جوزي خلاني ابيع

لمحة نيوز

الشمع الموجود على كل رسائل أمي.
وقال وهو يناولني الظرف
أمك سلمتني ده بنفسها، وقالت لو في يوم بنتي عرفت طريق الخزنة، سلّمها الظرف... لكن ما تفتحهش إلا بعد ما تعرف إن الحقيقة لسه ناقصة.
أخذت الظرف وأنا أنظر إليه في صمت.
كان أثقل مما يبدو.
ولما حركته قليلًا...
سمعنا صوت معدن صغير يتحرك بداخله.
بصيت للرجل باستغراب.
فقال
جوه الظرف مش ورقة بس...
ثم نظر إلى جوزي مباشرة، وأكمل
فيه الحاجة الوحيدة اللي كان بيدور عليها من أول يوم دخل بيتكم.
جوزي أغمض عينيه وكأنه استسلم.
لكن قبل ما أفتح الظرف...
وصل صوت سيارة توقفت أمام العمارة.
وبعدها مباشرة...
سمعنا خطوات سريعة طالعة على السلم، ثم طرقًا قويًا على الباب.
نظر الراجل الكبير إلى الباب، وقال بهدوء
واضح إن في حد عرف إن الحقيقة قربت تظهر... ووصل قبل ما نفتح الظرف طرقات الباب زادت قوة.
دق... دق... دق...
كل اللي في الأوضة اتلفت ناحيته.
الراجل الكبير قال بهدوء
محدش يفتح.
لكن الطرق استمر، وبعد ثوانٍ سمعنا صوت من برة
افتحوا... أنا مش جاي آذي حد. أنا جاي أسلّم أمانة.
الرجل المسن أول ما سمع الصوت، اتغيرت ملامحه.
وقال بسرعة
خلوه يدخل... أعرف الصوت ده.
فتح أحد الموجودين الباب بحذر.
دخل شاب في أوائل الثلاثينات، هدومه عليها تراب السفر، وفي إيده حقيبة صغيرة.
أول ما شافني، وقف مكانه وقال
حضرتك... نادية؟
هزيت راسي.
طلع من الحقيبة ملف أزرق، وقال
أنا بدور عليكي من أسبوع.
جوزي أول ما شاف الملف، حاول يقوم، لكن أخوه مسكه.
وقال بانفعال
الملف ده جه منين؟
الشاب بصله باستغراب، وقال
أنا معرفكش.
ثم سلمني الملف.
وقال
الست الله يرحمها كانت دافعة أتعابي مقدم من سنين، ووصتني أوصل الملف ده لبنتها... لكن بشرط واحد.
الراجل الكبير سأله
إيه هو؟
رد
مايتسلمش إلا لو اتأكدت إنها باعت الدهب.
بصيت للملف، ولقيت عليه نفس خط أمي.
لكن المرة دي، كانت كاتبة جملة مختلفة
آخر ورقة... وبعدها كل واحد هيتحاسب على اختياره.
فتحت الملف بهدوء.
كان فيه ورقة واحدة فقط.
وفي أسفلها توقيع أمي.
ولما بدأت أقرأ أول سطر...
اتسعت عيني.
رفعت رأسي ناحية جوزي، وقلت في ذهول
إنت... كنت عند أمي في المستشفى قبل ما تموت بيوم؟
جوزي سكت.
لكن دمعة نزلت من عينه لأول مرة.
الرجل المسن همس
إذن... هي كتبت الحقيقة كلها.
أنا رجعت أبص للورقة، وكملت قراءة في سري.
كل سطر كان يغيّر فهمي للأحداث.
لكن قبل ما أوصل لنهايتها...
قفلت الورقة.
الكل استغرب.
الراجل الكبير قال
ليه وقفتي؟
بصيت للجميع، ثم قلت بهدوء
لأن اللي مكتوب هنا هيغيّر حياة كل واحد في الأوضة... ومش هينفع يتقال دلوقتي.
وساد صمت ثقيل...
بينما جوزي كان ينظر إلى الورقة، وكأنه يعرف بالضبط ما الذي كُتب فيها، لكنه لا يجرؤ أن ينطق بحرف واحد نظرت إلى الورقة مرة تانية.
إيدي كانت بترتعش.
الكل مستني أتكلم.
لكن بدل ما أقرأ، رفعت عيني ناحية الراجل الكبير وسألته
هو... أمي كانت عارفة إن اليوم ده هييجي فعلًا؟
هز رأسه وقال
كانت متأكدة.
سكت لحظة، ثم أضاف
وعشان كده طلبت مني حاجة غريبة جدًا.
كل الموجودين انتبهوا.
قال
قالتلي لو بنتي وصلت للورقة الأخيرة، امنعها تقراها بصوت عالي... إلا بعد ما الشخص اللي أخطأ يقول آخر حاجة مخبيها.
كل الأنظار اتوجهت لجوزي.
كان واقف مطأطئ رأسه.
وفجأة قال بصوت متعب
في حاجة... محدش يعرفها.
ضرتي بصتله بسرعة.
لسه فيه أكتر من كده؟
قال من غير ما يرفع عينه
أيوه.
وأنا حسيت إن الكلام اللي جاي أخطر من كل اللي فات.
أخوه قرب منه وقال
قول.
تنهد طويلًا، ثم قال
