن يحصل بعدين.
كل اللي شوفته وقتها هو صورة أبويا وهو راقد على سرير المستشفى ومستني حد يسنده.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن الفلوس دي ما كانتش بداية المشكلة...
كانت بدايتها الحقيقية بعد العملية بيومين.
يوم ما رن تليفوني الفجر.
لقيت أخويا بيعيط بطريقة عمره ما عيطها قبل كده.
قال جملة واحدة بس، خلت الدم ينسحب من وشي
تعالي حالًا... في حاجة لازم تعرفيها عن العملية.
سألته وأنا برتعش
خير؟ أبويا حصله حاجة؟
سكت ثواني طويلة...
وبعدين قال
الموضوع مش عن العملية يا أختي... الموضوع عن الفلوس اللي بعتيها.
وقبل ما أسأله أي سؤال، قفل المكالمة.
من ساعتها وأنا مش قادرة أتنفس.
إيه اللي حصل للفلوس؟
وليه أخويا كان مرعوب بالشكل ده؟
والأهم...
إزاي جوزي عرف في نفس اليوم إني خرجت دهبي من البيت، رغم إني متأكدة إن محدش شافني؟
ساعتها بس بدأت أفهم إن السر اللي مستخبي من سنين... أخطر بكتير من مجرد خلاف بين جوزي وأهلي تفتكرو كان ايه ووووو
بقلم_زيزي_احمد
أخويا قفل السكة في وشي، وأنا فضلت ماسكة التليفون بإيد بترتعش.
حاولت أكلمه تاني... مرة واتنين وعشرة، لكن كان بيقفل.
مع أول ضوء للفجر، حسيت إني هتجنن.
جوزي كان نايم جنبي، لكن لأول مرة أحس إن بيني وبينه بحر كامل من الأسرار.
وفجأة، سمعت إشعار على موبايله.
ماكنتش ناوية أبص، لكن اسم المرسل شدني.
الاسم كان...
الحاج عبدالعظيم.
اسم غريب عمري ما سمعته قبل كده.
لكن الصدمة مش هنا...
الصدمة إن آخر رسالة كانت متبعتة من نص ساعة بس.
ومكتوب فيها
البنت عرفت تتحرك. خليك حذر.
حسيت الأرض بتتهز من تحتي.
مين البنت؟
أنا؟
وليه حد بيراقبني؟
قفلت الموبايل بسرعة قبل ما يصحى، لكن قلبي كان بيدق كأنه هيكسر ضلوعي.
أول ما خرج جوزي الشغل، أخدت أول مواصلة وروحت المستشفى.
لقيت أخويا مستنيني قدام الباب.
وشه أصفر، وعينيه حمرا من السهر.
أول ما شافني شدني بعيد عن الناس وقال
الفلوس اللي بعتيها ما اتدفعتش كلها للعملية.
بصيتله بعدم فهم.
قال
المستشفى طلبت مبلغ أقل بكتير من اللي كنا فاكرينه.
أمال الباقي راح فين؟
بلع ريقه وقال
أبويا كان مخبي عننا حاجة.
جريت على أوضة أبويا.
دخلت لقيته صاحي لأول مرة من العملية.
أول ما شافني دموعه نزلت.
وقال بصوت ضعيف
سامحيني يا بنتي...
وقبل ما أسأله، مد إيده تحت المخدة وطلع ظرف قديم.
الظرف كان مصفر من الزمن.
وعليه اسمي أنا.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
لقيت جواه صورة قديمة جدًا.
صورة لأبويا...
واقف جنب جوزي.
والاتنين شباب صغيرين.
ووراهم عربية قديمة محروقة نصها.
وفي ضهر الصورة مكتوب بخط مهزوز
اليوم اللي اتدفنت فيه الحقيقة.
رفعت عيني لأبويا وأنا مش فاهمة حاجة.
لكن قبل ما يتكلم...
دخل راجل كبير المستشفى فجأة.
وأول ما شاف الصورة اتجمد مكانه.
وقال بصوت مخنوق
إزاي الصورة دي لسه موجودة؟!
أبويا اتغير لون وشه.
وأخويا رجع خطوة لورا.
أما أنا...
فبدأت أحس إن الخلاف اللي بين جوزي وأهلي عمره ما كان خلاف عادي.
كان سر مدفون من أكتر من عشرين سنة...
وسر له علاقة بالعربية المحروقة...
وبالطفل اللي اختفى في نفس الليلة ومحدش عرف له طريق لحد النهارده. 
يتبع...الراجل الكبير فضل واقف يبص للصورة كأنه شاف شبح قدامه.
أنا مسكت الصورة أكتر وسألته بعصبية
مين الطفل ده؟ وإيه حكاية العربية؟
لكن قبل ما يرد، أبويا ضرب بإيده على السرير وقال بصوت متقطع
مش دلوقتي...
الراجل بص لأبويا وقال
بعد السنين دي كلها لسه خايف؟ الحقيقة لازم تتقال.
ساعتها أخويا قفل باب الأوضة، وحسيت إن اللي هسمعه هيقلب حياتي كلها.
