فتح تعش ابنه بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

فتح نعش ابنه قبل الدفن... فاكتشف الخيانة اللي كانت مرات ابنه عايزة تدفنها للأبد
لو هتدفنوا ابني من غير ما أشوف وشه... يبقى ادفنوني أنا الأول!
صرخة الحاجة أمينة شقت الصمت جوه قاعة العزاء.
كانت لابسة عبايتها السودا القديمة، ووشها مرهق من السفر والعيون الحمرا من كتر العياط. عندها 67 سنة، وجاية من البلد أول ما سمعت بالصدفة من واحدة من الجيران إن ابنها الوحيد محمود مات.
ولا حد كلف نفسه يتصل بيها...
ولا حتى رسالة.
وقفت قدام النعش المقفول، متغطي بالورد الأبيض، والشموع مالية المكان.
وعلى الناحية التانية كانت داليا، مرات محمود، لابسة أسود شيك، وواقفة ببرود غريب كأن اللي في النعش شخص متعرفوش.
قالت وهي بتحاول تسيطر على الموقف
يا طنط... بلاش تصعبيها أكتر. محمود كان موصي إن محدش يفتح النعش.
بصتلها الحاجة أمينة بنظرة كلها وجع.
وقالت
ابني من أسبوع كان بيكلمني يسألني أحط كام فص ثوم في المحشي... متقوليش هو كان عايز إيه.
الناس كلها وطت راسها.
موظفين من شركته...
شركاء...
محامي...
وكل واحد فيهم باين عليه التوتر أكتر من الحزن.
وفي اللحظة دي الحاجة أمينة فهمت الحقيقة...
كل الناس كانت عارفة بموته...
إلا أمه.
امبارح الصبح جارتها بعتتلها رسالة
البقاء لله يا أمينة... ربنا يرحم محمود.
وقتها وقعت منها كباية الشاي.
فضلت تتصل بابنها مرة ورا التانية...
مفيش رد.
اتصلت بداليا...
مفيش رد.
لحد ما واحد من معارفها قالها إن الجنازة هتتم بسرعة، والنعش هيفضل مقفول، والدفن هيكون فورًا.
طول الطريق كانت ماسكة صورة لمحمود وهو صغير، لابس مريلة المدرسة وبيضحك.
افتكرت السنين اللي ربت فيها ابنها لوحدها...
اشتغلت في البيوت...
وباعت أكل...
وعملت المستحيل علشان يكبر ويبقى راجل.
عشان كده...
لما بصت لداليا...
مشافتش أرملة.
شافت واحدة واقفة بينها وبين ابنها.
قالت بحزم
افتحي النعش.
داليا هزت راسها.
مستحيل.
بقولك افتحيه.
قربت منها داليا وقالت بصوت واطي
هو حضرتك ناسية إنك كنتِ متخانقة مع محمود بقالك شهور؟ متجيش دلوقتي تمثلي دور الأم المثالية.
الكلام وجعها...
لأنه كان فيه جزء منه حقيقي.
من يوم ما محمود اتجوز، وهو بعد عنها واحدة واحدة.
وداليا كانت دايمًا بترد مكانه...
وتاخد تليفونه...
وتبعده عن أمه.
وكانت أمينة قالتله مرة
يا ابني... الست دي مش بصالك كزوج... دي بصالك كأنك ورقة إمضا.
وقتها زعل منها...
وبطل حتى يزورها.
لكن مهما حصل...
مفيش خلاف يمحي عمر كامل من حب الأم لابنها.
فجأة...
زقت داليا بكل قوتها.
والناس حاولت تمنعها...
لكن كانت أسرع منهم.
حطت إيديها على غطا النعش...
ورفعته.
كان محمود نايم...
وشه شاحب...
وشفايفه مزرقة.
انهارت أمينة وهي بتحضنه وتبوس جبينه.
وفجأة...
جسمها اتجمد.
عينها ثبتت على جفنه.
