جوزي خلاني ابيع

لمحة نيوز

كان مقصود.
طلع المفتاح النحاسي من إيدي، وحطه في باب حديد صغير تحت السلم.
الباب اتفتح بصوت عالي.
ونزلنا سلم ضيق لحد ما وصلنا لأوضة صغيرة جدًا.
في آخرها كانت فيه خزنة حديد ضخمة.
الراجل بصلي وقال
المفتاح الأول عندك... لكن الخزنة ليها مفتاح تاني.
ضرتي سألت
ومين معاه المفتاح التاني؟
الراجل بص ناحية جوزي.
الجميع لف ناحيته في نفس اللحظة.
جوزي حاول يضحك وقال
أنا؟!
الراجل فتح الدفتر على صفحة معينة، وقرأ
سلّمت النسخة الثانية لمن ظننته أهلًا للأمانة... فإن خانها، سيضطر أن يعيدها بنفسه.
أخو جوزي قرب منه وقال
طلع المفتاح.
جوزي هز راسه بعنف.
معنديش أي مفتاح.
في اللحظة دي، الراجل الكبير قال بهدوء
فتشوا الجاكيت.
جوزي اتوتر لأول مرة بشكل واضح.
حاول يمنعهم، لكن أخوه مد إيده في الجيب الداخلي للجاكيت...
وسحب سلسلة فضية صغيرة.
وفي آخرها...
كان معلق مفتاح نحاسي مطابق للمفتاح اللي معايا.
القاعة الصغيرة سكتت.
ضرتي بصتله بصدمة وقالت
إنت كنت شايله معاك كل السنين دي؟
ما ردش.
الراجل أخد المفتاحين، وركبهم في الخزنة.
لف الأول...
ثم الثاني...
وسمعنا صوت تكة قوية.
باب الخزنة اتحرك سنتيمترات قليلة.
لكن قبل ما يفتحه بالكامل...
بصلي وقال
آخر تحذير كتبته والدتك كان واضح جدًا.
قلت بقلق
قالت إيه؟
قال وهو ما زال ممسكًا بمقبض الخزنة
قالت اللي هيشوف اللي جوه... مش هتبقى حياته زي قبلها أبدًا.
ثم بدأ يفتح الباب ببطء...
وفجأة...
خرج صوت رنين هاتف من داخل الخزنة نفسها.
الكل اتجمد.
الراجل الكبير همس
مستحيل...
لأن آخر مرة اتقفلت فيها الخزنة...
كانت من أكثر من عشرين سنة رنين الهاتف فضل مستمر...
مرة...
واتنين...
وثلاثة.
ولا حد فينا كان قادر يتحرك.
الراجل الكبير قرب بحذر، وفتح باب الخزنة بالكامل.
كلنا كنا متوقعين نشوف سبايك دهب... أو أوراق... أو فلوس.
لكن اللي كان جوا كان مختلف تمامًا.
كان فيه صندوق خشبي قديم، وعليه اسم أمي محفور بإيدها.
وفوق الصندوق...
هاتف محمول قديم جدًا، موصل ببطارية خارجية صغيرة، ولسه شغال.
الراجل همس
هي كانت عاملة حساب اليوم ده...
مد إيده وأخد الموبايل.
الرنين وقف.
وظهرت على الشاشة رسالة واحدة فقط
أدخل كلمة السر.
بصلي وقال
جربي تاريخ ميلاد والدتك.
جربته...
ما فتحش.
جربنا تاريخ جوازها...
برضه لا.
جوزي كان واقف بعيد، لكن عينه ما فارقتش الموبايل لحظة.
الراجل بصله فجأة وقال
واضح إنك عارف كلمة السر.
جوزي رد بسرعة
معرفش حاجة.
لكن الراجل لاحظ إن إيده كانت بتترعش.
في اللحظة دي افتكرت آخر جملة قالتها أمي قبل وفاتها
لو احتجتِ تعرفي الحقيقة... اكتبي الاسم اللي كنتِ بتناديني بيه وأنا صغيرة.
ابتسمت وسط دموعي.
وكتبت اسم الدلع اللي محدش في الدنيا كان يعرفه غيري أنا وهي.
الموبايل اتفتح.
جوزي شهق.
وكأنه كان متأكد إن السر عمره ما هيتفتح.
ظهر على الشاشة مجلد واحد فقط.
اسمه
يُفتح بحضور الجميع.
ضغطت عليه.
طلع عشرات التسجيلات الصوتية، وكل واحد مكتوب عليه تاريخ.
