وافقت تجيب عريس بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

تقف أمام البيت، ثم صوت دينا وهي تنادي من الخارج
يا خالو... الشرطة وصلت!
خرج الجميع بسرعة.
كانت سيارة الشرطة تقف أمام المنزل، ونزل منها ضابط شاب، وقال باحترام
إحنا جايين بناءً على بلاغ بوجود محاولة للاستيلاء على مستندات تاريخية تخص نزاعًا قديمًا.
ثم نظر إلى كريم وقال
وفي شخص سلّم نفسه من نص ساعة، وطلب يقابلك بنفسه.
اتسعت عينا كريم.
سلّم نفسه؟ مين؟
فتح الضابط دفتره، ثم قال
قال إن ضميره تعب بعد سنين... وإنه مستعد يعترف بكل اللي يعرفه.
الحاج محمود اقترب خطوة.
اسمه إيه؟
نظر الضابط في الدفتر مرة أخرى، ثم قال
محسن السيوفي.
ساد الصمت.
دينا شهقت، ووضعت يدها على فمها.
ده... عمي.
ونظرت إلى أسرتها وهي لا تكاد تصدق أن الحقيقة التي ظل الجميع يهرب منها لسنوات، قد تبدأ أخيرًا في الظهور على لسان واحد من أقرب الناس إليها الصدمة سيطرت على المكان.
دينا رجعت خطوتين للخلف وهي تهز رأسها بعنف.
مستحيل... عمي محسن عمره ما ظلم حد.
الضابط قال بهدوء
إحنا لسه محققناش معاه بالكامل، وهو بنفسه طلب إن الأستاذ كريم والحاج محمود يحضروا.
نظر كريم إلى الحاج محمود.
هنروح.
بعد أقل من ساعة...
كانوا جميعًا في قسم الشرطة.
جلس محسن السيوفي، رجل في أوائل الستينيات، ملامحه مرهقة، وكأن السنين مرت عليه في ليلة واحدة.
أول ما شاف الحاج محمود، وقف وهو مطأطئ رأسه.
سامحني.
الحاج محمود رد بحدة
سامحك على إيه؟
تنهد محسن وقال
أنا ما زورتش ورقة واحدة... لكني سكت.
ساد الصمت.
أكمل بصوت مبحوح
من أكتر من ثلاثين سنة، مجموعة من السماسرة استغلت جهل بعض الناس بالقانون، وحاولوا يغيروا حدود بعض الأراضي في الأوراق. كنت وقتها موظفًا صغيرًا، وشفت اللي حصل.
سأله كريم
ليه ما بلغتش؟
أطرق رأسه.
خفت... كان عندي أطفال صغار، واتهددت إن لو اتكلمت هخسر شغلي ويمكن يحصل لعيلتي أذى.
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا ووضعه على الطاولة.
المفتاح ده احتفظت بيه من يومها.
سأله الضابط
مفتاح إيه؟
رد
خزنة حديد قديمة في مكتب مهجور تابع للشركة اللي كانت بتدير المشروع وقتها.
نظر كريم إليه باهتمام.
وفيها إيه؟
قال محسن
كل النسخ الأصلية للعقود... والمراسلات اللي تثبت مين حاول يزور ومين رفض.
شريف لم يتمالك نفسه وقال
لو الكلام ده صحيح... القضية كلها هتتحسم.
في صباح اليوم التالي، خرجت لجنة رسمية بصحبة الشرطة، ومعهم كريم، والحاج محمود، وعم حسن.
وصلوا إلى المبنى القديم.
كان مهجورًا منذ سنوات، والغبار يملأ المكان.
وقف محسن أمام باب حديدي صغير.
أدخل المفتاح...
وبعد ثوانٍ، صدر صوت فتح القفل.
فتح الباب ببطء.
كانت هناك خزنة كبيرة.
داخلها ملفات مرتبة بعناية، وكأن أحدًا كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
بدأت اللجنة تراجع المستندات.
وبعد ساعات...
ابتسم رئيس اللجنة وقال
الحمد لله.
نظر إليه الجميع بلهفة.
فقال
كل حقوق الأهالي محفوظة، والمستندات الأصلية سليمة. ولن يُنزع بيت واحد من صاحبه.
تنفس الحاج محمود الصعداء، واغرورقت عينا الحاجة أمينة بالدموع.
أما كريم، فنظر إلى سارة وقال بابتسامة هادئة
الحمد لله... الكذبة اللي بدأت علشان نفرّح قلب أمك، انتهت برجوع حق ناس كتير.
ابتسمت سارة لأول مرة منذ أيام، لكنها شعرت أن هناك كلامًا كثيرًا لم يُقل بعد... وأن ما بينهما لم يعد مجرد تمثيل، بل أصبح احترامًا وثقة بُنيا وسط أصعب الظروف مرت ثلاثة أيام...
وانتهى فرح أخت سارة وسط فرحة حقيقية، بعد ما اختفى التوتر اللي كان مخيم على البيت.
أهل البلد بقوا يتكلموا عن حاجة واحدة
الحقوق رجعت لأصحابها.
أما كريم، فكان يستعد يرجع القاهرة.
وقف قدام عربيته، ومد إيده لسارة.
شكرًا.
ابتسمت.