كان بيتحرك...
حركة بسيطة جدًا.
وبعدها...
صدره ارتفع سنة صغيرة...
كأنه بيحارب علشان ياخد نفس.
همست وهي مرعوبة
محمود... بيتنفس!
محدش رد.
صرخت بأعلى صوتها
ابني عايش... والله ابني عايش!
في اللحظة دي...
وش داليا قلب لونه أبيض.
ورجعت خطوة لورا وهي بتتمتم
لا... ده... ده مستحيل...
وساعتها...
كل اللي كانوا واقفين فهموا إنهم مش قدام معجزة...
هم قدام سر مرعب...وووو
بقلم_زيزي_احمد
في اللحظة دي...
القاعة كلها اتقلبت.
واحد من الموجودين جري ناحية النعش، وحط صوابعه على رقبة محمود.
ثواني...
وبعدين بص حواليه وهو بيصرخ
اطلبوا الإسعاف... بسرعة!
داليا اتجمدت مكانها.
وشها كان شاحب، وإيديها بترتعش.
لكن بدل ما تجري ناحية جوزها...
لفت تبص على راجل واقف آخر القاعة.
كان لابس بدلة رمادي، وما نطقش ولا كلمة.
أول ما عيونهم اتقابلت...
هز لها راسه كأنه بيقول
اسكتي.
الحاجة أمينة كانت ماسكة إيد ابنها وهي بتبكي.
محمود... يا ضنايا... افتح عينك... أنا هنا.
وفجأة...
صوابعه اتحركت حركة خفيفة.
الناس شهقت.
وفي نفس اللحظة...
الإسعاف وصلت، والمسعفين دخلوا يجروا.
بعد كشف سريع...
واحد منهم قال بانفعال
لسه فيه نبض... لكنه ضعيف جدًا... لازم نتحرك حالًا.
اتنقل محمود على الترولي وسط ذهول الجميع.
لكن قبل ما يخرجوا من القاعة...
دخل راجل كبير في السن، كان بيجري وهو بينهج.
استنوا... محدش يطلعه!
الكل بصله باستغراب.
طلع كارنيه من جيبه وقال
أنا الدكتور اللي كنت متابع حالة محمود.
سكت لحظة، وبعدين قال
فيه حاجة غلط في التقرير اللي اتكتب... وأنا جيت أول ما عرفت إنهم هيعملوا الجنازة.
القاعة سكتت تمامًا.
داليا قربت منه وقالت بصوت متوتر
حضرتك... تقصد إيه؟
بصلها الدكتور بنظرة طويلة، وقال
أقصد إن محمود كان محتاج ساعات قليلة من المتابعة... مش شهادة وفاة.
الهمس بدأ ينتشر بين الحاضرين.
المحامي اللي كان واقف من أول العزاء حاول ينسحب بهدوء.
لكن الحاجة أمينة لمحته.
وقالت بصوت عالي
استنى عندك... إنت رايح فين؟
وقف مكانه.
والعرق بدأ ينزل من على جبينه.
وفي نفس اللحظة...
رن تليفون محمود الموجود داخل كيس متعلق بجوار النعش.
أحد المسعفين ناول الهاتف للحاجة أمينة.
بصت للشاشة...
واتجمدت ملامحها.
الاسم اللي كان ظاهر على الشاشة...
كان اسم شخص، الجميع كان مقتنع إنه مسافر خارج مصر من شهور... ولم يكن من المفترض أن يتصل في هذا التوقيت أبدًا الحاجة أمينة فضلت باصة لشاشة التليفون ثواني.
إيديها كانت بترتعش.
ردت على المكالمة وهي حاطة السماعة على ودنها.
جالها صوت راجل بيقول بسرعة
الحمد لله إني لحقت... محمود فين؟ أوعوا تسيبوا حد يدفنه!
