جوزي جري ببنته حكايات زيزي
المحتويات
والكمامة لسه على وشه.
كل اللي في الانتظار وقفوا مرة واحدة.
الجراح شال الكمامة ببطء...
وبص ناحية كريم ومنى.
ثم قال
العملية تمت...
وسكت لحظات طويلة، كأن اختياره للكلمة اللي بعدها كان أصعب قرار في الليلة كلها منى حست إن قلبها هيقف.
جريت ناحيته وهي بتقول
ابني عامل إيه يا دكتور؟
الجراح خلع القفاز من إيده وقال بهدوء
العملية نجحت من الناحية الجراحية... وقدرنا نقلل الضغط على المخ.
منى دموعها نزلت وهي بتقول
الحمد لله...
لكن الدكتور كمل كلامه
بس لسه ما نقدرش نقول إنه بقى في أمان.
ابتسامتها اختفت.
ليه؟
قال
ال ساعة الجاية أخطر فترة. لو المخ استجاب للعلاج، هيبقى عنده فرصة كبيرة يتعافى... لكن لو حصل أي مضاعفات، الوضع هيختلف.
كريم قرب بخطوات بطيئة.
أقدر أشوفه؟
الدكتور بصله وقال
دقيقة واحدة... لكن من غير كلام كتير.
دخل كريم العناية.
أول ما شاف آدم على السرير، والأجهزة حواليه من كل ناحية، انهار.
قرب منه، ومسح على شعره.
وقال وهو بيبكي
سامحني يا آدم... والله ما كنت أقصد.
في اللحظة دي...
آدم، رغم إنه كان تحت تأثير الأدوية، حرك صوابعه حركة بسيطة.
كريم مسك إيده بسرعة.
أنا هنا يا حبيبي...
لكن فجأة، آدم سحب إيده ببطء من بين إيد أبوه.
حركة بسيطة جدًا...
لكنها كانت كأنها سكين دخلت قلب كريم.
الممرضة اللي كانت واقفة لاحظت اللي حصل، وقالت بهدوء
الطفل لسه مش واعي بالكامل... متفسرش أي حركة.
لكن كريم فضل باصص لإيده الفاضية، وحاسس إن ابنه حتى وهو بين الغيبوبة... مش قادر يسامحه.
خرج من العناية، ووشه كله دموع.
وقبل ما يقعد...
شاف راجل لابس بدلة رسمية داخل المستشفى، ومعاه ملف أزرق.
سأل في الاستقبال
فين الأستاذ كريم؟
الممرضة أشارت عليه.
الراجل قرب وقال
أنا من الشؤون القانونية بالمستشفى... وفي كاميرات المراقبة سجلت كل اللي حصل من أول دخولكم.
وسكت لحظة، ثم فتح الملف وقال
وقبل ما نسلم التسجيل لأي جهة، في سؤال واحد محتاج إجابته منك...
ثم نظر إليه مباشرة وقال
هل إنت متأكد إنك قلت لموظفة الاستقبال إن بنتك هي أول حالة وصلت، رغم إنك كنت شايف ابنك بيتشنج قدامك؟كريم بلع ريقه، وبص حواليه كأنّه بيدور على أي مخرج.
الراجل كرر السؤال بهدوء
إجابتك هتتسجل في المحضر.
كريم فضل ساكت ثواني طويلة.
وبعدين قال بصوت مكسور
...أيوه.
الراجل كتب الكلمة في الملف.
يعني حضرتك بتقر إنك قلت إنكم أول حالة، مع إن ده ماكانش صحيح؟
كريم غمض عينه، وقال
أيوه... كنت فاكر بنتي محتاجة تدخل الأول.
في اللحظة دي، منى كانت واقفة على باب الممر، وسمعت كل كلمة.
ما اتكلمتش...
لكن دموعها نزلت في صمت.
الراجل قفل الملف وقال
شكرًا.
ولف يمشي.
كريم نادى عليه
هو... ابني لو حصله حاجة، أنا السبب؟
الراجل وقف مكانه، وبصله نظرة طويلة.
وقال
أنا مش دكتور عشان أقول السبب الطبي... لكن اللي أقدر أقوله إن كل دقيقة في حالات التشنج بتفرق.
وسابه ومشي.
...
عدت ساعات.
النهار بدأ يطلع.
المستشفى هديت شوية، لكن قدام العناية المركزة، الوقت كان واقف.
فجأة خرجت الدكتورة إلهام، وفي إيديها ملف جديد.
بصت لمنى وقالت
في استجابة بسيطة.
منى قامت بسرعة.
يعني فاق؟
الدكتورة هزت رأسها.
لسه... لكن بدأ يستجيب للألم وحركة العين أحسن من بالليل.
أول مرة من ساعة دخولهم، ظهر أمل صغير.
منى رفعت إيديها للسماء وهي بتقول
الحمد لله...
أما كريم، فكان واقف بعيد، مش قادر حتى يقرب.
