انتي هنا خدامه

لمحة نيوز

على إيدي وإنتِ عندك أيام.
نيفين قامت بسرعة.
سامي... تعالى أوضتنا الأول.
لكن سامي هز رأسه.
لأ يا نيفين. كفاية سكوت.
عمار وكريم كانوا واقفين مش فاهمين حاجة.
عمار سأل
هو في إيه؟
سامي أخد نفسًا طويلًا وقال
جميلة مش غريبة عن البيت ده... دي بنت أخويا.
عمار بص لجميلة، ثم لأبوه.
يعني... حضرتك كنت عارف إنها موجودة؟
سامي نزل رأسه بحزن.
لا... كنت فاكر إنها عايشة عند خالتها في إسكندرية. آخر مرة سألت عنها من سنتين، قالولي إنها بخير.
نيفين غمضت عينيها.
أنا... أنا اللي مخبرتكش.
سامي لف ناحيتها بصدمة.
ليه؟
نيفين دموعها نزلت.
كنت فاكرة إن وجودها هيعمل مشاكل بين الولاد... وخفت يتعلقوا بيها أو يحسوا إنها ليها حق في البيت.
عمار اتكلم لأول مرة بنبرة فيها عتاب.
وعشان كده خليتيها تشتغل خدامة؟
نيفين ماعرفتش ترد.
كل اللي قدرت تعمله إنها تبكي.
أما جميلة...
فكانت واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب إن الحقيقة كلها ظهرت أخيرًا.
سامي قرب منها وقال بحنان
سامحيني يا بنت أخويا... والله لو كنت أعرف، ما كنت سبتك يوم واحد تعيشي بالشكل ده.
جميلة مسحت دموعها بسرعة.
أنا مش زعلانة من حضرتك.
ثم بصت لنيفين.
وقالت بهدوء
ولا حتى من مرات خالي.
الجميع استغرب.
أكملت
اللي فات خلاص فات... أنا كل اللي عايزاه أكمل تعليمي، وأشتغل، وأعتمد على نفسي.
سامي ابتسم لأول مرة.
وده اللي هيحصل.
في اللحظة دي...
كريم كان واقف في آخر الصالون، ساكت تمامًا.
لأول مرة حس إنه خسر.
الصورة اللي كان بيهدد بيها جميلة بقت مالهاش أي قيمة.
والسر اللي كان بيستغله... بقى معروف قدام الكل.
لكن وهو واقف...
وصله إشعار على موبايله.
نظر للشاشة.
رسالة من الرقم المجهول.
انتهت لعبتك... ولو حاولت تؤذي جميلة مرة تانية، هتتحاسب.
كريم بص حواليه بسرعة.
كأن حد بيراقبه من جوه البيت.
لكن ماكانش شايف حد.
فاكتفى إنه مسح الرسالة، وخبّى خوفه بابتسامة مصطنعة.
أما جميلة...
فبصت من شباك الفيلا للسماء، وضمت جواب أبوها لصدرها.
ولأول مرة من يوم وفاة والديها...
حست إنها مش لوحدها.
يتبع... بدون نهاية كما طلبت تاني يوم...
الخبر انتشر جوه الفيلا كلها.
الخدم بقوا يبصوا لجميلة باستغراب.
البنت اللي كانوا فاكرينها خدامة عادية...
طلعت بنت صاحب البيت.
وجميلة نفسها كانت متضايقة من نظراتهم أكتر من أي حاجة.
دخلت المطبخ كعادتها، ولبست المريلة.
أول ما مسكت طبق تغسله، سمعت صوت سامي من وراها.
بتعملي إيه؟
لفت بسرعة.
بغسل المواعين يا خالي.
سامي أخد الطبق من إيدها وحطه على الرخامة.
من النهارده... مفيش شغل.
جميلة هزت رأسها برفض.
لا يا خالي... أنا متعودة.
أنا قولت مفيش.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
أنا مش بشتغل عشان حد يجبرني... أنا بشتغل عشان مكسلش، وعشان مقدرش أقعد من غير ما أعمل حاجة.
قبل ما سامي يرد...
نيفين دخلت المطبخ.
كانت مترددة.
وبعدين قالت
جميلة... ممكن أتكلم معاكي شوية؟
خرجوا الاتنين للجنينة.
قعدوا على نفس المقعد.
فضل الصمت بينهم دقيقة كاملة.
وأخيرًا نيفين قالت
أنا عارفة إن كلمة آسفة مش هتمحي اللي حصل.
