وافقت تجيب عريس بقلم زيزي احمد
وافقت تجيب عريس كداب لفرح أختها... لكن المليونير اللي مثّل دور خطيبها كان مخبي سر ممكن يدمر العيلة كلها! بكرة لازم أوصل ومعايا عريس... وإلا أمي هتموت وهي فاكرة إن محدش حبني بجد.
خرج صوت سارة من المطبخ وهو مليان كسر وخوف.
كريم المنشاوي وقف مكانه في طرقة شقته في التجمع الخامس. عنده 43 سنة، صاحب سلسلة فنادق كبيرة، ومتعود إن كل اللي بيشتغلوا عنده يتكلموا في شغلهم وبس، ويخلصوا شغلهم من غير ما يدخلوا حياتهم الشخصية في أي حاجة.
سارة بقالها حوالي 3 سنين شغالة عنده.
كل يوم تيجي قبل الساعة 7 الصبح، تعمل القهوة، ترتب البيت، وتمشي في هدوء. كل اللي كريم يعرفه عنها إنها عندها 33 سنة، وكل شهر بتبعت فلوس لأهلها في المنصورة.
وبس.
لحد اللحظة دي.
أختي فرحها بكرة في المنصورة... قالت سارة وهي بتكلم صاحبتها في التليفون. بابا قال لازم أروح ومعايا خطيبي. وماما حتى طلبت يعملوا محشي وفراخ مخصوص عشانه. أقولهم إيه؟ أقولهم إن الراجل ده أصلاً مش موجود؟
سكتت شوية...
وبعدين خرج منها شهقة مكتومة.
مش قادرة أكسر بخاطر أمي يا نهى... الدكاترة قالوا إن حالتها بقت صعبة وممكن تعيش وقت قليل.
كريم بص للأرض.
الصالون عنده متشطب بأغلى الأثاث، وسفرة تكفي اتناشر شخص، ومنظر القاهرة كلها قدامه.
لكن كل ليلة تقريبًا كان بيتعشى لوحده.
لما سارة خرجت من المطبخ وشافته واقف، وشها شحب.
آسفة يا أستاذ كريم... والله مش هرد على أي مكالمة شخصية في الشغل تاني.
رد بهدوء
أنا مش هطردك.
طب انسَ اللي سمعته.
مش قادر.
سارة عضت على شفايفها، وحكتله إن أمها، الحاجة أمينة، عندها مرض خطير في القلب. وأبوها، الحاج محمود، راجل شرقي جدًا، بالنسباله البنت اللي توصل ل سنة من غير جواز تبقى فضيحة.
قالت بصوت مكسور
لو رحت لوحدي، خالاتي وعماتي هيفضلوا يبصولي بشفقة قدام أمي. وبابا هيقول إني سبت البلد وروحت القاهرة وفي الآخر لا اتجوزت ولا كونت بيت. وأمي هتعمل نفسها قوية وهي من جواها مكسورة.
كريم كان ناوي يعرض عليها فلوس تأجر بيها حد يمثل دور خطيبها.
لكن بدل كده قال
أنا هاجي معاكي.
سارة ضحكت بتوتر.
حضرتك بتهزر، صح؟
لأ... بتكلم بجد.
تاني يوم الساعة ستة الصبح، وصل كريم لابس جينز غامق وقميص بسيط، وماسك مفاتيح عربيته.
وطول الطريق فضلوا يألفوا قصة حبهم.
قالوا إنهم اتعرفوا وقت تجديد أحد الفنادق، وهو أعجب بقوة شخصيتها، وهي أعجبت بهدوئه.
ضحكت سارة وقالت
هو حضرتك أصلًا عندك هدوء؟
ابتسم كريم.
أكيد.
حضرتك طردت شيف مرة عشان قلت إن الشوربة بتاعته ملهاش شخصية.
وده كان حقيقي.
انفجرت سارة في الضحك لأول مرة من أيام.
ولما وصلوا بيت أهلها في المنصورة، كان مليان كراسي، وصواني أكل، وريحة المحشي، والناس داخلة طالعة وكل واحد حاشر مناخيره في اللي ملوش فيه.
خرجت الحاجة أمينة وهي لابسة شال خفيف على كتفها، حضنت بنتها، وبعدها بصت لكريم ودموعها لمعت.
همست له
شكرًا إنك مخليهاش لوحدها.
الكذبة تقّلت على قلبه.
لكن في اللحظة دي ظهر الحاج محمود، صافحه بقوة، وبصله نظرة حادة.
لو جاي تلعب ببنتي... لا فلوسك ولا نفوذك هينفعوك.
كريم ثبت عينيه فيه وقال
ومن حقك تقول كده.
وفجأة، رفعت دينا، بنت خالة سارة، موبايلها قدام الكل وقالت
الغريب بقى... إني لسه لاقية معلومات عن الأستاذ ده على النت... ويتهيألي إنه مجاش هنا عشان سارة وبس.
في ثانية...
البيت كله سكت.
سارة بصت لكريم.
ومن ملامح وشه...
عرفت إن دينا بتقول الحقيقة.
وساعتها حسّت إن اللي جاي هيقلب حياة العيلة كلها رأسًا على عقب...وووووو
بقلم_زيزي_احمد
دينا قرّبت بالموبايل وهي رافعة حاجبها بثقة.
