اول يوم ليا في السجن

لمحة نيوز

أول يوم ليا في سجن النساء، كبيرة العنبر قلبت جردل الزبالة كله على أكلي قدام السجينات لكنها اكتشفت متأخر إنها اختارت الضحية الغلط.
في مصر كان اسمي نادين، عندي أربعة وثلاثين سنة، دخلت السجن في قضية ملفقة كل اللي شافها ظن إني ست مكسورة واترمت ورا القضبان.
الظابط اللي سلّمني للعنبر بصلي كأني رقم جديد في دفتر قديم، وقال للسجانة خلي بالك منها، شكلها هادية.
لكن الهدوء أحيانًا لا يعني الضعف، أحيانًا يعني إن صاحبه شاف من الدنيا ما يكفي عشان ما يترعش بسهولة.
دخلت عنبر الأكل، وكل الأصوات بدأت تهدى واحدة واحدة، كأن المكان كان مستني عرض معروف بيتكرر مع كل سجينة جديدة.
كل العيون كانت عليّ، لكن أنا كنت باصة في صينية الأكل قدامي، مش عشان جعانة، لكن عشان ما أديش لحد فرحة إنه يشوف خوفي.
كانت هناك واحدة اسمها سعاد، لكن السجن كله بيناديها سوسو الحديدية.
ست ضخمة، صوتها عالي، وماشية وسط العنبر كأنها مالكة المكان والناس اللي فيه.
قالوا إنها بقالها سنين مسيطرة، تختار كل أسبوع واحدة جديدة تكسرها قدام الباقي، عشان تفضل هي الكبيرة.
وفي اليوم ده، عينها وقفت عليّ.
جت ناحيتي وهي بتجر جردل زبالة كبير، وصوت احتكاكه بالأرض كان عامل زي إنذار قبل العاصفة.
وقفت قدامي، بصتلي من فوق لتحت وقالت بسخرية نورتي يا قمر، بس واضح إنك محتاجة تتعلمي الأصول.
وقبل ما حد ياخد نفس، قلبت الجردل كله فوق صينية أكلي.
بواقي أكل، مناديل، أكواب شاي، وكل حاجة اتناثرت قدامي وسط ضحك شلتها.
السجينات سكتوا وراقبوا، مستنيين أشوف هبكي ولا هترجاها ولا هقوم أصرخ.
لكن أنا ما اتحركتش.
فضلت قاعدة مكاني، وبعدين رفعت عيني عليها بهدوء.
وده كان أول غلط عملته سوسو في حق نفسها.
لأن العين اللي بصتلها ما كانتش عين واحدة خايفة، كانت عين واحدة بتحفظ الوشوش وتعرف مين ورا مين.
قالت بغضب إنتِ فاكرة إن سكوتك هيحميكي؟
قلت بهدوء لا، سكوتي بيخليني أسمع أكتر.
ضحكوا حواليها، لكنها ما ضحكتش، لأنها حسّت إن الجملة مش جاية من ست عادية.
قربت مني وقالت إنتِ داخلة هنا بتهمة إيه؟
ابتسمت وقلت نفس التهمة اللي بتتحط لأي حد عايزين يسكتوه.
وشها اتغير لحظة، وواحدة من السجينات اللي وراها بصتلي بخوف، كأنها فهمت حاجة.
في نفس اللحظة، دخلت مأمورة السجن ومعاها ضابط ببدلة مدنية، والضحك كله اختفى.
الضابط بص 
بقية الرواية كاملة في التعليقاتالضابط بص ناحية العنبر كله، لكن عينه وقفت على نادين ثواني زيادة عن اللزوم، قبل ما يخفي ملامحه بسرعة.
قال للمأمورة بصوت هادي اطمني عليها... دي هتكون تحت الملاحظة.
الكلمة وقعت وسط السجينات زي حجر في مية راكدة.
سوسو الحديدية عقدت حاجبيها، لأنها أول مرة تشوف ضابط يهتم بسجينة جديدة بالشكل ده.
أما نادين، ففضلت ساكتة، كأن الكلام ده ما يعنيهاش.
