كنا قعدين

لمحة نيوز

وقال
إنتي شايفة الراجل اللي واقف في الصورة ده؟
هزت راسها.
قال
الراجل ده... وعد وعد عمره ما قدر ينفذه.
سكت شوية، وكأن الكلام تقيل عليه.
ثم قال
يوم الصورة دي اتصورت، كنت راجع من الشغل، وأمهم نفسها كانت في أكلة معينة... ووعدتها أول ما أقبض هاجبهالها.
ماما نزلت عينيها في الأرض.
لكن المرتب وقتها راح كله في علاج جدكم... وماقدرتش أوفي بوعدي.
لف ناحية ماما وقال
ومن يومها وأنا كرهت أي طلب بحسه فوق مقدرتي... حتى لو كنت أقدر أعمله بعدين.
البيت كله سكت.
أخويا قرب منه خطوة وقال بهدوء
بس يا بابا... مراتي ما طلبتش تتشرط... كانت بتتكلم بهزار.
قبل ما بابا يرد...
رن جرس الباب.
رنّة طويلة، غريبة.
كلنا بصينا ناحية الباب.
أنا قمت أفتحه.
ولما فتحت... لقيت راجل كبير في السن، لابس بدلة بسيطة، وماسك في إيده شنطة جلد قديمة.
أول ما شاف بابا من بعيد، قال بصوت واضح
السلام عليكم... أنا جيت في المعاد اللي اتفقنا عليه.
وش بابا اتغير فجأة.
ولأول مرة شفته مرتبك بالشكل ده.
وقال بسرعة
إنت... إزاي عرفت عنوان البيت؟!
الراجل ابتسم ابتسامة غامضة، وبص على الظرف اللي فوق السفرة، وقال
واضح إنك فتحته... يبقى خلاص، جه وقت الحقيقة.
يتبع...الراجل دخل بخطوات هادية، وكل واحد فينا كان باصص له ومستني يفهم هو مين.
بابا وقف قدامه بسرعة، وقال بحدة
مش وقته... امشي دلوقتي.
الراجل هز راسه وقال بهدوء
أنا استنيت أكتر من عشرين سنة. يوم ولا ساعة مش هيفرقوا... لكن الحقيقة لازم تتقال.
ماما اتدخلت بسرعة
يا حاج، حضرتك ممكن نفهم الأول؟
الراجل بص لها باحترام، وقال
أنا اسمي الحاج محمود... كنت شريك والده الله يرحمه في التجارة زمان.
بابا اتنهد، وقعد على الكرسي لأول مرة من ساعة ما الراجل دخل.
كان واضح إن الموضوع تقيل عليه.
الحاج محمود فتح الشنطة الجلد، وطلع منها دفتر حسابات قديم، وآخره ظرف أبيض مقفول.
حطه قدام بابا وقال
خد... ده الأمانة اللي فضلت عندي.
أخويا سأل باستغراب
أمانة إيه؟
الحاج محمود رد
أبوكم زمان مر بظروف صعبة جدًا، وكان كل جنيه بيفرق معاه. يومها والده باع جزء من أرض العيلة علشان ينقذ الشغل، وأبوكم فضل طول عمره حاسس بالذنب إنه السبب.
بابا نزل راسه، وما أنكرش.
الراجل كمل
ومن ساعتها بقى خايف من الصرف... خايف الفلوس تخلص في أي لحظة. كل ما حد يطلب حاجة، بيفتكر الأيام دي.
محدش اتكلم.
أخويا بصل لأبوه، وكأن لأول مرة فهم سبب طبعه... لكنه لسه ما نسيش الإهانة اللي حصلت لمراته.
الحاج محمود زق الظرف ناحية بابا وقال
افتحه.
بابا فتحه بإيد مرتعشة.
أول ما بص جواه... وسّع عينيه.
كان فيه شيك بمبلغ كبير جدًا، ومعاه جواب بخط والد جدي.
بابا قرأ أول سطر، ودموعه نزلت من غير ما يحس.
ماما قربت منه وقالت بخوف
ماله الجواب؟
بابا حاول يتكلم... لكن صوته اختفى.
ناول الجواب للحاج محمود وقال
اقرأه أنت.
الحاج محمود فتح الورقة، وأخذ نفسًا عميقًا، وقال
قبل ما أقرأ... لازم تعرفوا إن الرسالة دي هتغير نظرتكم لأبوكم... ويمكن كمان تغير مستقبل البيت كله.
وساد الصمت من جديد... بينما كانت كل العيون معلقة بأول كلمة هيقولها من الرسالة.
يتبع...الحاج محمود فتح الرسالة بحذر، وبص لبابا كأنه بيستأذنه.
بابا غمض عينيه وهز راسه بالموافقة.
بدأ الحاج محمود يقرأ
يا ابني... لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى أنا غالبًا ما بقيتش موجود. يمكن عمري ما عرفت أقولك الكلام ده وأنا عايش، لكن لازم تعرف إنك عمرك ما كنت سبب ضياع الأرض، ولا سبب تعبنا.
بابا نزل راسه، ودموعه كانت بتنزل على الورقة.
الحاج محمود كمل
أنا اللي اخترت أبيعها، وأنا اللي كنت مقتنع إن راحة ولادي أهم من أي أرض. أوعى تشيل الذنب ده في قلبك.
ماما حطت إيدها على كتف بابا لأول مرة من ساعات.
لكن بابا فضل ساكت.
الحاج محمود قفل الرسالة وقال
الله يرحمه... كان نفسه تقراها من سنين، لكن الظروف ما سمحتش.
