بعت دهبي بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

جملة تانية
الطفل الذي اختفى تلك الليلة لم يمت.
رفعت عيني بسرعة.
كل اللي في الأوضة كانوا مصدومين.
حتى جوزي.
وأنا افتكرت كلام الراجل من أيام عن الطفل المفقود.
الطفل اللي اختفى بعد الحريق.
لكن الرسالة كملت
تم نقله إلى مكان آمن، وتغيير هويته بالكامل.
أخويا همس
يعني الطفل عاش؟
لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر سطر.
لأن الكاتب كتب
وسيحمل الطفل مفتاح الحقيقة معه طوال حياته دون أن يعلم.
وفي اللحظة دي...
الراجل الغريب بص ناحية جوزي.
ثم ناحية أبويا.
ثم ناحيتي أنا.
وقال
دلوقتي بقى... اسألو نفسكم السؤال الصح.
مين فيكم هو الطفل المفقود؟
ساد صمت ثقيل.
ثواني مرت كأنها ساعات.
ثم مد أبويا إيده المرتعشة ناحية رقبته.
وفك سلسلة فضية قديمة كان لابسها طول عمره.
عمري ما شفته يخلعها.
ولا مرة.
فتحها.
طلع منها نصف ميدالية مكسورة.
والصدمة إن جوزي شهق فجأة.
وأخرج من جيبه سلسلة شبهها تمامًا...
لكن بالنصف الآخر من الميدالية.
ولما اتجمع النصين...
ظهر نقش واحد كامل.
نقش ماحدش فينا فهم معناه.
إلا الراجل الغريب.
اللي تراجع خطوة للخلف وقال
لا...
مستحيل...
يبقى الحقيقة كانت قدامنا طول الوقت.
ثم رفع عينه ناحية جوزي وقال
إنت مش مجرد شاهد على الحريق...
إنت جزء منه.
يتبع... الأوضة كلها سكتت.
كل العيون اتجهت ناحية جوزي.
وأنا حسيت إن قلبي هيخرج من مكانه.
بصيتله وقلت بصوت مخنوق
يعني إيه جزء منه؟
جوزي نزل عينه للأرض للحظة.
وبعدين رفعها وقال
أنا نفسي ماكنتش أعرف الحقيقة كاملة.
الراجل الغريب ضحك بسخرية.
أيوه... لأن اللي ربوك كانوا عايزينك تفضل متعرفش.
اتجمدت في مكاني.
ربوك؟
أبويا مسك طرف السرير بقوة.
أما الراجل الكبير فتمتم
إحنا كنا خايفين من اليوم ده.
اقترب الراجل الغريب خطوة وقال
الطفل اللي اختفى ليلة الحريق... ما اختفاش صدفة.
تم إنقاذه قبل ما العربية تتحرق بالكامل.
وبعدين اتسلم لأسرة تانية بعيد عن كل اللي حصل.
لف ناحية جوزي.
والطفل ده هو أنت.
حسيت الدنيا كلها لفت بيا.
بصيت لجوزي.
كنت مستنية منه ينفي.
يكذب.
يغضب.
أي حاجة.
لكنه فضل ساكت.
وقال بهدوء
عرفت من خمس سنين بس.
أخويا شهق.
وأنا حسيت بوجع غريب.
عرفت ومقولتليش؟
رد بصوت مكسور
لأني كنت بحاول أوصل للحقيقة قبل ما أقولها.
ثم أخرج ورقة مطوية من الملف الأصفر.
ورقة قديمة جدًا.
فيها بصمة قدم طفل صغيرة بالحبر.
وتحتها اسم.
اسم مختلف تمامًا عن اسم جوزي الحالي.
الراجل الكبير قال
دي الوثيقة الأصلية.
الاسم اللي كان مسجل بيه قبل الحريق.
لكن الراجل الغريب هز رأسه.
لسه ناقص جزء.
ثم أشار للدولاب الحديد.
الدولاب ذو الأقفال السبعة.
وقال
الحقيقة الكاملة جوه.
كلنا بصينا للدولاب.
القفل الأخير مازال مقفول.
القفل الخاص بالحارس الأخير.
يعني أنا.
وفجأة افتكرت حاجة.
المفتاح رقم 17.
كان لسه معايا.
طلعت المفتاح من جيبي.
وبمجرد ما قربته من القفل...
سمعنا صوت خفيف.