المأمورة أمرت السجينات يرجعوا أماكنهم، وبعد دقائق خرجت هي والضابط، لكن الهمس فضل مالي العنبر.
واحدة من السجينات قربت من سوسو وهمست حاسّة إن الست دي مش طبيعية.
ردت سوسو بعصبية مهما كانت... هنا الكلمة كلمتي.
...
بعد ساعة، كان وقت تنظيف العنبر.
المعتاد إن السجينة الجديدة هي اللي تعمل أصعب الشغل.
سوسو رمت قدام نادين ممسحة قديمة وجردل مية وقالت هتنضفي العنبر كله... ولو لقيت حتة تراب هرجعك تعمليه من الأول.
نادين انحنت وشالت الممسحة من غير اعتراض.
السجينات استغربوا.
كانوا متوقعين إنها ترفض أو تتخانق.
لكنها بدأت تنظف بهدوء شديد، لدرجة إن الأرض بقت تلمع.
وأثناء الشغل، كانت بتبص لكل زاوية.
بتعد الخطوات.
بتلاحظ الكاميرات.
أماكن المفاتيح.
ميعاد مرور الحارسات.
وأماكن تجمع السجينات.
كأنها بترسم خريطة كاملة في دماغها.
السجينة اللي اسمها أميرة لاحظت ده وسألتها وهي بصوت واطي إنتِ بتبصي على إيه؟
ابتسمت نادين وقالت أي مكان ليه نظام... ولو فهمتي النظام، هتفهمي كل اللي بيحصل فيه.
أميرة سكتت، لكنها بدأت تحس إن الست دي مختلفة فعلًا.
...
مع حلول الليل، انقطعت الكهرباء لدقائق.
الظلام ملأ العنبر.
وفجأة...
اتسمع صوت صرخة قوية.
لما النور رجع، لقوا سجينة واقعة على الأرض، وبتصرخ إن خاتمها الفضي اختفى.
بدأت الاتهامات تطير يمين وشمال.
وسوسو استغلت الفرصة.
شارت على نادين وقالت أكيد الجديدة... محدش غيرها اتحرك وقت الضلمة.
كل العيون اتوجهت لناحية نادين.
لكنها قالت بهدوء قبل ما تتهموني... بصوا تحت السرير التالت.
استغربوا.
الحارسة راحت تبص.
وبالفعل...
الخاتم كان هناك.
السجينة صاحبة الخاتم جريت أخدته وهي مذهولة.
سوسو اتلخبطت وقالت عرفتي مكانه إزاي؟
ردت نادين لأن اللي سرقه كان مستعجل... ورماه أول ما سمع خطوات الحارسة.
الكلام خلا الكل يبص لبعضه.
وساد صمت غريب.
لأول مرة، سوسو حسّت إن السيطرة بتفلت من إيدها.
...
في صباح اليوم التالي، وصلت لجنة تفتيش مفاجئة للسجن.
بدأوا يفتشوا العنابر واحدًا واحدًا.
وفجأة، أثناء تفتيش سرير سوسو الحديدية...
أخرج أحد الضباط لفافة صغيرة ملفوفة بإحكام من أسفل المرتبة.
وشّ سوسو شحب في لحظة.
لكن الصدمة الأكبر كانت لما الضابط قال
واضح إن حد خبّاها هنا من ساعات قليلة بس...
كل الموجودين بصوا لسوسو، بينما هي بصت مباشرة إلى نادين...
ونادين كانت واقفة في آخر العنبر، ملامحها هادئة، وكأنها كانت تتوقع أن هذه اللحظة ستأتي، لكن من دون أن تنطق بكلمة واحدة الضابط فتح اللفافة قدام الجميع.
لكن بدل ما يعلن اللي جواها، لفها تاني بسرعة، وبص للمأمورة وقال خديها المكتب.
المأمورة أمرت الحارستين ياخدوا سوسو معاهم.
سوسو صرخت بعصبية دي مش بتاعتي! حد بيوقعني!
لكن ولا حد رد عليها.
خرجت من العنبر وهي كل شوية تلف تبص على نادين، كأنها بتحاول تقرأ وشها.
أول ما الباب اتقفل، الهمس رجع أقوى من الأول.
واحدة قالت

تم نسخ الرابط