كنا قعدين
كنا قاعدين كلنا على السفرة بناكل، وأخويا ومراته لسه عرسان جداد، ومراته متحمسه لكل حاجه في بيتنا. فجأة مرات أخويا قالت له بدلع كده قدامنا هات لنا جمبري بقى عشان نفسي فيه قوي. طلب بسيط، واحدة نفسها في حاجة زي أي ست لأنها بتتوحم. بابا فجأة خبط بأيده على الترابيزه خابطة خلت الكوبايات ترن، وزعىق بصوت عالي هو إنتي كنتي في بيت ابوكي بتتشرطي على الاكل؟ الجمبري غالي واللي نجيبه ترضي بيه! وبص لأخويا وقال لو مشيت ورا كلام مراتك هتخليك تشحت.
مرات أخويا وشها احمر في لحظة، والابتسامة اللي كانت على وشها اختفت كأنها عمرها ما كانت موجودة. نزلت عينيها في الطبق ومبقتش قادرة تنطق ولا بكلمة، وإحنا كلنا اتجمدنا في أماكننا. حتى صوت الملاعق وقف، والبيت اللي كان من دقيقة مليان هزار وضحك بقى ساكت بشكل يخوف. ماما حاولت تغير الموضوع وقالت بهدوء يلا يا جماعة كلوا قبل الأكل ما يبرد، لكن محدش رد عليها. أخويا كان باصص لأبوه بنظرة عمري ما شفتها في عينه قبل كده، خليط من الغضب والوجع والعجز. فضل ساكت كام ثانية، وبعدها زق الكرسي وقام من غير ما يقول كلمة واحدة، وخرج من البيت وقفل الباب وراه.
مرات أخويا فضلت مكانها، كانت بتحاول تمنع دموعها قدامنا، وكل شوية تمسك كوباية المية وتشرب منها وهي إيديها بترتعش. أنا وماما بصينا لبعض ومحدش عرف يقول إيه، لأن أي كلمة في اللحظة دي كانت هتزود الوجع أكتر. أما بابا، فكمل أكله بمنتهى البرود، وكأن اللي حصل ده حاجة عادية بتحصل كل يوم، وقال وهو بياكل البيت ده له أصول، واللي يدخل فيه يعرف حدوده.
الكلمة دي كانت أصعب من اللي قبلها. حسيت إن مرات أخويا نفسها تقوم تجري على أوضتها، لكنها استحملت وقعدت لحد ما الكل خلص، وبعدها استأذنت بصوت واطي ودخلت الأوضة. ماما قامت بعدها بدقايق بحجة إنها ترتب السفرة، لكني كنت شايف في عينيها إنها موجوعة أكتر من أي حد فينا.
الليل كله كان تقيل. أخويا رجع متأخر، وما دخلش يقعد مع حد، دخل أوضته على طول. محدش سمع صوتهم، ومحدش عرف إذا كانوا اتكلموا ولا فضلوا ساكتين. حتى بابا نام وهو مقتنع إنه عمل الصح، أما إحنا فكنا عارفين إن كلمة واحدة ممكن تفضل في قلب الإنسان سنين.
وفي صباح اليوم التالي، صحينا كلنا على حاجة غريبة... بابا خرج شغله كعادته، وماما فضلت واقفة عند الشباك لحد ما اتأكدت إنه اختفى من آخر الشارع، وبعدها بصت ليا وقالت جملة واحدة غيرت كل اللي كنا متوقعينه
يلا بسرعة... قبل ما يرجع، لازم نعمل حاجة محدش في البيت يعرف عنها.
أول ما ماما قالت الجملة دي، حسيت إن في حاجة كبيرة مستخبية.
قلت لها باستغراب نعمل إيه؟
بصت ناحيتنا بسرعة وقالت بصوت واطي اصحوا أخوكي ومراته... ومحدش يتكلم بصوت عالي.
جريت على أوضتهم وخبطت بخفة.
أخويا فتح الباب، وشه كان باين عليه إنه ما نامش غير ساعات قليلة، ومراته كانت قاعدة على طرف السرير، عينيها منفخة من العياط، لكنها أول ما شافت ماما قامت بسرعة وقالت أنا آسفة... لو كنت السبب في اللي حصل امبارح...
ماما قاطعتها فورًا، ومشيت ناحيتها لأول مرة من يوم ما دخلت بيتنا.
وقالت إوعي في يوم تفتكري إن الغلط كان منك.
مرات أخويا ما استحملتش، وانهارت في العياط.
أما أخويا، فكان واقف ساكت، لكنه كان بيحاول يخبي دموعه.
ماما فتحت شنطة كانت مخبياها وطلعت منها مبلغ فلوس، ومدته لأخويا.
قال باستغراب إيه ده؟
قالت هات مراتك... وروحوا السوق. هاتلها الجمبري اللي نفسها فيه... وهاتوا أي حاجة نفسكم فيها. ومتقولوش لحد إن الفلوس دي مني.
أخويا رفض في الأول.
لا يا أمي... مش عايز أسببلك مشكلة.
