كنا قعدين
المحتويات
بسرعة، كأنهم كانوا مستعجلين يخلصوا المهمة.
قفل الباب، وفتح الظرف.
طلع منه مفتاح نحاس قديم، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط واضح
الأمانة مش في الأرض... الأمانة في المكان اللي بدأت منه الحكاية.
كلنا بصينا لبعض.
أخويا قال
يعني إيه المكان اللي بدأت منه الحكاية؟
الحاج محمود ضرب كف على كف، وقال
يا نهار أبيض... هو يقصد المخزن القديم!
بابا رفع رأسه بسرعة، وكأنه افتكر حاجة كان ناسيها من سنين.
قال
المخزن... لسه موجود.
الرجل اللي مع الحاج محمود قال بجدية
لو الرسالة دي صحيحة، يبقى لازم نروح دلوقتي... قبل ما حد يسبقنا.
ماما اعترضت
دلوقتي؟! الليل دخل.
لكن بابا لأول مرة من سنين قال
لا... المرة دي مش ههرب من الماضي.
أخويا مسك مفاتيح العربية، وقال
أنا جاي معاك.
وبدون أي نقاش، خرج بابا، وأخويا، والحاج محمود، والرجل الغريب.
أما أنا وماما ومرات أخويا، فضلنا واقفين عند الشباك، نراقب العربية وهي بتختفي في آخر الشارع.
بعد حوالي أربعين دقيقة...
رن تليفون ماما.
كان بابا.
ردت بسرعة، لكن أول ما سمعت صوته، اتغير لون وشها.
قالت بقلق
إيه؟!... إزاي حصل كده؟!
وسكتت ثواني.
ثم بصت لينا وقالت وهي بتحاول تتمالك نفسها
بيقول... المخزن كان مقفول بقاله سنين... لكن لما وصلوا، لقوا الباب مفتوح... وفي حد دخل قبلهم بدقائق.
يتبع...ماما لبست طرحتها بسرعة وقالت
أنا لازم أروح.
حاولنا نمنعها، لكنها أصرت.
ركبنا أول تاكسي، وطول الطريق مفيش حد نطق بكلمة. كل واحد كان غرقان في ألف سؤال.
لما وصلنا، لقينا المخزن القديم في آخر شارع ضيق، بابه الحديد مفتوح فعلًا، والقفل مرمي على الأرض.
أول ما دخلنا، شوفنا بابا وأخويا والحاج محمود واقفين في نص المكان.
المخزن كان مليان تراب، ورفوف خشب مكسورة، وصناديق قديمة متغطية بملاءات مهترية.
لكن الغريب...
إن التراب على الأرض كان عليه آثار أقدام واضحة.
الرجل اللي مع الحاج محمود نزل على ركبته وبص عليها وقال
الآثار دي لسه جديدة... اللي دخل هنا ما بقالوش نص ساعة.
بابا فضل ماشي بعينه في كل ركن، لحد ما وقف قدام دولاب حديد قديم في آخر المخزن.
قال بهدوء
هو هنا.
طلع المفتاح النحاس اللي وصل مع الظرف، وحاول يفتحه.
في أول مرة... ما فتحش.
وفي التانية... سمعنا صوت تك.
الباب اتفتح ببطء.
كلنا قربنا.
لقينا جوه الدولاب صندوق خشب صغير، عليه طبقة تراب سميكة.
لكن كان واضح إن حد حاول يفتحه قبلنا، لأن القفل كان مخدوش بآلة حادة.
أخويا شال الصندوق بحذر وحطه على الأرض.
بابا فتحه...
فسكت فجأة.
محدش فينا كان شايف اللي جواه.
قلت بلهفة
في إيه؟
بابا رفع حاجة صغيرة من الصندوق...
كانت ساعة جيب قديمة، وسلسلة فضة، ومعاهم ظرف مختوم بالشمع الأحمر.
الحاج محمود أول ما شاف الختم، قال
لسه زي ما هو... الحمد لله محدش فتحه.
مد بابا إيده ناحية الظرف، لكنه قبل ما يلمسه...
سمعنا صوت حركة بره المخزن.
كلنا لفينا في نفس اللحظة.
كان في حد واقف عند الباب، وما إن حس إننا شفناه...
جرى بأقصى سرعته.
أخويا صرخ
استنى!
وجري وراه من غير تفكير...
لكن بعد ثوانٍ، اتسمع صوت ارتطام قوي من آخر الشارع...
فوقفنا كلنا في مكاننا، ومحدش عرف إذا كان أخويا هو اللي وقع... ولا الشخص اللي كان بيهرب بابا جرى أول واحد، وإحنا كلنا طلعنا وراه.
قلبي كان بيدق بعنف.
أول ما لفينا آخر الشارع، لقينا أخويا واقف، بيحاول يلقط نفسه.
جريت عليه وأنا بصرخ
إنت كويس؟!
هز راسه وقال وهو بينهج
أنا كويس... لكنه هرب.
بصينا حواليه، ملقيناش أي حد.
لكن على الأرض، جنب الرصيف، كانت في شنطة صغيرة سودا.
واضح إنها وقعت من الشخص وهو بيجري.
الحاج محمود التقطها بحذر، وقال
متلمسوش حاجة.
فتح السوستة ببطء...
لقينا جواها جوانتي، وكشاف صغير، ومفكرة جلد قديمة.
المفكرة كانت أهم حاجة.
أول ما فتحناها، لقينا صفحات مليانة تواريخ، وأسماء أماكن، وملاحظات قصيرة.
لكن اللي لفت انتباهنا إن آخر صفحة كان مكتوب فيها
المخزن... السبت الساعة ٨ مساءً.