وأول تسجيل كان بعنوان
لو نادية باعت الدهب.
ضرتي حطت إيدها على بقها.
وأخو جوزي قال
شغليه.
مديت صباعي ناحية زر التشغيل...
لكن قبل ما ألمسه...
جوزي اندفع فجأة بكل قوته، وحاول يخطف الموبايل من إيدي وهو بيصرخ
إوعوا تسمعوا التسجيل... هيدمر الكل!
اتمسك قبل ما يوصل.
لكن الصرخة اللي خرجت منه كانت كافية تخلي كل اللي في الأوضة يوقن إن التسجيل ده... هو المفتاح الحقيقي لكل الأسرار.
وانتهى الأمر عند لحظة صمت ثقيلة...
وأصبعي ما زال متوقفًا فوق زر التشغيل، دون أن أضغط عليه بعد وقفت مكاني.
كل الأنظار كانت عليّ.
وأنا بصباعي على زر التشغيل.
الراجل الكبير قال بهدوء
خدي نفس... ولما تكوني مستعدة، شغليه.
بصيت لجوزي.
كان بيحاول يفلت من اللي ماسكينه، وهو بيصرخ
لا... بالله عليكم لا!
دي كانت أول مرة أسمعه بيترجى.
ضغطت على زر التشغيل.
خرج صوت تشويش خفيف...
وبعدها، صوت أمي.
واضح.
هادئ.
كأنها لسه عايشة.
قالت
لو التسجيل ده اشتغل... يبقى يا بنتي في حد خدعك، وخلاك تبيعي دهبي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كل اللي في الأوضة سكت.
أمي كملت
أول حاجة لازم تعرفيها... العملية اللي هيقولك عليها، أو أي سبب يستعطفك بيه، متصدقيهوش من غير ورق رسمي.
جوزي قفل عينيه.
وأمي كملت
أنا سيبت مع الأستاذ سامي كل المستندات اللي تثبت الحقيقة.
الراجل الكبير قال بهدوء
أنا سامي.
الصوت كمل
ولو وصلتي للمرحلة دي... يبقى الشخص اللي وثقتي فيه كان بيدور على حاجة أكبر من الدهب.
ضرتي بصت لجوزي، وقالت وهي بتبكي
رد... هي بتقصدك؟
لكنه ما نطقش.
وفجأة...
التسجيل وقف.
الجميع استغرب.
بصيت للشاشة.
ظهر تنبيه
الجزء الأول انتهى.
وتحته ملف تاني.
عنوانه
لا يتم تشغيله إلا بعد قراءة الورقة الموجودة أسفل الصندوق.
الراجل الكبير فتح الصندوق الخشبي لأول مرة.
كان فيه ظرف أبيض واحد.
ختمه بالشمع الأحمر ما زال سليمًا.
ناولني الظرف، وقال
ده آخر ظرف كتبته والدتك بإيدها.
أمسكته...
ولما قلبته على ضهره...
لقيت مكتوب بخط كبير
لو فتحتي الظرف ده... متكمليش أي خطوة إلا بعد ما الشخص اللي ظلمك يعترف بنفسه.
في اللحظة دي...
كل الموجودين بصوا ناحية جوزي.
وهو لأول مرة من بداية الليلة...
خفض رأسه.
وأخذ نفسًا طويلًا.
ثم قال بصوت مبحوح
أنا... عندي كلام لازم أقوله.
يتبع...جوزي رفع رأسه ببطء.
كل اللي في الأوضة سكت.
حتى ضرتي بطلت عياط، وبقت مستنياه يتكلم.
بلع ريقه وقال
أنا غلطت...
قبل ما يكمل، الراجل الكبير رفع إيده وقال
لا.
الجميع استغرب.
قال بهدوء
مش أي اعتراف ينفع. المرحومة كانت محددة إيه اللي لازم يتقال.
فتح الدفتر على صفحة صغيرة، وقرا
لو حاول يعترف، متصدقوش إلا لو قال الحقيقة من غير ما حد يسأله.
جوزي اتوتر.
واضح إنه كان مجهز كلام معين.
لكن بعد اللي سمعه، عرف إن مفيش مهرب.
أخوه قرب منه وقال
قول... إحنا كلنا سامعين.
فضل ساكت ثواني طويلة.
وبعدين قال
أنا... ماكنتش أول واحد عرف بوجود الخزنة.
الراجل الكبير هز رأسه وقال
كمل.
قال وهو بيتنفس بصعوبة
عرفت عنها... من قبل وفاة والدتها بشهور.
