جوزي خلاني ابيع
جوزي خلاني أبيع دهب أمي عشان نعمل عملية لابن ضرتي وبعد ما خرج من المستشفى، عملوا حفلة شكر ودعوا العيلة كلها إلا أنا.
لما عرفت، ماعاتبتش جوزي.
ولا سألت ضرتي ليه عملت كده.
لبست هدومي، وروحت الحفلة من غير دعوة.
وأول ما دخلت، لقيت ضرتي واقفة وسط العيلة بتشكر جوزي وبتقول بصوت عالي
بعد ربنا، ابني عايش بسبب أبوه اللي باع أغلى ما يملك عشانه.
الناس كلها سقفتله.
وأنا وقفت عند الباب وبصيتله.
أغلى ما يملك؟
الدهب ماكانش بتاعه.
كان دهب أمي.
آخر حاجة سابتهالي قبل ما تموت.
يوم ما جوزي طلب مني أبيعه، قعد قدامي يعيط ويقولي
ده طفل يا نادية هتقدري تعيشي وإنتِ عارفة إنك كان ممكن تنقذيه وماعملتيش؟
بعته.
بعته كله.
حتى الغويشة اللي أمي لبستهالي بإيدها يوم فرحي.
وكنت فاكرة إن على الأقل، لما الولد يقوم بالسلامة، هيفتكروا إني كنت سبب بعد ربنا في علاجه.
لكنهم حتى ماعزمونيش.
جوزي شافني واقفة عند الباب، ووشه اتغير.
قرب مني وقال بين سنانه
إنتِ جيتي ليه؟
بصيتله وقلت
جيت آخد الحاجة اللي بعتها دهب أمي عشانها.
ضرتي ضحكت بسخرية
العملية خلصت يا حبيبتي هتاخدي إيه يعني؟
طلعت ورقة من شنطتي وحطيتها قدامها.
ابتسامتها اختفت.
لأن قبل ما أبيع الدهب بيوم واحد، أمي كانت سايبالي جواب قديم، فيه اسم راجل طلبت مني أروحله لو جوزي حاول في يوم يخليني أبيع دهبها.
ولما روحتله الصبح
عرفت إن أمي ماكانتليش سايبة شوية دهب وبس.
كانت سايبالي حاجة تانية.
حاجة جوزي كان عارف بوجودها من سنين.
وعشان يوصل لها
كان لازم يخليني أبيع الدهب بإيدي.
بصيت لجوزي قدام العيلة كلها وقلت
دلوقتي فهمت ليه كنت مستعجل أبيع دهب أمي.
وشه اصفر.
أما ضرتي، فبصتله وقالت
هي بتقول إيه؟
ابتسمت وأنا بحط الورقة قدامها وقلت
اسأليه ليه عملية ابنك اتدفعت من أسبوعين قبل ما أنا أبيع جرام دهب واحد؟
وفجأة، القاعة كلها سكتت.
لأن اللي اكتشفته الصبح ماكانش بس إن جوزي خد تمن دهب أمي لنفسه
لكن إن الشخص اللي دفع تمن العملية الحقيقي كان قاعد وسط الحفلة.
ولما وقف من مكانه وقال اسمي
جوزي وقع الكوباية من إيده.
الراجل وقف بهدوء، وكل العيون اتلفتت ناحيته.
كان راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، لكن هيبته كانت مخليّة القاعة كلها ساكتة.
بصلي وقال
نادية... أخيرًا نفذتي وصية والدتك.
جوزي اتجمد مكانه، ووشه بقى شاحب بطريقة خلت أخوه يقرب منه ويسأله
إنت تعرف الراجل ده؟
ما ردش.
أما أنا، فطلعت من شنطتي الظرف القديم اللي أمي كانت كاتبة عليه بخط إيدها
ما تفتحيهوش إلا لو اضطريتي تبيعي الدهب.
الراجل أخد الظرف، وطلع منه نسخة من ورقة تانية كانت معاه من سنين.
حط الورقتين جنب بعض.
وقال قدام الكل
خط المرحومة واحد... والكلام متطابق.
ضرتي بدأت تقلق.
وقالت
هو فيه إيه؟ حد يفهمنا.