ردت أمينة وهي بتعيط
ابني مع الإسعاف... إنت مين؟
سكت الراجل لحظة، وقال
أنا المهندس حسام... شريك محمود في المشروع الجديد. لازم أوصله قبل أي حد.
قبل ما يكمل...
المكالمة اتقطعت.
في اللحظة دي، المحامي حاول يخرج من الباب مرة تانية.
لكن اتنين من موظفي الشركة وقفوا قدامه.
واحد منهم قال
بعد اللي حصل... محدش هيمشي قبل ما نفهم الحقيقة.
المحامي بلع ريقه وقال
أنا مالي؟ أنا جيت أنفذ إجراءات قانونية وبس.
رد عليه موظف كبير كان شغال مع محمود من سنين
الغريب إنك كنت مستعجل جدًا على الدفن... مع إن التقرير الطبي كان لسه واصل النهارده.
سكت المحامي.
ومعرفش يرد.
في المستشفى...
الأطباء دخلوا محمود غرفة الطوارئ بسرعة.
الحاجة أمينة كانت واقفة بره، ماسكة سبحته القديمة، وكل شوية تدعي
يا رب... ردهولي... يا رب.
بعد حوالي نص ساعة...
خرج الدكتور.
وشه كان جاد.
قال
الحمد لله... قدرنا نثبت حالته. هو لسه في غيبوبة، لكن واضح إنه ماكانش متوفى وقت ما اتنقل لقاعة العزاء.
الحاجة أمينة خرّت ساجدة على الأرض من الفرحة.
أما داليا...
فكانت واقفة بعيد، ملامحها متلخبطة.
قرب منها ظابط الشرطة، وقال بهدوء
محتاجين نسألك كام سؤال عن آخر يوم كان فيه محمود في البيت.
قبل ما ترد...
وصل شاب صغير يجري على الاستقبال، وفي إيده ظرف بني مقفول.
قال بصوت عالي
الظرف ده محمود اداهولي من أسبوع، وقال لو حصله أي حاجة أو اختفى فجأة... أسلمه لوالدته وبس.
كل العيون اتجهت ناحية الظرف...
والحاجة أمينة مدت إيديها ببطء علشان تستلمه...
وهي مش عارفة إن اللي جواه هيغيّر مجرى الأحداث كلها الحاجة أمينة أخدت الظرف، وضغطت عليه بإيديها كأنها خايفة يضيع منها.
كان مقفول بإحكام، ومكتوب عليه بخط محمود
يفتح بمعرفة أمي فقط.
بصت حواليها.
كل الموجودين مستنيين تعرف اللي جواه.
لكنها قالت بحزم
محدش هيقرب... ده أمانة ابني.
فتحت الظرف ببطء...
طلع منه فلاشة صغيرة، ومفتاح، وورقة مطوية.
فردت الورقة، وبدأت تقرأ بصوت مرتعش
يا أمي... لو الورقة دي وصلت لك، يبقى فيه حاجة كبيرة حصلت. أنا كنت حاسس إن في ناس بتحاول تضغط عليّ علشان أوقع على مستندات مش مقتنع بيها. رفضت، ومن يومها بدأت أحس إن في حد بيراقبني. لو جرالي أي مكروه، متثقيش في أي ورق يطلع بعد النهارده إلا لما الفلاشة دي تتفتح.
ساد الصمت.
المحامي نزل برأسه للأرض.
وأحد موظفي الشركة قال بدهشة
يعني أستاذ محمود كان متوقع إن يحصل له حاجة؟
الحاجة أمينة ضمت الورقة لصدرها.
وفجأة...
افتكرت المفتاح.
كان متعلق فيه ميدالية صغيرة مكتوب عليها رقم
27.
سألت بصوت منخفض
يا ترى مفتاح إيه ده؟
في اللحظة دي...
دخل المهندس حسام أخيرًا إلى المستشفى، وهو بيجري.
أول ما شاف المفتاح، اتسعت عينه وقال
الحمد لله... المفتاح لسه

تم نسخ الرابط