اول يوم ليا في السجن

لمحة نيوز

ما يطلع منه أدوات قديمة...
اتناثرت عشرات الملفات الصفراء على الأرض.
واحدة من الملفات انفتحت تلقائيًا.
ونادين لمحَت اسمًا مكتوبًا بخط كبير على الغلاف.
كان اسمها هي.
نادين...
لكن قبل ما تقدر تمد إيدها، انحنى الضابط المدني بسرعة، التقط الملف، وضمه إلى صدره.
نظر إليها نظرة طويلة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة
واضح إن الوقت جه... بس مش هنا.
وأمر الحراس بإخلاء المخزن فورًا، بينما بقي هو وحده في الداخل... ينظر إلى الجدار الأجوف، وكأنه يعرف تمامًا ما يخفيه، لكنه لا يريد لأحد أن يراه... حتى الآن خرجت السجينات من المخزن وهنّ مستغربات من اللي حصل.
لكن نادين وهي خارجة، لمحَت الضابط المدني يدي إشارة سريعة لأحد الحراس.
الحارس هز رأسه، وبعدها اتقفل باب المخزن تاني، واتحط عليه قفل جديد أكبر من الأول.
همست أميرة هو فيه إيه في المكان ده يخليهم يخافوا بالشكل ده؟
نادين ردت بهدوء مش المكان... اللي جواه.
رجعوا العنبر قبل الظهر.
أول ما دخلت نادين، سوسو قامت من مكانها.
شفتي إيه؟
نادين اكتفت بجملة واحدة
فيه ملفات ما كانش المفروض حد يشوفها.
سوسو سكتت، وكأنها فهمت أكتر مما قالت نادين.
بعد ساعات، وقت توزيع الغداء، حصلت حاجة غريبة.
السجانة وهي بتوزع الصواني، وقفت قدام نادين ثانيتين زيادة.
وبهدوء شديد، حطت تحت رغيف العيش ورقة صغيرة جدًا، من غير ما حد ياخد باله.
نادين خبتها لحد ما خلصت الأكل.
ولما فتحتها، لقت مكتوب فيها
النهارده الساعة اتنين بعد منتصف الليل... هيغيروا مكان الملفات.
وتحتها كلمة واحدة
استعدي.
نادين مزقت الورقة لقطع صغيرة، وبللتها بالمية لحد ما اختفت.
مع دخول الليل، السجن كله غرق في هدوء ثقيل.
الساعة قربت على اتنين.
وفجأة...
اتسمع صوت عربية نقل صغيرة دخلت فناء السجن.
ده كان شيء غير معتاد في الوقت المتأخر ده.
نادين قامت بهدوء، وقربت من شباك العنبر الصغير.
من بين القضبان، قدرت تشوف جزء من الفناء.
أربع رجال بملابس عمل بينزلوا صناديق حديدية.
والضابط المدني واقف بنفسه يشرف على النقل.
لكن اللي شد انتباهها...
إن واحدًا من الصناديق كان عليه نفس الرقم اللي شافته على الملف اللي يحمل اسمها داخل المخزن.
قبل ما تلحق تركز أكتر، أُطفئت أنوار الفناء.
وبعد ثوانٍ، دوّى صوت ارتطام قوي، أعقبه صراخ أحد الحراس
حد أطفى الكهرباء!
اشتغل إنذار السجن للمرة الثانية خلال أيام.
وفي وسط الارتباك، سمعت نادين صوتًا آتيًا من خلفها داخل العنبر
دي فرصتك.
لفّت بسرعة.
اتفاجئت بالحاجة زينب واقفة قدامها.
تراجعت نادين خطوة من شدة المفاجأة.
وقالت بدهشة
إنتِ... قالوا إنهم نقلوكي!
ابتسمت الحاجة زينب ابتسامة خفيفة وقالت
ما نقلونيش... خبّوني.
ثم أخرجت من جيبها مفتاحًا ثالثًا، مختلفًا عن المفتاحين السابقين، ووضعته في يد نادين وهي تهمس
المفاتيح التلاتة لازم يجتمعوا... لأن فيه باب واحد بس يفتحهم.
وقبل أن تشرح أكثر، دوّى صوت خطوات سريعة تقترب من باب العنبر، فقالت الحاجة زينب بسرعة