القاعة اتجمدت.
بصيت له بصدمة.
قلت
إزاي؟!
لكنه ما ردش عليّ.
كان بيكلم نفسه أكتر ما بيكلمنا.
كانت فاكراني مجرد زوج لبنتها... لكنها اختبرتني مرة... وقالتلي الأمانة أغلى من الدهب.
سكت.
وبعدين ضحك ضحكة كلها مرارة.
وساعتها... سقطت في الاختبار.
الراجل الكبير قفل الدفتر وقال
لسه في حاجة ناقصة.
جوزي غمض عينيه وقال
عارف.
رفع رأسه ناحيتي.
ولأول مرة، كانت نظرته خالية من أي تحدي.
وقال
أنا كنت فاكر إن اللي في الخزنة ثروة كبيرة... وفضلت سنين أحاول أوصلها. ولما رفضت والدتك تدلني عليها... استنيت بعد وفاتها. ولما لقيتك متمسكة بالدهب... استغليت موضوع العملية عشان أتأكد إن مفيش حاجة هتوقفك عن تنفيذ اللي أنا عايزه.
ضرتي شهقت.
وقالت وهي بترجع خطوة لورا
يعني... استخدمت مرض ابني؟
رد بصوت منخفض
أنا... كنت عارف إن تكاليف العملية متدفوعة.
الصدمة ظهرت على وشوش الكل.
ضرتي بصت له والدموع في عينيها، وقالت
يعني خليتني أصدق إن نادية هي اللي دفعت... وأنت كنت ساكت؟
ما ردش.
في اللحظة دي، الراجل الكبير مد إيده ناحية الظرف الأبيض، وقال
دلوقتي... بقى من حق نادية تعرف آخر رسالة من والدتها.
مددت إيدي ناحية الظرف...
وفكيت ختم الشمع ببطء.
وسحبت الورقة من جواه.
لكن قبل ما أقرأ أول سطر...
لقيت فيه صورة صغيرة وقعت على الأرض.
انحنيت أشيلها.
ولما قلبتها...
اتغيرت ملامحي تمامًا.
لأن الصورة كانت لوالدتي...
واقفة جنب شخص لم أتوقع أبدًا أن أراه معها.
رفعت الصورة ناحية الراجل الكبير، وسألته بصوت مرتعش
هو... الشخص ده مين؟
بص للصورة طويلًا...
ثم قال
واضح إن الوقت جه تعرفي ليه والدتك أخفت الصورة دي عن الجميع.
يتبع...انحنى الراجل الكبير والتقط الصورة من إيدي بحرص.
فضل يبصلها ثواني، ثم سلّمها لكبير العيلة.
الصورة لفت بين الموجودين.
كل واحد كان يحاول يفتكر الراجل اللي واقف جنب أمي.
لكن محدش عرفه.
إلا جوزي.
أول ما لمح الصورة، وشه فقد لونه تمامًا.
وهمس من غير ما يحس
لا... الصورة دي كانت المفروض تكون اتحرقت.
الراجل الكبير التفت له بسرعة.
وقال
يعني إنت كنت عارف إنها موجودة؟
جوزي سكت.
عرف إنه وقع في كلامه.
أنا أخدت الصورة تاني، وبصيت فيها كويس.
كان فيه على ضهرها بخط أمي جملة قصيرة
لو وصلتي للصورة دي... يبقى لسه في شخص ما اتكلمش.
استغربت.
قلت
مين الشخص؟
الراجل الكبير ما ردش.
بص ناحية باب الأوضة.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت خبط خفيف.
ثلاث خبطات متتالية.
الراجل ابتسم وقال
اتأخر... لكنه جه.
كل الموجودين لفوا ناحية الباب.
الباب اتفتح ببطء...
ودخل رجل مسن، متكئ على عصا.
أول ما شاف الصورة، دموعه نزلت.
مد إيده المرتعشة وقال
بعد كل السنين دي... لسه محتفظة بيها.
أنا قربت منه وسألته
حضرتك تعرف أمي؟
ابتسم بحزن وقال
أعرفها... وأعرف السر اللي كانت شايله لآخر يوم في عمرها.
قبل ما يكمل، جوزي صرخ
متصدقوش كلمة هيقولها!
الرجل المسن بص له بهدوء، وقال
الغريب إنك خايف من كلامي... قبل ما تعرف هقول إيه.
سكت جوزي.
أما الرجل المسن، فأخرج من جيبه ظرفًا قديمًا جدًا.
كان مختومًا بنفس ختم
تم نسخ الرابط