الراجل قعد على الكرسي وقال
من اتنين وعشرين سنة، حصل حريق غامض في عربية على الطريق الزراعي.
كنت سامعة كل كلمة وقلبي بيدق.
كمل
الناس كلها افتكرت إن اللي جوه العربية ماتوا.
بصيت للصورة تاني.
فعلاً العربية نفسها.
لكن أبويا قاطعه بعصبية
ما تقولش أكتر من كده.
الراجل تجاهله وقال
في الليلة دي كان فيه طفل صغير اختفى.
والبوليس فضل يدور عليه شهور.
لكن محدش لقاه.
سألته بسرعة
إيه علاقة جوزي بكل ده؟
سكت شوية وقال
لأن جوزك كان موجود ليلة الحادث.
حسيت الدنيا اسودت قدامي.
لكن الراجل رفع إيده بسرعة وقال
موجود... مش معناه مذنب.
أبويا غمض عينيه كأنه بيتعذب.
ثم قال
جوزك أنقذ حياة شخص في الليلة دي.
ومن يومها حياتنا كلنا اتغيرت.
أنا بقيت مش فاهمة أي حاجة.
مين الشخص ده؟
وليه محدش اتكلم طول السنين دي؟
وقبل ما حد يرد...
دخلت ممرضة تجري وهي بتقول
مين من أهل الحاج مصطفى؟
وقفنا كلنا.
قالت
في راجل تحت بيسأل عليه، ومعاه صندوق قديم، وبيقول إنه أمانة لازم تتسلم النهارده.
نزل أخويا بسرعة.
وبعد دقائق رجع وهو شايل صندوق خشب صغير مغبر.
الصندوق كان مقفول بقفل نحاس قديم.
وعليه ورقة مكتوب فيها
لا يُفتح إلا بعد العملية.
كلنا بصينا لأبويا.
وشه شحب فجأة.
وقال بصوت مرتعش
أنا كنت فاكر الأمانة دي ضاعت.
فتح أخويا القفل.
أول حاجة ظهرت كانت ساعة يد قديمة متوقفة عند الساعة 217.
وتحتها مجموعة مفاتيح صدية.
وفي القاع...
دفتر صغير أسود.
أبويا أول ما شاف الدفتر حاول يقوم من السرير رغم تعبه.
وقال
اقفلوه... محدش يفتحه.
لكن أخويا كان أسرع.
فتح أول صفحة.
وساعتها اتجمدنا كلنا.
لأن الصفحة الأولى كانت عبارة عن قائمة أسماء.
أسماء كتير جدًا.
وبجانب كل اسم تاريخ.
وفي آخر القائمة اسم جوزي...
مكتوب جنبه بخط أحمر
آخر من يعرف الحقيقة.
أما الاسم اللي فوقه مباشرة...
فكان اسمي أنا.
لكن التاريخ المكتوب جنبي كان بعد تاريخ ميلادي بخمس سنين كاملة!
وكأن حد سجلني في الدفتر قبل ما أولد أصلًا...
يتبع... فضلت أبص للاسم وأنا مش مستوعبة.
خمس سنين قبل ما أولد؟!
خطفت الدفتر من إيد أخويا وقلبت الصفحات بسرعة.
كل صفحة فيها أسماء وملاحظات غامضة ورموز محدش فاهمها.
لكن حاجة واحدة لفتت نظري.
كل الأسماء اللي في الدفتر كانوا ناس من بلدنا.
بعضهم مات من سنين.
وبعضهم لسه عايش.
وكل اسم جنب منه علامة مختلفة.
دائرة.
مثلث.
نجمة.
وختم أحمر صغير.
سألت أبويا
إيه معنى الكلام ده؟
لكن قبل ما يرد، الراجل الكبير مد إيده للدفتر وقال
وريني الصفحة الأخيرة.
قلبنا لآخر صفحة.
وهنا كانت الصدمة.
في جيب صغير متخيط داخل الغلاف.
طلعنا منه مفتاح معدني غريب.
طويل شوية وعليه رقم
17
وبمجرد ما شافه الراجل، وشه اتغير.
وقال
يبقى المكان لسه موجود.
أخويا سأله
مكان إيه؟
سكت ثواني طويلة.
وبعدين قال
المخزن.
الأوضة كلها سكتت.
حتى صوت أجهزة المستشفى حسيت إنه اختفى.
قلت
مخزن إيه؟
قال بهدوء
من أكتر من عشرين سنة، مجموعة من أهل البلد خبوا حاجة مهمة جدًا.
حاجة لو ظهرت للناس النهارده هتغير مصير عائلات كاملة.
أبويا ضرب بإيده على السرير
كفاية!
لكن الراجل أكمل
الحاج مصطفى كان واحد من الأمناء عليها.
وجوزك بقى آخر شخص اتسلم السر.
لفيت لأبويا بسرعة.
يعني جوزي كان عارف كل ده؟
نزل بعينه للأرض.
وده كان أول اعتراف.
عرفت وقتها إن

تم نسخ الرابط