أنا... لما والدتها كانت في المستشفى، طلبت تقابلني لوحدنا.
اتسعت عيني.
أمي؟
هز رأسه.
دخلت أوضتها... وكانت عارفة إنها أيامها معدودة.
الراجل الكبير غمض عينيه، كأنه فاكر اللحظة دي.
جوزي كمل
قالتلي أوعى تخلي نادية تبيع الدهب مهما حصل.
الكل بصلي.
ثم بصوا له.
وقال بصوت مكسور
ووعدتها... إني أحافظ على الأمانة.
ضرتي همست
يعني... خنت وعدك؟
رد من غير ما يبصلها
خنته.
ساد صمت ثقيل.
لكن الراجل الكبير قال
لسه في حاجة ناقصة.
جوزي رفع رأسه لأول مرة.
وقال
عارف.
ثم أخرج من جيب قميصه ظرفًا صغيرًا مطويًا.
الكل اتفاجئ.
ناولني الظرف وقال
الظرف ده... كان معايا من يوم وفاة والدتك.
بصيتله بذهول.
فضل معاك كل السنين دي؟
قال
كل مرة كنت أفكر أديهولك... كنت بخاف تعرفي الحقيقة.
الراجل الكبير مد إيده وقال
افتحيه.
مسكت الظرف.
ولما فتحته...
لقيت ورقة صغيرة جدًا.
عليها سطر واحد فقط، بخط أمي
لو وصلك الظرف ده من إيده... يبقى اعرفي إنه أخيرًا قرر يبطل يهرب.
تحت السطر كان فيه عنوان.
عنوان مكان.
الراجل الكبير أول ما شاف العنوان، قال بدهشة
لا... معقول.
سألته
فيه إيه؟
رد وهو ينظر إلى العنوان
ده المكان الوحيد... اللي والدتك ما قالتليش عنه أبدًا.
وفي اللحظة دي، رن هاتف الرجل المسن.
رد بسرعة، ثم تغير لون وجهه.
أغلق الهاتف ببطء، ونظر إليّ وقال
لازم نتحرك حالًا... لأن في حد سبقنا على العنوان ده بعد أقل من عشرين دقيقة، وصلنا للعنوان.
كان بيتًا قديمًا على أطراف المدينة، مقفول من سنين.
لما فتحت الباب بالمفتاح اللي كان مع الظرف، دخلنا وسط تراب وهدوء غريب.
في آخر البيت كانت أوضة صغيرة.
وفيها صندوق خشب عليه اسم أمي.
فتحناه...
وماكانش فيه دهب.
ولا فلوس.
ولا عقود بملايين.
كان فيه ألبوم صور، ورسائل، ومذكرات.
وفوقهم ورقة مكتوب فيها
يا نادية... لو وصلتي لهنا، يبقى أهم درس في حياتك لسه ما اتعلمتيهوش. الدهب يتباع ويتعوض... لكن الإنسان لما يبيع ضميره، عمره ما هيعرف يشتريه تاني.
وقعدت أقرأ.
عرفت إن أمي كانت شاكّة إن جوزي بيطمع في أي حاجة تملكها، فوزعت كل أوراقها ورسائلها عند ناس مختلفين، مش علشان تحمي ثروة...
لكن علشان تكشف الحقيقة لو طمع يومًا يغلبه.
وعرفت كمان إن تكاليف عملية ابن ضرتي كانت مدفوعة فعلًا من متبرع مجهول قبل ما أبيع الدهب، وإن جوزي كان يعرف ده، لكنه استغل خوفي على الطفل وأقنعني أبيع آخر ذكرى من أمي، ثم احتفظ بثمن الدهب لنفسه.
ضرتي انهارت وهي بتبكي.
بصتلي وقالت
سامحيني... أنا كنت فاكرة إنه ضحى بكل حاجة عشان ابني.
قلت لها بهدوء
إنتِ كنتِ ضحية زيه زيي.
أما جوزي...
فقعد على كرسي قديم في ركن الأوضة، وبص للأرض.
قال بصوت مكسور
أنا خسرت كل حاجة بسبب الطمع.
الراجل الكبير سلّمني آخر ظرف.
فتحته.
كانت رسالة قصيرة من أمي
لو قرأتي الرسالة دي، متضيعيش عمرك في الانتقام. خدي حقك بالقانون، وابدئي من جديد. القوة مش إنك تكسري اللي ظلمك... القوة إنك متخليهوش يكسرك.
قفلت الرسالة وأنا بامسح دموعي.
بصيت لجوزي آخر مرة.
وقلت
أنا مش هسامح اللي حصل... لكن كمان مش هخلي اللي حصل يضيع بقية عمري.
خرجت من البيت، ومعايا رسائل أمي... وذكرياتها... والحقيقة كاملة.
بعد أسابيع، استرديت ثمن الدهب بالطرق القانونية، وانفصلت عن جوزي.
أما ضرتي، فزارتني بعد فترة ومعاها ابنها، واعتذرت عن كل كلمة قالتها، واعترفت إنها هي أيضًا كانت مخدوعة.
احتفظت برسائل أمي في مكان آمن.
وكلما اشتقت إليها، قرأت آخر سطر كتبته لي
الثروة الحقيقية يا بنتي مش اللي بيتحط في خزنة... الثروة الحقيقية إنك تعرفي قيمة نفسك، ومتسمحيش لحد يبيعها.
تمت.

تم نسخ الرابط