الملياردير بقلم حكايات ميرااا

لمحة نيوز

أقنعت نفسي بأن ما سمعته لا يخصني.
عدت إلى غرفتي، لكن تلك الجملة ظلت تتردد في رأسي طوال الليل
لو عرف مجلس الإدارة الحقيقة...
ما الحقيقة؟
ولماذا يخفيها عمر بكل هذا الحرص؟
في صباح اليوم التالي، نزلت إلى الحديقة الواسعة كعادتي.
كانت الشمس تشرق بهدوء، والعمال يعتنون بالأشجار والزهور.
جلست أقرأ كتابًا، حتى اقترب مني عم حسن، كبير البستانيين، الذي يعمل في القصر منذ أكثر من عشرين عامًا.
ابتسم وقال
الحمد لله على سلامة رجلك يا هانم.
ابتسمت شاكرة.
ثم قال دون قصد
البيه كان قلقان جدًا إمبارح.
رفعت رأسي بسرعة.
قلقان؟
هز رأسه وهو يضحك بخفة.
أول مرة أشوفه يجري بالشكل ده من يوم... 
توقف فجأة وكأنه أدرك أنه قال أكثر مما ينبغي.
سألته باهتمام
من يوم إيه يا عم حسن؟
ارتبك وهو ينظر إلى الأرض.
ولا حاجة يا هانم... أنا كبرت وبقيت أخرف.
ثم استأذن وانصرف بسرعة.
لكن كلماته بقيت عالقة في ذهني.
من يوم ماذا؟
مرت عدة أيام.
عاد كل شيء كما كان.
عمر يغادر مبكرًا ويعود متأخرًا.
وأنا أمارس حياتي المعتادة.
لكنني بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
كل مساء، وقبل أن أنام، كنت أجد على الطاولة الصغيرة بجوار غرفتي شيئًا جديدًا.
مرة كتابًا كنت أبحث عنه منذ أشهر.
ومرة نوع الشاي المفضل لدي.
ومرة علبة ألوان احترافية للرسم كنت قد شاهدتها في أحد المعارض ولم أشترها.
لم يكن معها أي بطاقة.
ولا أي اسم.
لكنني كنت أعرف من أرسلها.
وفي إحدى الليالي، قررت أن أعرف الحقيقة.
أطفأت أنوار غرفتي، وتركت الباب مواربًا، وجلست في الداخل بصمت.
مرت الساعة الحادية عشرة...
ثم الثانية عشرة...
وعند الواحدة إلا ربعًا تقريبًا...
سمعت خطوات هادئة في الممر.
اقتربت الخطوات ببطء حتى توقفت أمام باب غرفتي.
من خلال الفتحة الصغيرة، رأيت عمر.
كان يحمل كتابًا جديدًا بين يديه.
نظر إلى الباب المغلق للحظات، ثم وضع الكتاب بهدوء على الطاولة، وتأكد أن المصباح الصغير يعمل، قبل أن يستدير ليغادر.
وقبل أن يبتعد، التفت نحو الباب مرة أخيرة...
وابتسم ابتسامة خفيفة لم أرها على وجهه من قبل.
اختفى في نهاية الممر.
أما أنا، فبقيت واقفة في مكاني، لا أستطيع استيعاب ما رأيته.
إذا كان يهتم بكل هذه التفاصيل...
فلماذا يصر على أن يبقى بعيدًا؟
وفي صباح اليوم التالي، وصل إلى القصر خطاب رسمي مختوم بختم المحكمة.
سلّمه الحارس إلى عمر، وما إن قرأ السطر الأول حتى تغير لون وجهه للمرة الأولى منذ عرفته.
ثم رفع رأسه نحوي وقال بصوت هادئ، لكنه يحمل قلقًا واضحًا
ليلى... يبدو أن الماضي قرر أن يعود.
يتبع...أغلقت الكتاب الذي كنت أحمله، ونهضت ببطء.
نظرت إلى عمر، فرأيت في عينيه شيئًا لم أعتد رؤيته... ترددًا.
اقتربت منه وسألته بهدوء
خير؟
ظل صامتًا للحظات، ثم طوى الخطاب ووضعه داخل الملف الجلدي الذي يحمله.
قال بنبرة هادئة
لا أريد أن أقلقك قبل أن أتأكد من كل شيء.
أجبته
إذا كان الأمر يخص هذا البيت... فمن حقي أن أعرف.
رفع نظره إليّ، وكأنه يزن كلماته بعناية، ثم قال
هناك شخص خرج من السجن قبل أيام، وكان شريكًا سابقًا في واحدة من الشركات التي استحوذت عليها مجموعتنا منذ سنوات. يبدو أنه يحاول إثارة نزاع قانوني قديم.
تنفست براحة.
كنت أظن أن الأمر أخطر من ذلك.
لكن ملامحه لم تتغير.
قال بصوت منخفض
المشكلة ليست القضية... المشكلة أنه يعرف تفاصيل لا ينبغي أن يعرفها أحد.
وقبل أن أسأله ماذا يقصد، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم أجاب سريعًا.
نعم...
ساد الصمت لثوانٍ.
وفجأة وقف مستقيمًا وقال بحزم
لا... لا تسمحوا له بالدخول حتى أصل.
أنهى المكالمة، وأخذ مفاتيح سيارته.
وقبل أن يغادر، التفت إليّ لأول مرة منذ سنوات وكأنه يتخذ قرارًا صعبًا.
قال
ابقي داخل القصر اليوم... ولا تخرجي مهما حدث.
ثم انصرف بسرعة.
مر النهار ببطء شديد.
كنت أحاول القراءة، لكنني لم أستطع التركيز.
وفي المساء، دخلت مديرة المنزل وهي تبدو متوترة.