جميلة سكتت.
بس أنا بطلب منك فرصة... أصلح اللي أقدر أصلحه.
جميلة بصتلها بهدوء.
أنا مسامحاكي.
نيفين اتفاجئت.
بسهولة كده؟
ابتسمت جميلة.
المسامحة بتريح اللي بيسامح... قبل اللي بيتسامح.
دموع نيفين نزلت 
ومن بعيد...
عمار كان واقف يشوف المشهد.
ابتسم من غير ما يحس.
لكن الابتسامة اختفت...
لما لمح كريم خارج من الفيلا بعربيته بسرعة.
الغريب...
إن كريم ماخدش طريق الشركة.
عمار حس إن في حاجة غلط.
ركب عربيته ومشي وراه من غير ما يحس.
...
بعد حوالي عشرين دقيقة...
كريم وقف قدام مكتبة قديمة.
الاسم المكتوب على اللافتة خلا عمار يتجمد.
مكتبة النور.
نفس الاسم اللي كان مكتوب في الورقة اللي لقتها جميلة.
عمار همس لنفسه
إيه اللي جابه هنا؟
شاف كريم يدخل المكتبة.
استنى دقيقة...
وبعدين نزل من عربيته ودخل وراه.
المكتبة كانت هادية.
رفوف مليانة كتب قديمة.
لكن...
لا كريم كان موجود.
ولا في أي زبون.
كان فيه راجل عجوز واقف خلف الكاونتر.
عمار سأله
لو سمحت... في شاب دخل من شوية.
العجوز ابتسم وقال
دخل... ونزل.
عمار استغرب.
نزل فين؟
العجوز أشار ناحية باب خشب صغير آخر المكتبة.
في بدروم.
في نفس اللحظة...
من تحت...
طلع صوت خافت...
كأنه حد بيقفل باب حديد.
عمار جرى ناحية الباب...
ومد إيده على المقبض...
يتبع...عمار فتح الباب بسرعة...
سلم ضيق نازل لتحت، والإضاءة فيه ضعيفة.
نزل بحذر، وكل خطوة كان صدى صوتها بيرن في المكان.
آخر السلم كان فيه باب حديد نصه مفتوح.
زقه بهدوء...
ولقى أوضة صغيرة مليانة دواليب حديد وكراتين قديمة.
لكن مفيش أثر لكريم.
اختفى إزاي؟
فجأة سمع صوت باب بيتقفل في آخر البدروم.
جرى ناحية الصوت.
وصل لممر ضيق بينتهي بباب خلفي مفتوح على شارع جانبي.
خرج بسرعة...
بص يمين وشمال.
ولا عربية كريم... ولا كريم نفسه.
رجع وهو متضايق.
وقبل ما يطلع السلم، لمح ورقة مطوية واقعة على الأرض.
رفعها.
كانت ورقة قديمة، مكتوب عليها بخط اليد
الأمانة لا تُسلَّم إلا لصاحبة الاسم.
وتحتها اسم واحد...
جميلة.
عمار حط الورقة في جيبه وطلع.
...
في نفس الوقت...
جميلة كانت في أوضتها، وافتكرت الورقة اللي لقتها في مذكرات أمها.
طلعتها من الدرج.
مكتبة النور...
فضلت تبص للاسم، وهي حاسة إنه مش مجرد عنوان.
وفجأة...
سمعت خبط خفيف على الباب.
ادخل.
كان سامي.
دخل وهو شايل صندوق صغير.
ده كان في مخزن الفيلا... باسم والدك.
حطه قدامها.
مافتحتهوش... قلت تفتحيه إنتِ.
جميلة فتحت الصندوق.
كان فيه شال صوف قديم، وبعض الصور، ودفتر حسابات صغير.
وهي بتقلب فيه...
وقعت بطاقة بين الصفحات.
مكتوب عليها
عضوية مكتبة النور.
جميلة شهقت.
يبقى العنوان اللي في مذكرات أمها مش صدفة.
...
في المساء...
عمار رجع الفيلا.
أول ما شاف جميلة قال
ممكن أتكلم معاكي؟
طلع الورقة من جيبه.
أول ما شافتها، اتسعت عينيها.
دي نفس الجملة اللي كانت في مذكرات ماما.
عمار استغرب.
يعني إنتِ كمان عندك حاجة تخص المكتبة؟
هزت رأسها، وورته بطاقة العضوية.
الاتنين بصوا لبعض.
واضح إن كل الخيوط بتقود لنفس المكان.
