كنا قعدين

لمحة نيوز

الرنة كانت هادية.
كلنا اتوترنا.
بابا بص من العين السحرية، واتنهد براحة.
وقال
دي الجارة أم أحمد.
فتح الباب.
أم أحمد دخلت وهي ماسكة صينية.
قالت بابتسامة
عملت كنافة قولت أجيبلكم شوية.
لكن وهي بتتكلم، عينيها راحت للصندوق الخشبي الموجود على السفرة.
وسألت بعفوية
إيه الصندوق الجميل ده؟ شكله أثري.
عمي وبابا بصوا لبعض بسرعة.
بابا رد وهو بيغطي الصندوق بمفرش
ده مجرد صندوق قديم.
أم أحمد ابتسمت، وحطت الصينية ومشيت.
أول ما الباب اتقفل، عمي قال بجدية
من النهارده... محدش يتكلم عن الصندوق قدام أي حد.
أخويا سأله
هنعمل إيه دلوقتي؟
عمي رد
هنستنى الليلة... لأن في آخر الوصية مكتوب إن الظرف مايتفتحش إلا بعد منتصف الليل.
كلنا بصينا لبعض باستغراب.
قلت
إيه الفرق بين دلوقتي وبعد نص الليل؟
عمي طلع ساعة جيب قديمة من جيبه، نفس شكل الساعة اللي كانت في الصندوق تقريبًا.
بص فيها وقال
لأن في معاد معين اتحدد من سنين... ولو فتحناه قبله، هنفقد الدليل الوحيد اللي هيكشف الحقيقة.
بابا مد إيده ناحية الظرف...
ثم رجعها تاني.
وقال بهدوء
يبقى هنستنى.
لكن محدش خد باله...
إن في الشقة المقابلة، ستارة الشباك اتحركت سنة بسيطة.
وكان في حد واقف بيراقب البيت من بعيد...
وأول ما شاف الصندوق وهو بيتغطى، رفع تليفونه، وبعت رسالة قصيرة جدًا
الصندوق وصل... وكلهم مجتمعين.
يتبع...مرت الدقائق ببطء شديد.
ولا حد كان قادر يركز في أي حاجة.
ماما حاولت تشغلنا بالشاي، لكن حتى الكوبايات فضلت زي ما هي.
كل واحد فينا كان عينه على الساعة.
فضل عمي باصص من الشباك كل شوية، كأنه مستني حد.
سألته
إنت خايف من إيه بالظبط؟
رد من غير ما يلف
مش خايف... بس متأكد إن اللي بيراقبنا مش هيسيبنا الليلة.
وفجأة...
نور الشقة كله قطع.
البيت غرق في ضلمة كاملة.
مرات أخويا شهقت، وماما مسكت إيدها.
أخويا طلع كشاف الموبايل بسرعة، لكن قبل ما ينوره...
سمعنا صوت خبط خفيف جدًا على باب الشقة.
مش خبط حد عايز يدخل...
لأ.
كان كأنه إشارة متفق عليها.
تلات خبطات... وسكوت.
ثم تلات خبطات تاني.
عمي اتغير لون وشه.
وقال بصوت واطي
الإشارة دي... أنا عارفها.
بابا سأله
مين؟
رد
دي كانت العلامة اللي أبويا بيستخدمها زمان... مستحيل حد يعرفها غير واحد من الناس القدام.
أخويا قرب من الباب بحذر، وبص من العين السحرية.
رجع وهو مستغرب.
قال
مفيش حد!
كلنا استغربنا.
فتح الباب بسرعة...
ملقيناش أي شخص.
لكن على الأرض، قدام الباب مباشرة، كان في ظرف أبيض صغير.
بابا أخده وقفله بإيده.
فتح الظرف بحذر.
لقينا جواه مفتاح تالت.
ومعاه ورقة مكتوب فيها
لما تدق الساعة اتناشر... افتحوا الصندوق أولًا، وبعدها استخدموا المفاتيح بالترتيب. أي ترتيب تاني هيضيع الحقيقة.