قالت
مدام ليلى... في رجل كبير في السن موجود عند البوابة منذ الصباح، ويرفض المغادرة.
تعجبت.
ماذا يريد؟
أجابت
يقول إنه يريد أن يسلمك شيئًا بنفسه.
ترددت قليلًا، ثم طلبت من الحراس أن يسمحوا له بالدخول إلى غرفة الاستقبال فقط.
دخل الرجل بخطوات بطيئة.
كان في أواخر الستينيات، يرتدي ملابس بسيطة، ويحمل حقيبة جلدية قديمة.
ما إن رآني حتى قال باحترام
حضرتك مدام ليلى؟
أومأت برأسي.
فتح الحقيبة، وأخرج منها صندوقًا خشبيًا صغيرًا، ثم وضعه أمامي.
قال
أنا كنت موظفًا عند والد المرحوم الأستاذ فؤاد الشناوي... والد الأستاذ عمر.
نظرت إليه بدهشة.
أكمل
قبل وفاته بأيام، سلمني الأمانة دي، وقال لي سلمها لزوجة عمر... لكن في الوقت المناسب فقط.
اتسعت عيناي.
ولماذا الآن؟
ابتسم الرجل بحزن.
لأن الوقت المناسب جه.
ثم استأذن وانصرف قبل أن أتمكن من سؤاله عن أي شيء آخر.
بقيت أنظر إلى الصندوق الخشبي.
كان مغلقًا بمفتاح صغير مربوط بخيط قديم.
وضعت المفتاح في مكانه، وأدرته ببطء.
صدر صوت خفيف...
وانفتح الغطاء.
في الداخل لم يكن هناك مال، ولا مجوهرات.
بل كانت هناك صورة قديمة، ورسالة مطوية بعناية، وميدالية فضية صغيرة عليها اسم واحد فقط...
ليلى.
توقفت أنفاسي.
كيف يمكن أن يكون اسمي مكتوبًا على ميدالية وُضعت داخل صندوق قبل سنوات طويلة من زواجي بعمر؟
مددت يدي المرتجفة نحو الرسالة...
وفي اللحظة التي بدأت أفتحها، دوّى صوت سيارة عمر وهي تتوقف بعنف أمام القصر، تلاه صوت خطوات مسرعة تتجه نحو الداخل.
يتبع...اندفعت خطوات عمر في أرجاء القصر بسرعة لم أعهده بها من قبل.
وبعد ثوانٍ، فُتح باب غرفة الاستقبال.
توقف في مكانه عندما رأى الصندوق الخشبي مفتوحًا أمامي.
ثم وقعت عيناه على الرسالة التي كانت بين يدي.
تغيرت ملامحه فجأة.
ولأول مرة منذ عرفته، بدا عليه الارتباك.
قال بصوت هادئ، لكنه يحمل قلقًا واضحًا
من الذي أحضر هذا الصندوق؟
أجبته بصراحة
رجل قال إنه كان يعمل عند والدك... وقال إن والدك أوصاه أن يسلمني هذه الأمانة.
ظل ينظر إلى الصندوق لثوانٍ طويلة، ثم جلس على المقعد المقابل وهو يمرر يده على جبينه.
همست
أنت تعرف ما بداخله؟
أغمض عينيه للحظة، ثم قال
كنت أتمنى ألا يصل إليك بهذه الطريقة.
نظرت إلى الميدالية مرة أخرى.
لماذا اسمي مكتوب عليها؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
لأنها ليست لك.
عقدت حاجبي باستغراب.
ماذا تقصد؟
قال بهدوء
هذا الاسم يعود إلى شخص آخر... وليس إليك.
ساد الصمت.
ثم أكمل
والدي كان يحتفظ بكل شيء يخص موظفيه وشركائه القدامى. كانت هناك طفلة اسمها ليلى، ابنة أحد أصدقائه المقربين، وصنع لها هذه الميدالية هدية يوم ميلادها.
تنفست قليلًا، لكن فضولي لم ينتهِ.
أشرت إلى الرسالة.
وهذه؟
نظر إليها طويلًا قبل أن يقول
اقرئيها.
فتحت الورقة بحذر.
كان الخط قديمًا لكنه واضح.
إلى زوجة ابني...
إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فاعلمي أن عمر ربما لم يخبرك بالحقيقة كاملة، ليس لأنه لا يثق بك، ولكن لأنه يحمل على كتفيه مسؤوليات أكبر من عمره.
لقد ربيته على أن يحمي من يحب، حتى لو اضطر أن يتحمل سوء الفهم وحده.
قد يبدو قاسيًا أو بعيدًا، لكنه لا يعرف طريقة أخرى للحماية.
إذا وجدتِ نفسك يومًا تتساءلين لماذا اختار الصمت، فاعلمي أن الصمت كان الثمن الذي دفعه ليبقى الآخرون بخير.
انتهت الرسالة عند هذا الحد.
رفعت رأسي ببطء.
كان عمر ينظر إلى الأرض بصمت.
سألته بهدوء
هل هذا سبب ابتعادك طوال هذه السنوات؟
لم يجب مباشرة.
اكتفى بالقول
ليس كله.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفه مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة، ثم نهض بسرعة.
قال
يجب أن أذهب.
وقبل أن يغادر، التفت نحوي وقال للمرة الأولى منذ زواجنا
عندما أعود... سأخبرك بكل شيء.
خرج من الغرفة، بينما بقيت أحدق في الرسالة.
وبعد دقائق، سمعت صوت محرك سيارته يبتعد عن القصر.
لكن ما لم أكن أعرفه... أن شخصًا آخر كان يراقب القصر من سيارة متوقفة على الجانب الآخر
تم نسخ الرابط