لكن ماما أصرت.
أنا مش هسيب البنت تدخل بيتنا وهي مكسورة بالشكل ده.
خرجوا فعلًا، وبعد أقل من ساعة كانوا راجعين، ووش مرات أخويا رجعت فيه ابتسامة بسيطة لأول مرة من امبارح.
دخلوا المطبخ بهدوء، وقفلوا الباب، وبدأوا يجهزوا الأكل مع ماما.
وفجأة... وإحنا بنضحك لأول مرة من امبارح...
سمعنا صوت مفتاح الباب بيلف.
كلنا اتجمدنا.
ماما بصت في الساعة، واتغير لون وشها وقالت بخوف
مستحيل... أبوكم رجع بدري ليه؟!
اتفتح الباب... واتسمع صوته من الصالة وهو بينادي بصوت عالي
مين اللي شغل البوتاجاز؟... وإيه الريحة دي؟
ساعتها أخويا بص لمراته، وخبّى أكياس المشتريات بسرعة...
لأن اللي كان داخل بعد ثواني، لو شاف اللي بيحصل... البيت كله كان هيتقلب بابا دخل المطبخ بخطوات سريعة، وعينه كانت بتلف على كل ركن.
بص على الحلة اللي على النار، وبعدين على أكياس المشتريات اللي أخويا حاول يخبيها، وقال بنبرة حادة
إيه اللي بيتطبخ؟
محدش رد.
ماما اتحركت خطوة لقدام وقالت بهدوء غدا عادي.
لكن بابا مد إيده وفتح الكيس بنفسه.
أول ما شاف الجمبري، وشه اتغير.
رفع الكيس في الهوا وقال يعني بعد اللي قولته امبارح... جبتوه برضه؟
أخويا أخد نفسًا طويلًا، وقام وقف قدامه لأول مرة من يوم ما اتجوز.
قال بثبات أيوه... جبته.
البيت كله سكت.
حتى ماما كانت باصة بينهم وخايفة يحصل اللي محدش هيعرف يلمه.
بابا ضحك ضحكة قصيرة، لكنها كانت مليانة غضب.
وقال بقى كده؟ بقيت بتكسر كلام أبوك علشان ترضي مراتك؟
أخويا رد من غير ما يعلي صوته
أنا مكسرتش كلامك... أنا جبرت خاطرها.
الجملة وقعت على البيت كله.
بابا قرب منه خطوة، وقال يعني شايفني أنا اللي كسرت خاطرها؟
وقبل ما أخويا يرد، مرات أخويا خرجت من ورا ماما وهي بترتعش.
وقالت بسرعة والله يا عمي... أنا ما طلبتش غير بهزار، ولو كنت أعرف إن الموضوع هيكبر كده، ما كنتش فتحت بقي.
بابا بص لها ثواني طويلة من غير ما يتكلم.
كان باين إنه بيحاول يسيطر على غضبه.
وفجأة مد إيده ناحية الحلة.
كلنا افتكرناه هيقلبها على الأرض.
لكن بدل كده... رفع الغطا وبص جوه، وسكت.
وبعدين قال جملة محدش فهم معناها وقتها
واضح إن في حد في البيت نسي وعد قديم... وأنا هفكره بيه النهارده.
لف وخرج من المطبخ، ودخل أوضته، وبعد أقل من دقيقة سمعنا صوت درج مكتبه بيتفتح، وصوت أوراق قديمة بتتقلب.
ماما أول ما سمعت الصوت، ابيض وشها فجأة، وحطت إيديها على بقها وهي بتهمس
لا... مستحيل يكون لسه محتفظ بيها...
وأخويا بصلها باستغراب وقال
محتفظ بإيه يا أمي؟!
لكن ماما ما ردتش... فضلت باصة ناحية باب الأوضة، وكأنها عارفة إن بعد ما الباب ده يتفتح، حياتنا كلنا هتتغير محدش اتحرك.
كل واحد فينا كان واقف مكانه، مستني باب أوضة بابا يفتح.
عدت دقيقة... واتنين... وبعدها خرج وهو ماسك ظرف بني قديم، أطرافه كانت متنية من كتر السنين.
حطه على السفرة قدامنا، وقال بنبرة هادية على غير عادته
عارفين ده إيه؟
بصينا لبعض، ومحدش نطق.
ماما أول ما شافت الظرف، دموعها نزلت من غير ما تتكلم.
بابا لاحظ، لكنه كمل كلامه
الظرف ده اتقفل من سنين... وقلت عمره ما هيتفتح تاني.
فتح الظرف، وطلع منه ورقة صفراء، وصورة قديمة.
مد الصورة ناحيتنا.
كانت صورة لأخويا وهو صغير، واقف جنب بابا وماما، وكلهم بيضحكوا.
استغربت وقلت
يعني إيه؟
قال وهو بيبص لأخويا
فاكر اليوم ده؟
أخويا هز راسه بالنفي.
بابا تنهد وقال
أكيد مش هتفتكر... كنت طفل.
وبعدين بص لمرات أخويا