فتح تعش ابنه بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

الحقيقة بنفسي. كل المستندات اللي تثبت براءتي موجودة، لكن أهم دليل مش ورق... أهم دليل تسجيل صوتي محفوظ على التليفون القديم اللي في الصندوق.
الحاجة أمينة بصت للهاتف القديم.
كان مطفي.
المهندس حسام قال
البطارية شكلها فاضية.
واحد من أفراد الشرطة طلع شاحن متعدد من العربية.
بعد دقائق...
اشتغل الهاتف.
ظهرت الشاشة.
لكنها طلبت رقم سري من ستة أرقام.
الكل سكت.
الحاجة أمينة همست
يا ترى محمود حط إيه؟
فضلوا يجربوا تواريخ ميلاد وأرقام معروفة...
ولا رقم نفع.
وفجأة...
افتكرت أمينة حاجة.
ابتسمت وسط دموعها وقالت
وهو صغير كان بيحب يحفظ رقم معين... كان بيقول إنه عمره ما هينساه.
كتبت الرقم ببطء.
ضغطت على زر التأكيد...
وانفتحت الشاشة.
فيها ملف صوتي واحد فقط.
اسمه
اسمعوه للآخر.
الظابط ضغط تشغيل.
خرج صوت محمود واضح لكنه مرهق
لو التسجيل ده اشتغل، يبقى أنا غالبًا مش قادر أتكلم بنفسي. أنا سيبت كل الأدلة في أماكن مختلفة علشان لو ضاع واحد، يفضل الباقي موجود. متستعجلوش... لأن الحقيقة الكاملة مش في ورقة واحدة ولا في خزنة واحدة...
وقبل أن يكمل التسجيل...
ظهر على شاشة الهاتف إشعار جديد.
رسالة وصلت في نفس اللحظة من رقم غير معروف، مكتوب فيها
لو عايزين تعرفوا باقي الحقيقة... بصوا تحت المكتب تجمد الجميع في أماكنهم.
الظابط أوقف التسجيل مؤقتًا، وبص ناحية المكتب القديم.
قال لأحد أفراد الشرطة
محدش يلمس أي حاجة بإيده... فتشوا المكان بهدوء.
انحنى أحدهم، وسلط الكشاف تحت المكتب.
بعد ثوانٍ قال
يا فندم... فيه حاجة هنا.
مد يده بالقفاز، وسحب صندوقًا معدنيًا صغيرًا، كان مخبأ بإحكام داخل تجويف في الأرض.
الصندوق كان مقفول بقفل صغير.
الحاجة أمينة بصت للمفاتيح اللي لقوها في الصندوق الخشبي.
جرب الظابط أول مفتاح...
ما فتحش.
الثاني...
برضه لا.
أما الثالث...
لف في القفل بسهولة.
صدر صوت تك.
واتفتح الصندوق.
كان جواه ملف أزرق، وعدة إيصالات، ومظروف أبيض مختوم بالشمع الأحمر.
فتح الظابط الملف.
بدأ يقلب الأوراق بسرعة.
ثم قال
دي مستندات تثبت إن محمود كان معترض على إجراءات مالية في الشركة، ورفض يوقع عليها قبل ما يراجعها بنفسه.
المهندس حسام تنهد وقال
كنت عارف إنه عمره ما كان يوقع على حاجة من غير ما يفهمها.
الحاجة أمينة سألت بقلق
يعني ابني معملش حاجة غلط؟
رد الظابط بثقة
لحد دلوقتي... كل اللي قدامنا بيقول إنه كان بيحاول يحافظ على حقه وحق الشركة.
ثم أمسك بالمظروف المختوم.
كان مكتوب عليه بخط محمود
لا يُفتح إلا بعد سماع التسجيل كاملًا.
نظر الجميع إلى الهاتف.
أعاد الظابط تشغيل التسجيل.
عاد صوت محمود
لو وصلتوا للجزء ده... يبقى أنتم قربتوا جدًا. لكن أوعوا تتهموا أي حد قبل ما تشوفوا الدليل الأخير. أنا سيبته في مكان محدش هيفكر يدور فيه...