كأن آلية قديمة استيقظت بعد سنين.
جوزي قال بسرعة
استني.
لو فتحناه، مفيش رجوع.
لكن أبويا رفع رأسه لأول مرة بثبات.
وقال
بالعكس.
إحنا تأخرنا عشرين سنة.
أدخلت المفتاح.
لفيته ببطء.
القفل اتفتح.
ثم الباب الحديدي بدأ يتحرك.
صرير قوي ملأ المكان.
ولما فتح بالكامل...
ما لقيناش ذهب.
ولا أوراق.
ولا أموال.
كان فيه صندوق خشبي واحد فقط.
صغير.
وبسيط جدًا.
عليه لوحة نحاسية مكتوب فيها
شهادة الحارس الثامن.
أخويا قال باستغراب
إحنا سبعة حراس... مين الثامن؟
لكن قبل ما حد يرد...
فتحت الصندوق.
وكان بداخله دفتر قديم.
وصورة.
وخاتم فضي.
أما الصورة...
فلما رفعتها قدام النور...
شهقت.
لأنها كانت صورة لطفلين صغيرين واقفين جنب بعض.
واحد منهم جوزي.
أما الطفل الثاني...
فكان شبه ابني الكبير بشكل مرعب.
نفس الملامح.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
لكن الصورة متصورة قبل أكتر من عشرين سنة.
يعني مستحيل يكون ابني.
قلبت الصورة من الخلف.
وكان مكتوب عليها
الطفلان الناجيان من ليلة الحريق.
ساعتها بس فهمنا إن السر الحقيقي ماكانش عن الأراضي.
ولا الحراس.
ولا المستندات.
كان فيه طفل ثانٍ نجا تلك الليلة...
طفل اختفى تمامًا من السجلات.
وماحدش عرف عاش فين...
ولا كبر إزاي...
ولا حتى إذا كان لسه عايش.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني...
إن آخر ورقة في الصندوق كانت فيها جملة واحدة
إذا اجتمع الناجيان مرة أخرى... ستُكشف الحقيقة التي أُخفيت منذ البداية.
وفي أسفل الورقة اسم المكان الذي شوهد فيه الناجي الثاني آخر مرة...
مكان قريب جدًا من بيتنا.
قريب لدرجة إننا كلنا مرينا من قدامه مئات المرات...
من غير ما نعرف إن السر كله كان عايش هناك. 
يتبع... فضلت ماسكة الورقة ومش قادرة أبعد عيني عنها.
اسم المكان كان معروف جدًا.
دار قديم لتعليم الحرف، موجود على أطراف البلد.
مكان مهجور من سنين، والناس كلها فاكرة إنه اتقفل واتساب.
أخويا قال باستغراب
إحنا بنعدي من هناك كل أسبوع!
لكن الراجل الكبير هز رأسه وقال
لا... الجزء اللي الناس بتشوفه بس هو المهجور.
إنما الجزء الحقيقي مستخبي وراه.
جوزي خطف الورقة وقراها أكتر من مرة.
ثم قال
يبقى هو لسه موجود.
سألته بسرعة
مين؟
رد وهو بيبص للصورة
الناجي التاني.
خرجنا من المبنى القديم قبل ما الليل يكتمل.
والراجل الغريب اختفى فجأة.
كأن الأرض بلعته.
دورنا عليه حوالي المبنى وما لقيناهوش.
والأغرب من كده...
إن الورقة اللي جابها معاه كانت لسه موجودة.
لكن هو نفسه اختفى.
كأنه كان جاي يوصل رسالة وبس.
في اليوم التالي، رحنا كلنا للدار القديم.
المكان كان مقفول بسلاسل صدية.
والتراب مغطي كل حاجة.
لكن لما لفينا ورا المبنى...
لقينا باب حديد صغير مستخبي وسط الأشجار.
الباب ماكانش عليه أي قفل.
كأنه مستنينا.
أخويا فتحه بحذر.
ونزلنا سلم طويل تحت الأرض.
درجة...
ورا درجة...
لحد ما وصلنا لقاعة واسعة.
وفي وسط القاعة كانت فيه أرفف مليانة ملفات وصور وصناديق.
وكأن حد عامل أرشيف كامل لحاجة مهمة جدًا.
أبويا أول ما شاف المكان دموعه نزلت.
وقال
لسه زي ما هو...
بدأنا نفتش.
وبعد دقائق، لقيت دفتر تسجيلات قديم.