عمار قال بهدوء
بكرة الصبح... هنروح سوا.
جميلة ترددت.
لو مرات خالتي...
قاطعتها نيفين، اللي كانت واقفة عند الباب وسمعت آخر الكلام.
وقالت لأول مرة بابتسامة هادئة
أنا اللي هوصلكم.
جميلة بصتلها بدهشة.
أما عمار...
فحس إن بكرة هيكون بداية كشف السر الحقيقي.
لكن...
في مكان بعيد عن الفيلا...
كان كريم قاعد مع شخص مجهول في سيارة سوداء.
ناول له ظرفًا بنيًا.
وقال
نفذت أول جزء... باقي الجزء التاني.
الشخص المجهول أخذ الظرف دون أن ينطق بكلمة.
ثم قال بصوت هادئ
اتأكد إن جميلة ما توصلش للمكتبة قبلنا.
كريم عقد حاجبيه.
ولو وصلت؟
رد الرجل وهو يدير السيارة
ساعتها... كل حاجة هتتغير.
يتبع...في صباح اليوم التالي...
ركبت جميلة مع عمار ومدام نيفين العربية، واتجهوا إلى مكتبة النور.
كان كريم سبقهم بدقائق، ومعاه الرجل المجهول.
أول ما دخلوا المكتبة، الراجل العجوز شاف بطاقة العضوية اللي مع جميلة، وابتسم وقال
استنينا اليوم ده سنين.
فتح لهم باب البدروم، لكن المرة دي ما كانش فاضي.
كان فيه غرفة صغيرة، وفي منتصفها صندوق حديد قديم.
العجوز قال
الصندوق ده أمانة من والدك. ومحدش يقدر يفتحه غير صاحبة الاسم.
حطت جميلة البطاقة والمفتاح اللي كان في الصندوق القديم، واتفتح القفل.
جواه ظرف كبير، وشهادة، ورسالة أخيرة من والدها.
بدأت تقرأ وهي بتبكي
يا جميلة... لو وصلتي لهنا، يبقى قدرتي تقفي على رجلك. أنا سيبت أمانة عند ناس أثق فيهم، مش علشان تعيشي على فلوسي، لكن علشان محدش يقدر يكسرك أو يحرمك من حقك في التعليم. لو لقيتي نفسك قوية وقتها، يبقى حققتي أمنيتي.
الأستاذ حسام، الذي كان قد وصل في نفس اللحظة، أخذ الشهادة وقال
دي وثيقة تثبت إن والدك خصص مبلغًا ماليًا باسمك في صندوق استثماري للتعليم، ومحدش كان يقدر يصرف منه غيرك بعد بلوغك السن القانونية.
في اللحظة دي، كريم فقد أعصابه.
صرخ يعني كل اللي عملناه راح على الفاضي؟!
سامي بص له بغضب لأول مرة.
إحنا؟ يعني كنت عارف كل اللي حصل؟
كريم نزل رأسه.
أنا استغليت الموضوع... لكن أنا ما كنتش السبب في اللي حصل زمان.
سامي قال بحزم الخطأ له ثمن.
قرر يبعد كريم عن إدارة أعمال العائلة لفترة، ويخضعه للمحاسبة على أخطائه في الشركة، مع منحه فرصة لإصلاح نفسه بدل الانتقام منه.
أما مدام نيفين...
وقفت قدام جميلة، وقالت وهي تبكي
أنا ظلمتك... ولو فضلت أعتذر عمري كله، مش هوفي حقك.
جميلة ابتسمت في هدوء.
أنا سامحتك من زمان... بس خلينا نبدأ من جديد.
نيفين وسط دموع الجميع.
بعد شهور...
أنهت جميلة دراستها بتفوق، وحصلت على وظيفة محترمة اعتمدت فيها على تعبها واجتهادها، لا على مال والدها.
وأصرت أنها تعيش بكرامتها، وتبني مستقبلها بنفسها.
أما عمار...
فضل أكبر داعم ليها، يشجعها في كل خطوة، ويحترم قرارها إنها تحقق نفسها الأول.
وفي آخر مشهد...
كانت جميلة واقفة قدام قبر والديها، حاطة باقة ورد.
ابتسمت وقالت
اطمنوا... أنا بقيت بخير. وكرامتي اللي وصيتوني عليها... عمرها ما ضاعت.
خرجت من المقابر وهي رافعة رأسها، والشمس كانت بتشرق في بداية يوم جديد...
تمت.

تم نسخ الرابط