توقف محمود لثوانٍ، وكأنه يلتقط أنفاسه.
ثم قال
...المكان مرتبط بأغلى ذكرى بيني وبين أمي...
سكت التسجيل فجأة.
وانتهى الملف.
الحاجة أمينة أغمضت عينيها، وبدأت تسترجع ذكريات عمرها مع ابنها...
وفجأة فتحت عينيها واتسعت دهشةً.
همست
عرفت... عرفت هو يقصد إيه...
لكنها لم تنطق باسم المكان، لأن صوت سيارة توقفت فجأة أمام باب المخزن، وأعقبه طرق قوي على الباب الحديدي ارتفع صوت الطرق مرة تانية...
أقوى من الأول.
الظابط أشار لرجاله.
خليكوا في أماكنكم... محدش يفتح.
أحد أفراد الشرطة قرب من الباب بحذر، وسأل
مين؟
جاله الرد بسرعة
النجدة... جايين دعم.
لكن الظابط عقد حاجبيه.
رفع جهاز اللاسلكي وسأل غرفة العمليات.
بعد ثوانٍ وصله الرد
إحنا مبعتناش أي قوة إضافية.
بص لرجاله وقال بحزم
محدش يفتح الباب.
ساد الصمت.
وبعد أقل من دقيقة...
سمعوا صوت محرك العربية وهي بتبعد.
تنفس الجميع الصعداء.
الحاجة أمينة قالت وهي ماسكة المظروف
الحمد لله.
الظابط التفت إليها وقال
حضرتك من شوية قلتي إنك عرفتي المكان... هو فين؟
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
محمود قال في التسجيل إنه مرتبط بأغلى ذكرى بينا.
سكتت لحظة.
مفيش أغلى من البيت القديم اللي اتولد فيه... قبل ما نبيعه.
المهندس حسام شهق.
صحيح... محمود كان كل سنة يروح يقف قدامه حتى بعد ما اتباع.
الظابط قال فورًا
نتحرك.
بعد ساعة...
وصلوا للبيت القديم.
كان بيتًا بسيطًا، أبوابه الخشبية باهتة، لكنه ما زال واقفًا كما تركته الأيام.
طرق الظابط الباب.
فتح لهم رجل خمسيني يسكن البيت حاليًا.
بعد ما فهم سبب الزيارة، قال باستغراب
اتفضلوا... من شهر تقريبًا محمود جه هنا، وقعد في الجنينة الخلفية شوية، وقال إنه بيفتكر أيام زمان.
الحاجة أمينة نزلت دموعها.
حتى بعد السنين... قلبه كان متعلق بالمكان.
خرجوا جميعًا إلى الجنينة.
كانت صغيرة، وفي ركنها شجرة جوافة قديمة.
أول ما شافتها أمينة...
ابتسمت وسط دموعها.
دي الشجرة اللي كان بيلعب تحتها وهو صغير.
قربت منها ببطء.
ثم أشارت إلى الأرض.
هنا... كان دايمًا يدفن لعبه علشان محدش ياخدها.
الظابط طلب من أحد الأفراد يحفر برفق.
بعد دقائق قليلة...
اصطدمت المجرفة بشيء صلب.
انحنى الشرطي، وأخرج صندوقًا بلاستيكيًا محكم الإغلاق.
نظر الجميع إليه في ترقب.
كان على الغطاء ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط محمود
لو لقيتوا الصندوق ده... يبقى الحقيقة كاملة بقت بين إيديكم.
مد الظابط يده ليفتحه...
لكن قبل أن يرفع الغطاء بلحظة...
رن هاتف الحاجة أمينة.
نظرت إلى الشاشة...
وكانت الصدمة أن المتصل هو رقم محمود نفسه، رغم أنه ما زال في المستشفى تحت المراقبة اتجمدت الحاجة أمينة وهي باصة للموبايل.
إيديها كانت بتترعش.
الظابط قال بسرعة
افتحي... وحطيه على السماعة الخارجية.