فتحت أول صفحة.
لقيت أسماء أطفال كتير.
أيتام.
مفقودين.
وأطفال تم نقلهم لأسر مختلفة بعد حوادث وكوارث.
لكن صفحة واحدة كانت متعلمة بعلامة حمراء.
فتحتها.
اتجمدت.
كان فيها صورتين.
صورة جوزي وهو طفل.
وصورة الطفل التاني.
وتحتهم ملاحظة مكتوبة بخط اليد
تم الفصل بينهما حفاظًا على السر.
أخويا قال
سر إيه بالضبط؟
قلبت الصفحة.
وكان فيه جواب مطوي.
قدمت الأيام لون ورقه.
فتحت الجواب.
وفي أول سطر مكتوب
إلى الحارس الذي سيأتي بعدنا...
ثم
الطفلان ليسا شاهدين على الحريق فقط.
بلعت ريقي وأنا بكمل.
الطفلان يحملان الدليل.
كلنا بصينا لبعض.
الدليل؟
فين؟
إزاي؟
وكملت القراءة
تم تقسيم المفتاح إلى جزأين.
جزء حُفظ مع الناجي الأول.
وجزء حُفظ مع الناجي الثاني.
وعندما يجتمع الجزآن، يظهر الموقع الحقيقي للأمانة الأخيرة.
الأوضة كلها سكتت.
لأننا افتكرنا نصفي الميدالية اللي كانوا مع أبويا وجوزي.
لكن الراجل الكبير هز رأسه.
وقال
لا...
دي ماكنتش الميدالية المقصودة.
فيه مفتاح تاني.
وفجأة سمعنا صوت خافت جاي من آخر القاعة.
صوت عصاية بتخبط على الأرض.
مرة...
مرتين...
ثلاثة.
لفينا كلنا ناحية الصوت.
وكان فيه رجل عجوز واقف في الظل.
عمره يمكن فوق الثمانين.
ملامحه غريبة لكن فيها شيء مألوف.
بص للصورة.
ثم بص لجوزي.
وقال بهدوء
دورت عليكم سنين طويلة.
خصوصًا أنت.
وأشار لجوزي.
ثم أخرج من جيبه قطعة معدنية صغيرة.
نفس شكل نصف مفتاح مكسور.
وقال
لأن النصف التاني معايا من يوم الحريق.
يتبع...القاعة كلها غرقت في صمت ثقيل.
العجوز مد إيده بالقطعة المعدنية ناحية جوزي.
وقال
كنت فاكر إني هموت قبل ما أوصلها لصاحبها.
جوزي قرب منه بحذر.
وأخذ القطعة.
أول ما لمسها، العجوز ابتسم ابتسامة غريبة وقال
زي ما توقعت... نفس العلامة.
سألته
علامة إيه؟
رفع العجوز كم جوزي.
ولأول مرة لاحظنا علامة صغيرة جدًا على معصمه.
شكلها كان شبه نجمة بسبعة أطراف.
أبويا شهق.
والراجل الكبير غمض عينيه.
أما أنا فقلت
إيه معنى العلامة دي؟
العجوز رد
دي علامة الأمناء.
كل شخص اتكلف بحماية جزء من السر كان بيسيبها للي بعده.
ثم أشار للدفتر القديم.
لكنكم لسه فاهمين الحكاية غلط.
أخويا قال بعصبية
أمال الصح إيه؟
العجوز تنهد.
وقال
أنتم فاكرين إن السر شيء لازم نلاقيه.
لكن الحقيقة إن السر موجود قدامكم من أول يوم.
ماحدش فهم.
إلا أبويا.
اللي بدأ يبكي.
أول مرة أشوفه بيعيط بالشكل ده.
قال بصوت مكسور
كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي.
العجوز هز رأسه.
ثم فتح صندوقًا صغيرًا كان معاه.
طلع منه ملف نحيف جدًا.
فيه ورقتين فقط.
ولا عقد ملكية.
ولا خرائط.
ولا مفاتيح.
ورقة شهادة ميلاد قديمة.
وورقة وصية.
أخذنا شهادة الميلاد.
وكانت الصدمة...
أن اسم الطفل المفقود ماكانش اسم جوزي.
ولا اسم أي حد نعرفه.
لكن الاسم المكتوب في خانة الأب...
كان اسمًا عرفناه جميعًا.
اسم
تم نسخ الرابط