الملياردير بقلم حكايات ميرااا
العنوان الملياردير الذي لم يلمسني طوال ثلاث سنوات
طوال ثلاث سنوات، كنت أعيش داخل قصر فخم في القاهرة، لكنني كنت أشعر وكأنني غريبة لا يربطني بهذا المكان سوى اسمي المكتوب على عقد الزواج.
الجميع كان يحسدني.
الجميع كان يظن أنني أكثر النساء حظًا بعدما تزوجت من عمر الشناوي، أحد أشهر رجال الأعمال في مصر، وصاحب مجموعة شركات إلكترونيات حققت نجاحًا هائلًا داخل وخارج البلاد.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
لم يكن بيننا خلاف.
ولم يكن بيننا حب أيضًا.
كنا نعيش تحت سقف واحد... لكن كل واحد منا يعيش في عالمه الخاص.
لم يتحدث معي إلا في حدود الضرورة.
ولم يسألني يومًا ماذا أحب أو ماذا أكره.
أما أنا، فكنت أتعامل معه باحترام شديد، وأكتفي بالصمت، لأنني كنت أعرف أن هذا الزواج لم يبدأ بإرادتنا.
كل شيء بدأ قبل ثلاث سنوات.
كان والدي يمتلك ورشة صغيرة لصيانة الأجهزة الكهربائية، وكان معروفًا بأمانته واجتهاده، لكن مشروعًا فاشلًا دخل فيه مع أحد معارفه قلب حياتنا رأسًا على عقب.
تراكمت الديون.
أُغلقت الورشة.
وأصبح أصحاب الأموال يطالبون بحقوقهم كل يوم.
في إحدى الليالي، عاد والدي إلى المنزل شاحب الوجه، وجلس صامتًا لساعات، قبل أن يخبرنا أن آخر فرصة لإنقاذ العائلة جاءت من رجل أعمال كبير يدعى عمر الشناوي.
لم يكن يريد شيئًا من أموالنا.
كان يريد زوجة.
زواجًا رسميًا، موثقًا، تحترمه كل القوانين.
وفي المقابل، سيتكفل بسداد جميع الديون، وسيؤمن علاج أمي المريضة، ويضمن تعليم إخوتي حتى الجامعة.
اعترضت أمي.
بكى أبي.
أما أنا... فلم أستطع رؤية إخوتي وهم يدفعون ثمن أخطاء لم يرتكبوها.
وافقت.
بعد أسبوعين فقط، تم عقد الزواج في مكتب هادئ بحضور المحامين والشهود.
لا موسيقى.
لا زفة.
لا فستان أبيض.
ولا حتى صورة تذكارية.
بعد انتهاء الإجراءات، نظر إليّ عمر بهدوء وقال
لن أظلمك... ولن أجبرك على شيء لا تريدينه.
ثم غادر.
ومنذ تلك اللحظة بدأت حياتي الجديدة.
خصص لي جناحًا كاملًا داخل القصر.
كانت كل احتياجاتي متوفرة.
بطاقات مصرفية.
سيارة مع سائق.
موظفون لخدمتي.
لكن الشيء الوحيد الذي لم يكن موجودًا... هو الدفء.
كان يخرج قبل أن أستيقظ.
ويعود بعد منتصف الليل.
أحيانًا تمر أيام كاملة دون أن أراه.
وإذا التقينا مصادفة داخل القصر، يكتفي بسؤال واحد
هل تحتاجين شيئًا؟
فأجيبه دائمًا
لا... شكرًا.
ثم يواصل طريقه.
في البداية كنت غاضبة.
ثم حزينة.
ثم اعتدت الأمر.
بدأت أملأ وقتي بأشياء كثيرة.
كنت أقرأ لساعات طويلة.
وأتعلم الرسم.
وأشارك في الأعمال الخيرية بعيدًا عن الإعلام، مستخدمة اسمًا مختلفًا حتى لا يعرف أحد هويتي.
كنت أزور دارًا للأيتام كل أسبوع، وأساعد في تعليم الأطفال.
وكان ذلك الجزء الوحيد من حياتي الذي أشعر فيه بأنني أتنفس.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يلفت انتباهي مع مرور الوقت.
كلما تعرضت لوعكة بسيطة...
كان الطبيب يصل إلى القصر قبل أن أطلبه.
إذا تأخرت خارج المنزل أكثر من المعتاد...
كان السائق يتلقى اتصالًا يسأل إن كنت بخير.
وعندما انقطع التيار الكهربائي عن الدار الخيري الذي أزوره، اكتشفت في اليوم التالي أن شركة عمر تكفلت بإعادة تأهيل المبنى بالكامل... دون أن يعلن أحد عن ذلك.
كنت أظن أنها مجرد مصادفات.
حتى جاءت الليلة التي غيرت كل شيء.
كانت السماء تمطر بغزارة، والرياح تضرب النوافذ الزجاجية الضخمة.
كنت في المطبخ أعد كوبًا من شاي البابونج بعدما انتهيت من قراءة كتاب، عندما سمعت صوت المصعد الخاص بالقصر.
نظرت إلى الساعة.
الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.
عاد عمر مبكرًا على غير عادته.
ولم يكن وحده.
دخل برفقة عدد من كبار مديري الشركة، ومستشاره القانوني، ورئيس الأمن.
كانت وجوههم متجهمة، وأصواتهم منخفضة، لكن التوتر كان واضحًا في كل كلمة.
توقفت مكاني دون قصد.
سمعت عمر يقول بهدوء حازم
أي خطأ آخر سيكلفنا سنوات من العمل... لا أريد حلولًا مؤقتة.
ثم صمت الجميع.
أردت أن أعود إلى غرفتي حتى لا أزعجهم.