ضغطت على زر الرد.
ساد صمت لثانيتين...
ثم جاء صوت هادئ
يا حاجة أمينة... متخافيش... محمود بخير.
صرخت أمينة
مين؟! إنت مين؟!
رد الصوت
اسمي كريم... وأنا الممرض اللي كان مع محمود في آخر يوم قبل اللي حصل.
بص الظابط لبعض أفراد الشرطة، وأشار لهم يسجلوا المكالمة.
أكمل كريم
محمود اداني تليفونه قبل ما يفقد الوعي، وقالي لو رجع يتشغل أبقى أتصل بيكي أول ما أعرف إنك وصلتي للصندوق.
سأله الظابط
وإنت عرفت منين إنها وصلت؟
قال
لأن محمود كان حاطط جهاز تتبع صغير جوه الصندوق، وكان مربوط بالتليفون. أول ما الصندوق اتحرك وصل إشعار.
الحاجة أمينة قالت بلهفة
قول اللي عندك يا ابني.
تنهد كريم وقال
أهم حاجة... افتحوا الصندوق بهدوء، وكل حاجة هتتوضح.
انتهت المكالمة.
الظابط لبس قفازاته مرة تانية.
ورفع غطاء الصندوق ببطء.
في الداخل...
كان فيه ألبوم صور قديم.
وساعة يد.
ودفتر صغير.
وفوقهم فلاشة مكتوب عليها
النسخة الاحتياطية.
استغرب حسام.
يعني الفلاشة اللي في الظرف ما كانتش الوحيدة.
الظابط فتح الدفتر.
في أول صفحة كتب محمود
لو وصلتوا للصندوق، يبقى أنتم وصلتم لآخر مكان كنت واثق إنه هيحفظ الأمانة. الفلاشة دي فيها نسخة من كل المستندات والتسجيلات، علشان محدش يقدر يضيع الحقيقة.
الحاجة أمينة فتحت ألبوم الصور.
ابتسمت وهي تشوف صور محمود وهو طفل، وصورته معاها في أول يوم مدرسة.
لكن بين الصور...
وقعت ورقة مطوية على الأرض.
التقطها الظابط.
ولما فتحها...
لقى خريطة مرسومة بالقلم.
وفي آخرها علامة حمراء على مكان واحد.
قال حسام باستغراب
المكان ده... ده مش تابع للشركة.
ردت الحاجة أمينة وهي تحاول تتذكر
لا... ده المكان اللي كان محمود بيقول إنه نفسه يحوله لمركز يخدم أهل المنطقة.
وقبل أن يقرروا خطوتهم التالية...
رن هاتف الظابط.
استمع للحظات، ثم ابتسم لأول مرة منذ بداية الأحداث.
وقال
محمود فاق... وطلب يشوف والدته فورًا الحاجة أمينة لمعت عيونها بالفرحة.
محمود فاق؟! الحمد لله... الحمد لله يا رب.
الظابط قفل الصندوق بنفسه، وسلمه لأحد أفراد الشرطة.
الصندوق هيفضل في حراسة لحد ما نراجعه رسميًا.
ثم التفت للحاجة أمينة.
يلا... ابنك مستنيكي.
وصلوا المستشفى بسرعة.
كانت أمينة تقريبًا بتجري في الممر.
وقفت لحظة قدام باب الغرفة، وخدت نفسًا عميقًا.
دخلت.
كان محمود مستند على المخدة، وشاحب، لكنه فاتح عينيه.
أول ما شاف أمه...
مد إيده ناحيتها.
جريت عليه، ومسكت إيده بإيديها الاتنين.
حمد لله على سلامتك يا نور عيني.
ابتسم محمود ابتسامة ضعيفة.
سامحيني يا أمي... تعبتِ بسببي.
هزت رأسها وهي تمسح على شعره.
المهم إن ربنا ردك ليا.
سكت محمود لحظات، ثم قال
الصندوق... لقيتوه؟
أيوه يا ابني.
تنهد براحة.
الحمد لله... كنت خايف يضيع.
دخل
تم نسخ الرابط