وافقت تجيب عريس بقلم زيزي احمد
المحتويات
أملاك إيه دي؟
كريم أخذ الورقة بسرعة وقال
ملهاش علاقة ببيتكم.
لكن شريف قال بهدوء
بالعكس... لها علاقة.
ساد صمت ثقيل.
ثم أكمل
الأرض اللي عليها بيتكم كانت ضمن أملاك قديمة للعائلة من أكتر من سبعين سنة... لكن حصلت نزاعات قانونية وقتها، واتقسمت الملكيات.
سارة اتسعت عيناها.
يعني... جايين تاخدوا البيت؟
شريف هز رأسه فورًا.
لا.
ثم نظر إلى الحاج محمود باحترام.
ولا حد يقدر ياخده.
تنفس الجميع قليلًا.
لكن شريف أكمل الجملة التي قلبت الهدوء إلى صدمة جديدة.
لأن الأوراق الجديدة أثبتت إن البيت والأرض... مسجلين باسم جد حضرتك بشكل قانوني من زمان، وإن في جهة حاولت تزور مستندات علشان تستولى عليهم.
الحاج محمود عقد حاجبيه.
تزور؟
أيوه.
ومين؟
شريف سكت لحظة، ثم قال
إحنا لسه بنتأكد... لكن اللي نعرفه إن الشخص ده عرف إن الأستاذ كريم بدأ يدور في الملف، ومن ساعتها وهو بيحاول يمنعه يوصل للحقيقة.
سارة بصت ناحية كريم بدهشة.
يعني... إنت ماجتش هنا بسبب الأرض؟
ابتسم كريم لأول مرة من ساعة ما وصلوا.
أنا جيت علشان أوفي بوعد وعدته لنفسي من سنين... إن أي حق يضيع بسبب اسم عيلتي، لازم أرجعه لصاحبه.
لكن قبل أن يرد أحد...
دخل شاب من أهل البلد وهو يلهث، وصاح بصوت مرتفع
يا حاج محمود... المخزن القديم اللي جنب الأرض حد كسر بابه... وفي ناس بتفتش فيه من شوية!
نظر كريم إلى شريف بسرعة، وقال بجملة واحدة جعلت القلق يعود من جديد
سبقونا... يبقى الدليل لسه جوه.
وانطلق نحو الباب، بينما تبعه الجميع، دون أن يدرك أحد أن ما سيجدونه داخل ذلك المخزن سيكشف سرًا مدفونًا منذ عشرات السنين، وسيغيّر حياة أكثر من عائلة جرى كريم ناحية المخزن، ولحقه الحاج محمود وسارة وعدد من شباب العيلة.
المخزن كان مبني بالطوب الأحمر، وبابه الخشبي مخلوع، وفيه ريحة تراب ورطوبة كأن الزمن وقف جواه.
أول ما دخلوا...
لقوا كل حاجة متبهدلة.
دواليب مكسورة، وصناديق قديمة مفتوحة، وأوراق مرمية على الأرض.
قال الحاج محمود بقلق
المكان ده مقفول من يوم وفاة جدي... محدش دخله من سنين.
كريم انحنى يراجع الأرض بسرعة.
ثم قال
هما كانوا بيدوروا على حاجة معينة.
سارة سألت
عرفت منين؟
أشار إلى الصناديق.
سابوا كل حاجة غالية... وخدوا الورق بس.
في اللحظة دي، واحد من شباب العيلة نادى
يا حاج... تعالى شوف!
اتجمعوا حواليه.
كان فيه صندوق خشبي صغير واقع تحت رف مكسور، وكأنه اتدفع بالغلط ومحدش انتبه له.
الحاج محمود مسح التراب عنه بإيده.
ولما فتحه...
لقوا جواه دفتر جلدي قديم، ومفتاح نحاس كبير، وظرف أصفر مقفول بالشمع الأحمر.
ارتعشت إيد الحاج محمود.
على الظرف كان مكتوب بخط قديم
لا يُفتح إلا بحضور أكبر أحفاد العائلتين.
سارة قرأت الجملة بصوت منخفض.
العائلتين؟
كلهم بصوا لبعض باستغراب.
قال شريف
إيه المقصود بعائلتين؟
الحاج محمود هز رأسه.
أول مرة أشوف الظرف ده.
كريم كان مركز في الدفتر.
قلب أول صفحة...
فاتسعت عيناه.
همس
مستحيل...
سارة قربت منه.
في إيه؟
رفع الدفتر قدامها.
كان مكتوب في أول صفحة
هذا السجل يوثق الاتفاق الذي تم بين عائلة المنشاوي وعائلة أبو العزم، حفاظًا على الأمانة حتى تظهر الحقيقة.
سأل الحاج محمود بسرعة
وأبو العزم دول مين؟
قبل أن يجيب كريم...
سمعوا صوت محرك سيارة وقف فجأة خارج المخزن.
ثم أعقبه صوت خطوات سريعة.
ودخل رجل مسن، يلهث من شدة التعب، وهو ينادي
إوعوا تفتحوا الظرف!
تجمد الجميع.
اقترب الرجل أكثر، وقال وعيناه على الظرف
لو اتفتح دلوقتي... هتضيع الأدلة اللي فضلنا نحافظ عليها أكتر من أربعين سنة.
ساد الصمت.