أنا اللي أشكرك... لو مكنتش وافقت تيجي، كان زمان أمي اتوجعت، ويمكن الحقيقة عمرها ما كانت ظهرت.
هز رأسه.
يمكن ربنا ساق كل ده لسبب.
ركب عربيته...
لكنه قبل ما يدور المحرك، نزل تليفونه رسالة من شريف.
لازم ترجع حالًا... في حاجة خطيرة حصلت.
اتصل به فورًا.
في إيه؟
جاءه صوت شريف متوترًا
بعد مراجعة الملفات، لقينا ملف ناقص.
اتجمد كريم.
ملف إيه؟
الملف الوحيد اللي كان أبوك كاتب عليه بخط إيده الأمانة الأخيرة.
عقد كريم حاجبيه.
أنا أول مرة أسمع عنه.
وأنا كمان... لكن عم حسن أكد إنه كان موجود.
في اللحظة نفسها...
سمعوا صوت عم حسن من بعيد وهو ينادي بأعلى صوته
يا كريم!
جرى كريم ناحيته.
كان عم حسن ممسكًا بعصاه، ووجهه شاحب.
قال بصعوبة
افتكرت... أبوك قبل ما يتوفى بأسبوع، سلّم الملف لواحد وقال له لو كريم عرف الحقيقة كلها مرة واحدة، هيتعب... خليه ياخد آخر أمانة لما يقابل البنت اللي هتغير حياته.
نظر كريم إليه في ذهول.
مين البنت؟
ابتسم عم حسن وهو ينظر إلى سارة التي كانت تقف بجوار والدتها.
قال اسمها هيكون... سارة.
تجمدت سارة مكانها.
أنا؟!
هز عم حسن رأسه.
أبوك ماكانش يعرفها... لكنه كان مؤمن إن ربنا هيبعت في طريقك إنسانة تساعدك تكمل المشوار.
وفي تلك اللحظة، أخرج عم حسن من جيب جلبابه ظرفًا صغيرًا قديمًا.
وقال
الأمانة الأخيرة... كانت عندي من البداية، لكن ماكنتش هأسلمها إلا بعد ما أتأكد إنكم اخترتم الصدق والحق، حتى بعد ما بدأت الحكاية بكذبة صغيرة.
ثم وضع الظرف في يد كريم...
بينما وقفت سارة تنظر إليه، وقلبها يخبرها أن ما بداخل هذا الظرف لن يغيّر مصير كريم وحده، بل سيكتب فصلًا جديدًا في حياة العائلتين كريم ظل ينظر إلى الظرف عدة ثوانٍ دون أن يفتحه.
قال بهدوء
لو الأمانة دي تخص العيلتين... يبقى تتفتح قدام الكل.
وافق عم حسن، واجتمع الجميع في بيت الحاج محمود بعد صلاة المغرب.
وضعت الحاجة أمينة صينية شاي على الترابيزة، وقالت بابتسامة
يا رب تكون دي آخر مرة نجتمع فيها على هم.
ابتسم الجميع لأول مرة منذ أيام.
فتح كريم الظرف بحذر.
كان بداخله خطاب، ومفتاح صغير، وصورة قديمة.
بدأ يقرأ بصوت مسموع
إلى ابني كريم... إذا وصلت للخطاب ده، فاعرف إنك نجحت في أصعب اختبار... اخترت ترجع الحقوق قبل ما تدور على المكسب. تذكر دائمًا أن قيمة الإنسان في أمانته، لا في ثروته.
سكت كريم لحظة، ثم أكمل.
المفتاح ده يفتح الدرج الأخير في مكتبي القديم. جواه صندوق صغير فيه تبرعات وأموال احتفظت بها سنوات طويلة، بعد ما أصحابها رفضوا يستردوها مكافأة لنا. أنا رفضت أعتبرها ملكنا، ووصيتي إن المبلغ ده يتعمل بيه مستشفى خيري يخدم أهل المنطقة كلها، من غير ما يحمل اسم عيلتنا.
اغرورقت عينا الحاجة أمينة بالدموع.
قالت
الله يرحمه... كان راجل أصيل.
أما الصورة، فكانت لمجموعة من أطفال القرية، بينهم ولد صغير يحمل كرة، وبجواره طفل آخر يضع يده على كتفه.
ابتسم عم حسن.
ده كريم وهو عنده عشر سنين... والولد اللي جنبه هو ابن الحاج محمود، الله يرحمه.
نظر الحاج محمود إلى الصورة طويلًا.
ثم قال بصوت متهدج
يعني أنتم لعبتوا مع بعض وإنتوا أطفال... قبل ما الزمن يفرقكم.
ساد صمت دافئ.
قطعته سارة وهي تبتسم لكريم.
واضح إن الدنيا كانت بترتب المقابلة دي من زمان.
ضحك كريم لأول مرة من قلبه.
وفي اليوم التالي، توجه مع شريف إلى المكتب القديم.
فتح الدرج بالمفتاح.
وجد الصندوق كما وصفه والده.
وبداخله مستندات مالية سليمة، ومبلغ محفوظ بعناية، وقائمة بأسماء المتبرعين.
قال شريف بعد مراجعة الأوراق
كل حاجة قانونية... ونقدر ننفذ الوصية.
ابتسم كريم وقال
يبقى أول خطوة... نبدأ إجراءات بناء المستشفى.
وفي المساء،
تم نسخ الرابط