وتحتها بخط مختلف
لو اتأخرنا، هيلاقوا الظرف قبلنا.
كلنا بصينا لبعض.
يعني الشخص اللي دخل المخزن ما كانش لوحده.
كان في حد تاني مستنيه.
وفجأة...
رن تليفون بابا.
رقم غريب.
رد بحذر
ألو.
ثواني من الصمت...
وبعدين سمعنا صوت راجل كبير في السن بيقول
متفتحش الظرف... لو فتحته دلوقتي، هتضيع الحقيقة.
بابا اتجمد.
قال بسرعة
إنت مين؟
لكن الراجل ما ردش على السؤال.
قال جملة واحدة
دور الأول على المفتاح التاني... لأنه من غيره، كل اللي وصلتوله مالوش قيمة.
وقفل الخط.
أخويا بص للصندوق اللي كان لسه معانا، وقلبه تاني.
فضل يدور بين محتوياته.
وفجأة لمس بإيده قطعة خشب في القاع.
قال
استنوا... الصندوق ده له قاع مزدوج.
رفع اللوح الخشبي الصغير بحذر...
فبان تجويف مخفي.
وفي التجويف...
كان في مفتاح أصغر، ملفوف في قطعة قماش قديمة، ومعاه ورقة مطوية مكتوب عليها من الخارج
لا تُفتح إلا إذا اجتمعت العائلة كلها.
نظر بابا لينا واحدًا واحدًا، ثم ضم الورقة إلى صدره وقال
الظاهر... اللي جاي أصعب بكتير من كل اللي فات.
يتبع...رجعنا البيت وإحنا ساكتين.
ولا حد فينا كان قادر يستوعب اللي بيحصل.
أول ما دخلنا، بابا حط الصندوق على السفرة، وبص لكل واحد فينا وقال
محدش هيفتح الورقة دي... غير لما العيلة كلها تكون موجودة.
أخويا سأله باستغراب
يعني مين؟ إحنا كلنا أهو.
بابا هز راسه بالنفي.
وقال بهدوء
لا... ناقص شخص.
كلنا بصينا لبعض.
قلت مين؟
بابا سكت شوية، وبعدها قال
أخويا.
اتصدمنا.
أنا وأخويا بصينا لبعض في نفس اللحظة.
قلت
إحنا أصلًا ما نعرفش إن ليك أخ!
ماما نزلت عينيها في الأرض، وكأنها كانت عارفة السر ده من زمان.
أخويا قرب من بابا وقال
يعني إيه؟ طول عمرنا فاكرين إنك وحيد.
بابا تنهد تنهيدة طويلة، وقال
كان ليا أخ أصغر مني... لكن حصل بينا خلاف كبير بعد وفاة أبويا، ومن يومها كل واحد مشي في طريق، ومحدش شاف التاني.
الحاج محمود هز راسه وقال
الخلاف كان أكبر من مجرد ميراث... كان سوء فهم فضل يكبر سنة ورا سنة.
سألت بسرعة
طيب هو فين دلوقتي؟
رد الحاج محمود
آخر مرة عرفنا عنه، كان ساكن في محافظة تانية، وبعدها اختفى أخباره.
في اللحظة دي...
رن جرس الباب.
كلنا اتلفتنا.
بابا اتردد يفتح.
لكن أول ما فتح الباب...
لقينا راجل في أواخر الستينات، شعره أبيض، وملامحه شبه بابا بشكل يخض.
وقف يبصله ثواني، وقال بصوت مبحوح
السلام عليكم... أنا اتأخرت... بس الظاهر لسه في وقت.
بابا ساب الباب مفتوح، وفضل يبصله من غير كلمة.
الراجل ابتسم ابتسامة حزينة وقال
مش هتسلم على أخوك يا عبدالحميد؟
ماما شهقت.
وأخويا همس
يعني... ده عمي؟
لكن قبل ما بابا ينطق بأي حرف...
لف الراجل وشه ناحية الصالة، وبص مباشرة على الصندوق الخشبي.
واختفت الابتسامة من على وشه.
وقال بقلق شديد
إوعوا... حد يفتحه دلوقتي.
بابا سأله بسرعة
ليه؟
رد وهو بيقفل الباب بنفسه
لأن في واحد عرف إن الصندوق رجع... ولو وصل هنا قبل ما نفهم الحقيقة، مش هيكون جاي يدور على الورق... هيكون جاي يدور على حد فينا سكت البيت كله.
الكلمة الأخيرة وقعت علينا كأنها حجر.
أخويا قال بعصبية
هو مين ده؟ وليه يدور على حد فينا؟
عمي قعد على أول كرسي، وكان واضح عليه الإرهاق.
شرب شوية مية، وبعدين قال
من سنين طويلة... أنا وأبوك والحاج محمود كنا أمناء على أمانة وصانا بيها أبوكم قبل وفاته. كانت وصيته إن الأمانة متتفتحش إلا لما العيلة تكون كلها موجودة ومتوافقة.
بابا هز رأسه وقال
لكن الخلاف اللي حصل بينا ضيع كل حاجة.
عمي كمل
وفي ناس كانت فاكرة إن الأمانة دي فيها ثروة كبيرة، ومن يومها وهما بيدوروا عليها.
مرات أخويا سألت بخوف
يعني الناس اللي راحت المخزن... كانوا بيدوروا على الصندوق؟
الحاج محمود رد
أيوه... لكن الحمد لله وصلنا قبليهم.
وفي اللحظة دي، رن جرس الباب مرة تانية.
المرة دي
متابعة القراءة