الراجل بص ناحية جوزي وقال بهدوء
هو اللي يفهمكم... لأنه عارف كل كلمة.
جوزي حاول يضحك وقال
الكلام ده كله تمثيل... الراجل ده أنا معرفوش أصلًا.
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة، وطلع من جيبه صورة قديمة.
مدها لأخو جوزي.
أخو جوزي أول ما شاف الصورة، رفع عينه ناحيته باستغراب وقال
دي صورتك... وإنت واقف مع الراجل ده!
الهمهمة بدأت تعلى في القاعة.
وجوزي مد إيده بسرعة يحاول ياخد الصورة، لكن أخوه رجعها بعيد عنه.
وأنا لأول مرة شفته مرتبك بالشكل ده.
الراجل قال
أنا مش جاي أفضح حد... أنا جاي أنفذ أمانة.
وبعدين بصلي وقال
والدتك كانت عارفة إن اليوم ده هييجي.
ضرتي قربت من جوزي وهمست
إيه الأمانة دي؟ رد عليا!
لكنه فضل ساكت.
في اللحظة دي، الراجل فتح شنطة جلد صغيرة كانت معاه، وطلع منها ملف سميك مربوط بشريط أحمر.
أول ما جوزي شاف الملف...
شهق من غير ما يحس.
وقال بصوت واطي جدًا
لا... الملف ده لسه موجود؟
الراجل سمعه، وابتسم.
وقال
أيوه... ومحدش فتحه من يوم ما والدتك سلمتهولي.
وبعدين بصلي وقال
المفروض الملف ده يبقى في إيدك... لكن قبل ما أديهولك، لازم الكل يعرف ليه المرحومة أصرت إنه ما يتفتحش إلا بحضور شاهدين من العيلة.
ساعتها، واحدة من قرايب جوزي قالت باستغراب
شاهدين على إيه؟
الراجل رد وهو بيفك الشريط الأحمر ببطء شديد
على الحقيقة... اللي اتدفنت سنين.
وما إن رفع أول ورقة من الملف...
حتى اتغيرت ملامح أكبر واحد من كبار العيلة، وقام واقف فجأة وهو بيقول بانفعال
مستحيل... الورقة دي لسه موجودة؟!الكلمة وقعت على القاعة زي الصاعقة.
كل الناس بصت ناحية كبير العيلة، وهو كان مركز نظره على الورقة كأنه شاف شبح.
جوزي جرى ناحيته بسرعة وقال بعصبية
ماحدش يقرأ حاجة! الملف ده يخصني أنا ونادية.
لكن الراجل سحب الملف من إيده قبل ما يلمسه، وقال بحزم
الغريب إنك بتقول يخصك... مع إن اسمك مش مكتوب في ولا ورقة.
الهمس زاد.
وضرتي بدأت تبص بيني وبينه وهي مش فاهمة.
قالت
حد يفهمني... إيه اللي بيحصل؟
أنا ما رديتش.
كنت مستنية الراجل يتكلم.
فتح أول صفحة، وبصلي وقال
والدتك كانت ست ذكية... وكل حاجة كانت موثقة بالتاريخ.
طلع ظرف صغير من الملف، ولسه مقفول بالشمع الأحمر.
وقال
الظرف ده طلبت مايتفتحش إلا قدام كل الناس... لو في يوم زوج بنتها حاول يجبرها تبيع الدهب.
جوزي صرخ لأول مرة
كفاية! هات الملف!
لكن محدش اتحرك.
لأن كل الموجودين كانوا مستنيين يعرفوا الحقيقة.
الراجل فتح الظرف بهدوء، وطلع منه إيصال تحويل بنكي قديم.
رفعه قدام الكل وقال
تاريخ التحويل ده... قبل عملية الطفل بأسبوعين كاملين.
ضرتي خطفته من إيده، وقعدت تقرأ التاريخ بنفسها.
وشها اتغير.
بصت لجوزي وقالت
يعني... المستشفى كانت أخدت الفلوس قبل ما نادية تبيع دهبها؟
ما ردش.
قالت بصوت أعلى
رد!
فضل ساكت.
واحد من إخواته سأله
أمال فلوس الدهب راحت فين؟
في اللحظة دي...