هو مش ده الأستاذ كريم المنشاوي؟ صاحب سلسلة الفنادق؟
الهمهمة انتشرت وسط القعدة.
صاحب فنادق؟ يعني ملياردير؟ هو إيه اللي جابه هنا؟
الحاج محمود سحب الكرسي وقعد قدام كريم، وقال بنبرة جامدة
أنا سألتك بتشتغل إيه، قلتلي مستثمر بسيط. ليه كدبت؟
سارة اتجمدت مكانها.
بصت لكريم وهمست
إنت وعدتني إننا هنقول الحقيقة إلا في حكاية الخطوبة... ليه خبيت دي كمان؟
كريم أخد نفس طويل وقال بهدوء
لأن لو قلت أنا مين، مكنش حد هيعاملني على طبيعتي.
لكن دينا قاطعته وهي بتقلب في الموبايل.
لا... الموضوع أكبر من كده.
لفت الشاشة ناحية الحاج محمود.
بص... من شهر بس اشترى أرض كبيرة هنا في المنصورة... والأرض دي تبعد أقل من كيلومتر عن بيتكم.
كل العيون اتحولت ناحية كريم.
الحاج محمود قام واقف.
يعني إيه؟
يعني ممكن يكون جاي يشتري بيوت المنطقة كلها.
واحدة من الخالات قالت بفزع
إحنا سمعنا فعلًا إن شركة كبيرة عايزة تهد الحتة دي وتبني مشروع.
سارة رجعت خطوة لورا.
قلبها بدأ يدق بعنف.
افتكرت إن أبوها رفض من أسبوعين يبيع الأرض اللي ورثها عن جده، رغم إن ناس كتير حاولت تقنعه.
بصت لكريم بعين مليانة أسئلة.
إنت كنت تعرف؟
سكت.
والسكوت كان أصعب من أي إجابة.
الحاج محمود ضرب بعصايته في الأرض.
جاوب!
كريم رفع عينه وقال بثبات
أيوه... أعرف إن في شركة بتتفاوض على أراضي المنطقة.
وشركتك؟
لا.
متأكد؟
متأكد.
لكن قبل ما حد يتكلم...
دخل شاب يجري من باب البيت وهو بينهج.
يا حاج محمود... في عربيات فخمة وقفت آخر الشارع... وفي ناس بيسألوا على بيتك بالاسم.
الفرحة اللي كانت مالية البيت اختفت في لحظة.
كل واحد بص للتاني.
مين الناس دي؟
وليه بيسألوا على الحاج محمود بالتحديد؟
خرج كريم بسرعة ناحية الباب، وأول ما لمح العربيات، اتغير لون وشه لأول مرة.
همس لنفسه
إزاي عرفوا إني هنا؟
سارة سمعته.
شدت دراعه وقالت بخوف
إنت تعرفهم؟
رد من غير ما يبصلها
للأسف... أعرفهم كويس.
وفي نفس اللحظة، نزل رجل خمسيني أنيق من العربية الأولى، وشال نظارته الشمسية، وبص مباشرة ناحية كريم، ثم قال بصوت سمعه كل اللي واقفين
كفاية هروب يا كريم... لازم الحقيقة تتقال النهارده.
واتجه بخطوات ثابتة نحو باب البيت، بينما ساد صمت ثقيل، وشعرت سارة أن السر الذي أخفاه كريم طوال الوقت بدأ يخرج للنور... لكن ما سمعته بعد ذلك كان أخطر بكثير مما تخيلت الرجل وقف قدام الباب، وبص للحاضرين واحد واحد، قبل ما يثبت عينه على كريم.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
واضح إنك لسه بتتصرف بنفس الطريقة... تختفي أول ما الأمور تبقى صعبة.
الحاج محمود وقف قدامه مباشرة.
حضرتك مين؟
مد الراجل إيده باحترام.
اسمي شريف الدمنهوري... المستشار القانوني لمجموعة المنشاوي.
الاسم وحده خلّى الهمس يزيد.
أما كريم، فكان واقف ساكت، وكأنه مستني اللحظة دي من زمان.
قال الحاج محمود بحزم
ولو سمحت، إيه اللي جابك لبيتي؟
رد شريف بهدوء
جيت آخد الأستاذ كريم... لأن في اجتماع مهم النهارده.
كريم قال لأول مرة بنبرة حادة
قولتلك مش هارجع.
شريف هز رأسه.
الموضوع مبقاش اختيار.
سارة كانت بتبص بينهم وهي مش فاهمة.
هو في إيه؟
شريف التفت لها وقال
حضرتك سارة؟
هزت رأسها.
ابتسم بأسف.
أنا آسف جدًا إنك عرفتيه في الظروف دي.
كريم قاطعه بسرعة.
ولا كلمة زيادة.
لكن شريف أخرج ملفًا بني اللون من شنطته، وقال
كان لازم تعرف.
مد الملف ناحية كريم، إلا أن الهواء قلب أول ورقة، فوقعت على الأرض أمام الحاج محمود.
انحنى يجيبها...
لكن عينه وقعت على عنوانها قبل ما يرفعها.
حصر أملاك عائلة المنشاوي القديمة محافظة الدقهلية.
رفع الحاج محمود رأسه ببطء.