بعدها طلع من الشنطة ملف تاني.
قال
وده كمان لازم يبقى عندك.
بابا أخده باستغراب.
فتح الملف... وكان مليان إيصالات قديمة، وعقود، وأوراق مختومة.
قلبهم بسرعة، وفجأة وقف عند ورقة معينة.
وشه شحب.
همس بصوت واطي
مستحيل...
أخويا قرب منه وقال
فيها إيه؟
بابا قفل الملف بسرعة، وقال
مفيش.
لكن الحاج محمود رد عليه فورًا
لا... فيها كتير. ومينفعش تخبي الحقيقة تاني.
التوتر رجع يملأ البيت.
أخويا مد إيده ناحية الملف، لكن بابا شده بسرعة.
لأول مرة ارتفع صوت أخويا
إحنا من حقنا نفهم!
وقبل ما حد يرد...
رن تليفون الحاج محمود.
بص في الشاشة، واتغيرت ملامحه.
رد بسرعة، وبعد ثواني قال
إيه؟!... إزاي حصل ده؟!
قفل المكالمة، وبص لبابا مباشرة.
وقال بقلق شديد
لازم تيجي معايا حالًا... الموضوع أكبر مما كنا متخيلين.
بابا قام من مكانه من غير ما يسأل أي سؤال، وخطف الملف من على السفرة.
لكن وهو خارج، وقعت من الملف ورقة على الأرض من غير ما ياخد باله.
استنيت لحد ما خرج هو والحاج محمود.
أخويا انحنى يجيب الورقة.
أول ما بص فيها... اتجمد مكانه.
رفعت عينيه ناحيتي، وقال بصوت مرتعش
الورقة دي... لو صحيحة... يبقى في سر مستخبي عن العيلة بقاله سنين.
يتبع...أخويا فضل ماسك الورقة بإيده، لكن ما اداهالناش.
وشه كان متغير، وعينيه بتجري على السطور أكتر من مرة، كأنه مش مصدق اللي شايفه.
قلتله بقلق
إيه اللي فيها؟
بلع ريقه، ومد الورقة لماما.
أول ما قرتها، شهقت وحطت إيدها على بقها.
مرات أخويا قربت منها وقالت
خير يا طنط؟
لكن ماما ما ردتش.
قعدت على الكرسي، وهي بتتمتم
إزاي... بعد السنين دي كلها؟
أنا خطفت الورقة من على السفرة.
كانت عبارة عن عقد قديم، عليه أختام رسمية، ومكتوب فيه إن قطعة أرض باسم جدي، وفي آخر الصفحة ملاحظة بخط اليد
يُمنع التصرف في الأرض قبل تسليم الأمانة لصاحبها.
استغربت.
قلت
يعني إيه صاحبها؟ هو مين؟
محدش عرف يجاوب.
في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
جرينا كلنا على الشباك.
لقينا بابا نازل من العربية، لكن ما كانش لوحده.
كان معاه الحاج محمود... وشخص تالت، لابس بدلة شيك، وماسك شنطة سوداء مليانة ملفات.
أول ما دخلوا البيت، الشخص الغريب قال باحترام
مساء الخير... أنا آسف على الإزعاج.
بابا رد بسرعة
اتفضل.
الرجل فتح الشنطة، وطلع ملف كبير، وقال
أنا راجعت كل الأوراق بنفسي... وفي حاجة لازم الأسرة كلها تعرفها.
كلنا بصينا لبعض.
حتى مرات أخويا نسيت كل اللي حصل امبارح، وبقت مركزة مع كل كلمة.
الرجل فتح الملف، وأخرج منه ورقة واحدة.
بص لبابا وقال
قبل ما أتكلم... محتاج أسألك سؤال.
بابا هز راسه.
الرجل قال
حضرتك متأكد إنك ما قلتش لحد على الوصية؟
بابا رد فورًا
ولا حرف.
الرجل تنهد وقال
يبقى في حد عرف بيها من غيرك... وده معناه إن في شخص بدأ يتحرك علشان يوصل للأمانة قبل أصحابها.
ساد الصمت في البيت.
وفي نفس اللحظة...
اتسمع خبط شديد على باب الشقة.
خبط متواصل، وعنيف، لدرجة إن إطار الباب نفسه اهتز.
كلنا اتلفتنا ناحية الباب...
وبابا قال بصوت منخفض، لكنه كان مليان خوف
واضح إنهم وصلوا...الخبط زاد بعنف.
مرة... واتنين... وتلاتة.
لدرجة إن ماما حضنت مرات أخويا غريزيًا، وقالت بصوت مرتعش
يا رب استر.
بابا أخد نفسًا عميقًا، واتجه ناحية الباب.
وقبل ما يفتحه، الشخص اللي كان لابس البدلة قال بسرعة
استنى... اتأكد الأول مين.
بابا بص من العين السحرية، واتغيرت ملامحه.
قال باستغراب
دول... اتنين شباب.
فتح الباب بحذر.
وقف قدامه شابين، أكبرهم يمكن في آخر العشرينات، وأصغرهم حوالي خمسة وعشرين سنة.
واحد منهم قال باحترام
حضرتك الحاج عبدالحميد؟
بابا هز راسه.
الشاب مد له ظرف أبيض، وقال
إحنا متبعتين نسلمهولك، وقالولنا لازم يوصل لإيدك النهارده.
بابا أخد الظرف، ولسه هيسأل مين اللي بعته...
الشابين استأذنوا ومشوا
تم نسخ الرابط