ثم التفت إلى كريم، وقال بصوت يعرفه جيدًا
أبوك سلمني الأمانة قبل ما يموت... وقال إنك أول ما تعرف الحقيقة، حياتك هتبقى في خطر.
ارتبكت سارة وهي تنظر بين الرجل وكريم.
لأول مرة، شعرت أن السر لا يتعلق بثروة أو أرض فقط...
بل بوعد قديم، وأمانة دفعت عائلات كاملة ثمنها لعشرات السنين نظر كريم إلى الرجل المسن، ثم قال بصوت منخفض
عم حسن...
هز الرجل رأسه، وعيناه امتلأتا بالدموع.
كبرت يا ابني... وبقيت شبه أبوك.
الحاج محمود عقد ذراعيه وقال بحزم
إحنا مش فاهمين حاجة. حد يفهمنا من الأول.
تنهد عم حسن، وجلس على صندوق خشبي قديم.
من أكتر من أربعين سنة، كان فيه مشروع كبير هيقام في المنطقة دي. وقتها ناس أصحاب نفوذ حاولوا يشتروا الأراضي من الأهالي بأبخس الأسعار. اللي رفض يبيع، اتعرض لضغوط وتهديدات.
أشار إلى الدفتر.
جد كريم، وجد الحاج محمود، وقفوا مع بعض. واتفقوا يحافظوا على حقوق الناس، ويوثقوا كل العقود الحقيقية، علشان محدش يقدر يزور الملكيات.
سارة سألت بسرعة
يعني السر كله كان علشان الأراضي؟
ابتسم عم حسن بحزن.
مش الأراضي بس... كان فيه أمانات ومستندات تخص عشرات الأسر في البلد. لو ضاعت، ناس كتير كانت هتخسر بيوتها.
نظر كريم إلى الحاج محمود وقال بصدق
أنا اكتشفت الملف بالصدفة بعد وفاة والدي. ومن يومها وأنا بدور على الحقيقة. ولما عرفت إن بيتكم مرتبط بالقضية، فضلت ساكت... لأني مكنتش عايز أفتح الجرح من غير دليل.
الحاج محمود ظل صامتًا للحظات، ثم قال
ولو كنت قلت الحقيقة من الأول، يمكن كنا ساعدناك.
رد كريم
كنت خايف محدش يصدقني.
في تلك اللحظة، فتحت الحاجة أمينة باب المخزن بصعوبة، بعدما أصرت أن تعرف ما يحدث.
قالت وهي تلتقط أنفاسها
يا جماعة... مهما كان السر، متخلوش يفرق بينكم.
اقتربت من كريم، وربتت على كتفه.
أنا شفت في عينك احترام لبنتي من أول ما دخلت البيت. وده عندي أهم من أي فلوس.
انخفضت عينا كريم خجلًا.
وقبل أن يتكلم...
رن هاتف شريف.
رد بسرعة، ثم تغيرت ملامحه.
أغلق الهاتف وقال بصوت متوتر
وصلنا خبر إن في حد قدم طلب رسمي لإعادة فتح ملف الملكيات القديمة... ومعاه نسخة من مستندات مزورة.
سأل كريم
إمتى؟
من أقل من ساعة.
ساد الصمت.
قال عم حسن وهو ينظر إلى الظرف المختوم
يبقى الوقت خلص... ولازم نعرف مين ورا كل ده قبل ما تضيع حقوق الناس من جديد.
وأمسك الظرف بين يديه، بينما كانت كل الأنظار تتجه إليه، استعدادًا لاكتشاف السر الذي ظل مدفونًا لعقود... دون أن يدرك أحد أن أول اسم سيظهر داخل الظرف سيصدم الجميع عم حسن أمسك الظرف للحظات، ثم قال
قبل ما نفتحه... لازم أوعدكم بحاجة.
نظر الجميع إليه.
اللي هتعرفوه النهارده، ممنوع يستخدم للانتقام. الهدف الوحيد هو رجوع الحق لأصحابه.
هز الحاج محمود رأسه.
إحنا أهل، ومش هنظلم حد.
قطع عم حسن الشمع الأحمر بحذر، وأخرج ورقتين وصورة قديمة بالأبيض والأسود.
الصورة كانت لعدد من الرجال واقفين أمام قطعة أرض واسعة.
أشار عم حسن إلى رجلين في منتصف الصورة.
ده جد الحاج محمود... وده جد كريم.
كانا واقفين جنب بعض، واضعين أيديهما على كتف بعضهما، وكأنهما أخوان.
أما الورقة الأولى، فكانت عبارة عن اتفاق مكتوب بخط اليد، ينص على أن تُحفظ جميع عقود الأراضي الأصلية في مكان سري، حتى لا تصل إليها أيدي المزورين.
أما الورقة الثانية...
فكانت قائمة بأسماء الأسر التي ساهمت في حماية تلك المستندات.
قرأ الحاج محمود الأسماء واحدًا تلو الآخر.
ثم توقف فجأة.
تغير لون وجهه.
همس
لا...
سألته سارة بقلق
في إيه يا بابا؟
ناولها الورقة.
كان آخر اسم في القائمة...
الحاج عبدالعزيز السيوفي.
سارة رفعت رأسها في دهشة.
ده اسم جد دينا!
في نفس اللحظة، سمعوا صوت سيارة
متابعة القراءة