لكن أثناء التفافي، اصطدم مرفقي بمزهرية خزفية كبيرة كانت موضوعة بجوار النافذة.
اهتزت.
حاولت الإمساك بها.
لكنها سقطت.
وتحطمت إلى عشرات القطع على الأرضية الرخامية بصوت دوّى في أرجاء القصر.
ساد الصمت.
والتفتت جميع الأنظار نحوي...
يتبع...وقفت في مكاني، وشعرت بحرارة الوجوه الملتفتة نحوي.
همست بخجل
أنا آسفة... لم أقصد.
انحنيت بسرعة لأجمع شظايا المزهرية قبل أن يسبقني أحد، لكن قطعة خزف حادة انزلقت تحت قدمي، فانغرست في كعبي بقوة.
شهقت دون إرادة.
وفي لحظة، بدأت قطرات الدم تتساقط فوق الرخام الأبيض.
لم أستوعب ما حدث، وحاولت أن أتماسك، لكن الألم جعل قدمي تخونني.
وقبل أن أسقط...
امتدت يد قوية وأمسكت بذراعي.
كانت يد عمر.
شدني إليه بثبات حتى استعدت توازني، ثم قال بصوت لم أسمعه منه من قبل
لا تتحركي.
رفع نظره إلى أحد الحراس وقال بلهجة حاسمة
هاتوا حقيبة الإسعافات... حالًا.
ركض الحارس دون أن ينطق بكلمة.
أما بقية الموجودين، فقد وقفوا في أماكنهم وكأنهم يشاهدون مشهدًا لا يصدق.
كان المدير المالي يحدق في عمر بدهشة واضحة، بينما تبادل الآخرون النظرات في صمت.
لم يهتم عمر بأي منهم.
ظل ممسكًا بذراعي بحذر، ثم انحنى على ركبته أمام الجميع.
أخذ منديلًا أبيض من جيبه، وضغط به برفق على موضع الجرح حتى يخف النزيف.
قلت مرتبكة
أنا بخير... مجرد خدش بسيط.
رفع عينيه نحوي وقال بهدوء
هذا ليس وقت المجاملة.
وصلت حقيبة الإسعافات خلال ثوانٍ.
أخذها بنفسه، وكأن وجود عشرات الموظفين حوله لا يعنيه.
نظف الجرح بعناية، ثم لف حوله رباطًا طبيًا بإتقان جعلني أتعجب.
ابتسم الطبيب الذي وصل مسرعًا بعد دقائق وقال
واضح أنك لم تنسَ التدريب.
نظر إليه عمر نظرة سريعة، فاكتفى الطبيب بالصمت.
بعد أن انتهى من تضميد الجرح، وقف وساعدني على الجلوس فوق الأريكة القريبة.
ثم التفت إلى المدير التنفيذي وقال بنبرة عادت إليها الصرامة
نكمل الاجتماع غدًا.
تردد الرجل قليلًا قبل أن يسأل
لكن الاجتماع عاجل جدًا يا فندم.
أجابه عمر دون أن ينظر إليه
قلت غدًا.
غادر الجميع بهدوء، لكن علامات الدهشة لم تختفِ من وجوههم.
وبعد أن أغلق آخر شخص الباب، عاد الصمت إلى القصر.
جلست أنظر إلى الضمادة حول قدمي، ثم رفعت رأسي إليه.
قلت بهدوء
شكرًا.
هز رأسه فقط، واتجه نحو الباب.
لكن قبل أن يخرج، توقف للحظة وقال
احرصي على تغيير الضمادة صباحًا.
ثم غادر.
بقيت أنظر إلى الباب المغلق لدقائق طويلة.
كان هذا أطول حديث دار بيننا منذ زواجنا.
وفي صباح اليوم التالي، بينما كنت أتناول الإفطار وحدي كعادتي، دخلت مديرة المنزل تحمل ظرفًا أبيض أنيقًا.
ابتسمت وقالت
هذا وصل لحضرتك منذ قليل.
فتحت الظرف باستغراب.
كان بداخله تقرير طبي كامل عن إصابة قدمي... ومعه ورقة صغيرة بخط يد عمر.
لم يكن فيها سوى ثلاث كلمات
لا تجهدي نفسك.
ظللت أحدق في الورقة طويلًا.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات... شعرت أن وراء ذلك الجدار البارد إنسانًا يخفي شيئًا لا يريد لأحد أن يعرفه.
وفي مساء اليوم نفسه، بينما كنت أمر بجوار غرفة مكتبه، سمعت أحد الموظفين يقول بصوت منخفض
لو عرف مجلس الإدارة الحقيقة... كل شيء ممكن ينهار.
توقفت مكاني دون أن يشعر أحد بوجودي.
ثم جاء رد عمر الهادئ
ولهذا... لن يعرف أحد.
وقبل أن أتمكن من سماع بقية الحديث، انفتح باب المكتب فجأة... فتجمدت في مكاني.
يتبع...تجمدت في مكاني، وظننت أن عمر رآني أقف خلف الباب.
لكن الذي خرج لم يكن هو.
كان المستشار القانوني للشركة، يحمل ملفًا أسود سميكًا، ويبدو عليه الإرهاق.
مر بجانبي ثم توقف فجأة وقال باحترام
مدام ليلى... مساء الخير.
ابتسمت ابتسامة خفيفة ورددت التحية، ثم ابتعد الرجل سريعًا وهو يضم الملف إلى صدره كأنه يحمل شيئًا بالغ الأهمية.
تنفست الصعداء.
كدت أتحرك، لكن صوت عمر وصلني من داخل المكتب
أغلق الباب جيدًا.
عاد المستشار وأغلق الباب، فانقطعت بقية الكلمات.
وقفت لحظة أفكر...
ثم