الحاج محمود همس
يعني لسه في قفل تالت...
لكن قبل ما حد يرد...
رجع النور فجأة.
وفي نفس اللحظة، بصينا ناحية السفرة...
فاتصدمنا.
الصندوق الخشبي كان في مكانه...
لكن الظرف المختوم بالشمع الأحمر... اختفى.
ساد صمت مرعب.
وأول واحد اتكلم كان بابا، وهو بيبص لكل واحد فينا بنظرة شك لأول مرة.
وقال بصوت هادئ، لكنه مخيف
الظرف ما خرجش من البيت... يعني اللي أخده... واحد مننا.
يتبع...لحظة واحدة... والبيت كله اتقلب.
كل واحد بقى يبص للتاني، وكأن الشك دخل بينا في ثانية.
مرات أخويا بدأت تعيط وقالت
والله ما لمسته... أنا حتى ما قربتش من السفرة.
ماما قالت بسرعة
إحنا عيلة... محدش يتهم حد.
لكن بابا كان واقف مكانه، وعينه بتلف على وشوشنا واحد واحد.
وفجأة...
عمي قال بهدوء
استنوا.
قرب من الصندوق، ومسح التراب اللي حواليه بإيده.
وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة.
أخويا سأله
في إيه؟
رد
مفيش حد سرق الظرف.
كلنا بصينا له باستغراب.
مد إيده تحت الصندوق، وضغط على قطعة خشب صغيرة كانت مستخبية.
وفجأة...
سمعنا صوت تك.
طلع درج سري صغير من جنب الصندوق.
وكان الظرف المختوم بالشمع الأحمر جواه.
ماما تنفست الصعداء، وقالت
الحمد لله...
لكن عمي ما كانش مبسوط.
قال وهو بيطلع الظرف
اللي أخفاه مش شخص... دي آلية معمول بيها الصندوق. أول ما يتحرك بطريقة معينة، الظرف يستخبى لوحده.
الحاج محمود هز رأسه وقال
يعني اللي صنع الصندوق كان متوقع إن حد يحاول يسرق الورق.
الساعة كانت قربت على اتناشر إلا خمس دقائق.
الكل قعد حوالين السفرة.
بابا حط المفاتيح التلاتة قدامه، والظرف في النص.
ولا حد كان بيتكلم.
كل اللي بيتسمع... صوت عقارب الساعة.
لما دقت أول دقة من الساعة اتناشر...
بابا كسر ختم الشمع ببطء.
فتح الظرف.
طلع منه ورقة واحدة فقط.
قرأ أول سطر...
فاتغيرت ملامحه تمامًا.
مد الورقة لعمي.
عمي قرأها... وقام واقف من مكانه.
الحاج محمود أخدها بعده، واتنهد تنهيدة طويلة.
أخويا اتعصب وقال
هو إحنا هنفضل نتفرج؟! فيها إيه؟
بابا بص له، وقال بصوت مبحوح
الورقة بتقول إن المفاتيح التلاتة مش بتفتح صندوق...
سكت لحظة.
ثم أكمل
دي بتفتح باب.
قلت بسرعة
باب إيه؟
بابا رفع عينه ناحية الحيطة القديمة في آخر الصالة...
الحيطة اللي عمرنا ما ركزنا فيها قبل كده.
وقال وهو بيضم المفاتيح في إيده
الباب... موجود جوه البيت ده.
وفي نفس اللحظة...
اتسمع صوت خبط مكتوم خارج الحيطة نفسها...
كأن في حد... أو حاجة... على الناحية التانية الخبط اتكرر.
مرة...
واتنين...
وتلاتة.
كلنا ثبتنا مكاننا، ومحدش قدر ينطق.
أخويا قرب من الحيطة بحذر، وحط ودنه عليها.
فضل ساكت كام ثانية، وبعدين لف ناحيتنا وقال
في صوت فعلًا... كأن حاجة بتتحرك وراها.
ماما شهقت وقالت
إزاي؟! ورا الحيطة دي شقة الجيران!