خبّي المفتاح... لأن اللي جاي مش بيدور على الملفات... بيدور عليكي إنتِ.
ثم اختفت بين السجينات قبل أن يُفتح الباب، وكأنها لم تكن موجودة من الأساس مع أول ضوء للفجر، كان السجن كله في حالة استنفار.
الحراس بيفتشوا كل عنبر، والضابط المدني واقف في آخر الممر، كأنه مستني لحظة معينة.
نادين كانت مخبية المفاتيح الثلاثة بعناية.
ولأول مرة، قررت إنها تبطل تدور على الإجابات لوحدها.
لما خرجت مع باقي السجينات لطابور الصباح، طلبت تقابل المأمورة على انفراد.
المأمورة استغربت، لكنها وافقت.
أول ما دخلت المكتب، طلعت نادين المفاتيح وحطتهم على المكتب.
وقالت بهدوء
أنا تعبت من الألغاز... يا إما تقولوا الحقيقة، يا إما سلّموا المفاتيح للنيابة.
ساد الصمت.
الضابط المدني دخل المكتب في اللحظة دي، وبص للمفاتيح، ثم تنهد وقال
كنتِ أول واحدة توصل للنهاية.
ضغط على أحد المفاتيح، فاتفتح جزء صغير في أحدها، وخرجت منه شريحة إلكترونية دقيقة، كانت مخفية بإحكام.
ثم فتح المفتاح الثاني، فخرجت منه ورقة مطوية تضم أرقام ملفات وتواريخ.
أما المفتاح الثالث، فكان بداخله رمز فتح لخزنة حديدية قديمة موجودة داخل المخزن.
انتقلوا جميعًا إلى المخزن القديم بحضور لجنة من النيابة.
ولما استخدموا الرموز، انفتح الجدار الأجوف لأول مرة منذ سنوات.
وراء الجدار كانت خزنة كبيرة.
ولما اتفتحت...
ظهرت عشرات الملفات، وأقراص تخزين، ومستندات تثبت وجود شبكة فساد كانت بتلفق قضايا لأبرياء، وتخفي الأدلة مقابل رشاوى ونفوذ.
وكان ملف نادين بينها.
فتح وكيل النيابة الملف، واتضح أن كل الأدلة التي أدانتها كانت مزورة، وأن تقريرًا مهمًا يثبت براءتها تم إخفاؤه عمدًا.
أما الحاجة زينب، فاتضح أنها كانت موظفة أرشيف سابقة في السجن، ولما اكتشفت التلاعب بالملفات خبأت الأدلة داخل المفاتيح الثلاثة قبل سنوات، ثم دخلت السجن في قضية ملفقة حتى لا تخرج الحقيقة للنور.
وسوسو الحديدية، التي ظن الجميع أنها مجرد بلطجية، اعترفت أنها كانت تعرف بوجود المخزن، لكنها لم تكن تعرف ما بداخله، وكانت تخاف من الاقتراب منه بعد تهديدها أكثر من مرة.
بدأ تحقيق واسع، وتم القبض على عدد من المتورطين داخل السجن وخارجه، بينما نُقل الضابط المدني للإدلاء بأقواله بعد أن كشف كل ما كان يعرفه، واتضح أنه كان يجمع الأدلة سرًا منذ فترة طويلة حتى لا تضيع القضية.
وبعد أسابيع، وقفت نادين أمام المحكمة من جديد.
لكن هذه المرة، لم تكن متهمة.
كانت شاهدة.
وبعد جلسات متتالية، صدر الحكم ببراءتها الكاملة، ومحاسبة كل من شارك في تلفيق القضية.
خرجت من بوابة السجن تحمل حقيبة صغيرة لا أكثر.
وقفت لحظة، ونظرت إلى الباب الحديدي الذي دخلته يومًا وهي متهمة.
ثم ابتسمت وقالت في نفسها
السجن الحقيقي ما كانش ورا القضبان... السجن الحقيقي كان في الكذب اللي
اتبنى سنين.
وأخذت أول خطوة نحو حياتها الجديدة، بعد أن انتصرت الحقيقة أخيرًا، وأثبتت أن الصبر، مع الشجاعة، قد يكشفان ما ظن الجميع أنه سيظل مدفونًا إلى الأبد.

تم نسخ الرابط