موبايل الراجل رن.
بص للشاشة، ورد باحترام
أيوه يا فندم... إحنا كلنا موجودين.
سكت ثواني، وبعدها قال
تمام... هخليه يدخل.
أول ما قفل، بصلي وقال
في شخص لازم يكون حاضر قبل ما نكمل.
وفجأة...
باب القاعة اتفتح.
ودخل رجل كبير في السن، أول ما جوزي شافه، رجع خطوة لورا وهو بيهمس بخوف
هو... هو لسه عايش؟!
القاعة كلها اتلفتت ناحيته.
والرجل وقف قدامي مباشرة، وبص في وشي طويل، ثم قال بهدوء
أنتِ شبه أمك أكتر مما كنت متوقع.
بعدها أخرج من جيب بدلته مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، ووضعه في كفّي، وقال
المفتاح ده بقاله عندي أكتر من عشرين سنة... وأمك قالتلي ما أسلموش لحد غيرك.
جوزي في اللحظة دي فقد أعصابه تمامًا، واتحرك بسرعة وهو بيصرخ
أوعوا تاخد المفتاح منها...!القاعة كلها اتجمدت.
كل الأنظار اتثبتت على المفتاح اللي في إيدي... مفتاح نحاسي قديم، عليه رقم صغير محفور 27.
مسكت المفتاح وبصيت لجوزي.
لأول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيه.
مش ارتباك...
خوف.
الراجل الكبير قال بهدوء
واضح إنه عرف المفتاح من أول نظرة.
أخو جوزي لف ناحيته وقال
إنت تعرف المفتاح ده؟
جوزي حاول يسيطر على نفسه وقال بسرعة
أي مفتاح قديم وخلاص... بيعملوا منه حكاية.
لكن الراجل ابتسم وقال
غريبة... لسه من ثواني كنت بتقول أوعوا تاخده منها.
سكت.
ماعرفش يرد.
ضرتي قربت منه وهي بتبصله باستغراب
إنت مخبي إيه عني؟
قال بعصبية
اسكتي دلوقتي!
أول مرة يزعق لها قدام الناس.
الراجل اللي كان ماسك الملف فتح صفحة جديدة، وقرأ منها بصوت واضح
إذا وصل المفتاح لبنتي، يبقى معنى كده إن كل اللي كنت خايفة منه حصل... وساعتها افتحوا الخزنة قبل ما حد يسبقكم.
أول ما كلمة الخزنة اتقالت...
جوزي نزل برأسه لتحت.
وكأنه عرف إن كل حاجة بتنهار.
واحد من كبار العيلة سأله
خزنة إيه؟
الراجل رد
خزنة مستأجرة باسم المرحومة من سنين طويلة... وماحدش يقدر يفتحها غير بالمفتاح ده، ومعاه الورقة اللي في الملف.
الهمهمة زادت أكتر.
ضرتي بدأت تبكي وهي بتقول
يعني كل السنين دي... كنت عارف؟
جوزي بص لها بغضب، لكنه ما نطقش.
أنا كنت واقفة ساكتة.
حاسّة إن كل كلمة بتتكشف بتأكد إن أمي كانت شايفة المستقبل بطريقة مخيفة.
الراجل مدلي ظرف صغير وقال
ده آخر ظرف.
قلتله
أفتحه دلوقتي؟
هز رأسه وقال
لا... لأن والدتك كتبت عليه شرط.
بصيت على الظرف.
وكان مكتوب بخط أمي
لا يُفتح إلا أمام الشخص الذي حاول بكل الطرق يمنع بنتي توصل للخزنة.
رفعت عيني ناحية جوزي.
لقيته بيبص للظرف، ووشه كله عرق.
وفجأة...
طلع موبايله بسرعة، ولف بعيد عن الناس، وبدأ يتكلم بصوت واطي جدًا.
لكن القاعة كانت هادية لدرجة إني سمعته وهو بيقول
الحق... قبل ما يوصلوا... افتحوا المكان وخدوا كل حاجة... بسرعة!
أول ما قفل المكالمة...
الراجل الكبير ابتسم ابتسامة هادئة وقال
متتعبش نفسك...
وساعتها طلع من جيبه ورقة مطوية، وقال
لأن