عمي هز راسه وقال
لا... مش شقة.
كلنا بصيناله.
أشار بإيده ناحية الحيطة وقال
قبل أكتر من أربعين سنة، البيت ده كان مختلف. كان فيه مخزن صغير بين الشقتين، وبعد التجديدات اتقفل واتبنى عليه.
بابا بصله باستغراب
إنت فاكر مكانه؟
رد بثقة
فاكره... لأن أنا وأبوك كنا بنستخبى فيه وإحنا صغيرين.
الحاج محمود أخد المفاتيح التلاتة، وقرب من مكتبة خشب قديمة كانت لازقة في الحيطة.
قال
ساعدوني نزقها.
بدأنا نزق المكتبة بكل قوتنا.
كانت تقيلة جدًا، لكن بعد محاولات اتحركت شوية.
وفجأة...
ظهر جزء من الحيطة لونه مختلف.
بابا مسح التراب بإيده.
ولقينا فتحة صغيرة جدًا، بالكاد تكفي يدخل فيها المفتاح الأصغر.
اتنهد وقال
هو ده.
دخل المفتاح الأول.
لفه...
سمعنا صوت تك.
بعدها دخل المفتاح التاني.
ثم التالت.
أول ما لف آخر مفتاح...
الحيطة كلها اهتزت اهتزازة خفيفة.
ورجع الخبط تاني...
لكن المرة دي كان أقرب.
وببطء شديد...
جزء من الحيطة بدأ يتحرك للداخل، كأنه باب سري عمره ما اتفتح من سنين.
طلع منه هواء بارد وريحة خشب قديم.
كلنا رجعنا خطوة لورا.
أخويا شغل كشاف موبايله، ووجهه لجوه.
كان في ممر ضيق جدًا.
وفي آخره...
ترابيزة خشب صغيرة، وعليها صندوق حديد أسود.
لكن الغريب...
إن فوق الترابيزة كان في كوب شاي.
لسه فيه بخار طالع.
اتجمدنا كلنا.
الحاج محمود همس بصوت مرتعش
مستحيل...
أخويا سأله
إيه المستحيل؟
رد وهو باصص على كوب الشاي
المكان ده مقفول من عشرات السنين...
وسكت لحظة...
ثم قال
يبقى... في حد كان هنا قبل ما نفتحه بابا أخد نفسًا عميقًا، ومسك الكشاف، ودخل الممر أول واحد.
إحنا دخلنا وراه بحذر.
وصلنا للترابيزة، وكانت فعلاً عليها صندوق حديد أسود وكوب الشاي لسه دافي.
لكن لما قربنا أكتر... اكتشفنا الحقيقة.
الكوب ماكانش دافي بسبب إن حد كان موجود من شوية.
كان متحطوط فوق فتحة تهوية صغيرة طالعة منها سخونة من مواسير قديمة، فكان البخار طالع بشكل خادع.
الحاج محمود ابتسم لأول مرة وقال يبقى مفيش حد سبقنا... الحمد لله.
بابا حط المفاتيح الثلاثة في أقفال الصندوق الحديد، ولفهم بالترتيب.
الصندوق اتفتح ببطء.
كلنا كنا متوقعين نلاقي دهب أو فلوس أو مجوهرات.
لكن اللي لقيناه كان مختلف تمامًا.
كان فيه
المصحف الخاص بجدي، وقديم جدًا.
مجموعة خطابات كتبها جدي لأولاده.
عقد ملكية الأرض الأصلي.
وصية مكتوبة بخط إيده.
فتح بابا الوصية، وبدأ يقرأ بصوت مسموع
يا أولادي... لو وصلتم لليوم ده، فاعرفوا إن أغلى ميراث مش الأرض ولا الفلوس. أغلى ميراث هو إنكم تفضلوا إخوات. لو اختلفتم على الدنيا، تبقى ضاع تعبي كله. الأرض دي تتباع لو احتاج واحد فيكم، لكن القلوب ما
تم نسخ الرابط