وفي اللحظة دي...
المصعد اتفتح.
ونزلت منه ست كبيرة في السن، أول ما شافت كريم جريت عليه وهي بتبكي.
كانت أمه.
حضنته وهي بتقول
طمني على آدم.
لكن قبل ما يرد...
وصلها واحد من العاملين بالمستشفى، وكان سامع جزء من اللي حصل.
قال لها من غير قصد
ربنا يشفيه... بس يا خسارة، الولد اتأخر في الدخول لأن والده دخل حالة تانية قبله.
أم كريم سابت ابنها فجأة.
بصت له بصدمة.
وقالت بصوت مرتعش
الكلام ده... صحيح؟
كريم نزل برأسه للأرض...
من غير ما ينطق بحرف واحد أم كريم فضلت باصة له ثواني، كأنها مش مستوعبة.
وفجأة... رفعت إيدها، وضربته بالقلم قدام كل اللي واقفين في الممر.
صوت القلم دوّى.
الممرضات بصوا ناحيتهم.
حتى منى رفعت رأسها من مكانها.
أم كريم كانت بتبكي وهي بتقول
أنا ربيتك تبقى سند لولادك... مش تسيب ابنك يتعذب!
كريم ما ردش.
كان واقف، وشه محمر، وعينه في الأرض.
قال بصوت مبحوح
غلطت يا أمي...
صرخت فيه
غلطت؟! دي كلمة تتقال لما تنسى تجيب حاجة من السوق... إنما ابنك كان بين الحياة والموت!
سكت الممر كله.
ولا حد قدر يتدخل.
في اللحظة دي، باب العناية اتفتح.
خرجت الدكتورة إلهام، وبصت ناحية التجمع.
وقالت بحزم
لو سمحتوا... ده مستشفى.
الكل سكت.
قربت من منى وقالت
هنسمح لحد من الأسرة يدخل يشوف آدم دقيقة.
منى قالت فورًا
أنا.
الدكتورة هزت رأسها.
اتفضلي.
دخلت منى.
كانت الأجهزة حواليه أكتر من قبل.
وراسه ملفوفة بالشاش بعد العملية.
قربت منه، وقعدت جنبه.
مسحت على إيده، وقالت بصوت كله حنان
ماما هنا يا حبيبي... وهفضل جنبك.
وفجأة...
صوابعه اتحركت.
منى ابتسمت.
آدم... سامعني؟
الجهاز سجل حركة بسيطة.
وعينه اتحركت تحت جفنه.
في نفس اللحظة، دخلت الممرضة تجري.
بصت للشاشة، واتغير وشها.
خرجت بسرعة وهي بتنادي
يا دكتورة... بسرعة لو سمحت!
الدكتورة جريت على أوضة العناية.
وبعد أقل من دقيقة، اتملت الأوضة بالأطباء.
الباب اتقفل.
ومن بره...
منى رجعت تقف قدامه، وإيديها بتترعش، وهي بتبص للجهاز من خلال الإزاز.
أما كريم...
فكان بيبص للمشهد، وقلبه بيتقطع، لأنه كان عارف إن أي حاجة هتحصل بعد اللحظة دي... عمره ما هيقدر يرجع الزمن ويغير اللي عمله عدت خمس دقايق...
وبعدين عشرة...
ولا حد خرج من أوضة العناية.
كل اللي بره كانوا سامعين أصوات الأجهزة، وحركة الأطباء السريعة، لكن محدش عارف إيه اللي بيحصل.
منى كانت ماسكة في إزاز الباب، ولسانها ما بطلش دعاء.
أما كريم، فكان واقف بعيد، مش قادر يقرب منها.
وفجأة...
باب العناية اتفتح.
خرجت الدكتورة إلهام، وكمامتها نازلة على رقبتها، وباين عليها الإرهاق.
منى جريت عليها.
طمنيني... بالله عليكي.
الدكتورة ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة.
الحمد لله... قدرنا نسيطر على التدهور.
منى سجدت على أرض الممر من شدة الفرح.
لكن الدكتورة كملت
لسه الطريق طويل... بس في علامة كويسة.
كريم قرب بخوف.
إيه هي؟
قالت
ابنكم بدأ يستجيب للأوامر البسيطة. لما طلبنا منه يحرك صوابعه... استجاب.
دموع كريم نزلت.
أقدر أشوفه؟
الدكتورة ردت
بعد شوية.
وفي اللحظة دي، ممرضة خرجت من العناية وهي شايلة كيس هدوم آدم.
كان فيه التيشيرت الصغير اللي دخل بيه المستشفى.
والشورت.
والجزمة.
ومنديل صغير عليه آثار دم وترجيع.
ناولتهم لمنى.
أول ما مسكتهم، حضنتهم لصدرها وفضلت تعيط.
كريم مد إيده ياخد التيشيرت.
لكن منى سحبته بسرعة.
وقالت لأول مرة وهي باصة في عينه
سيبه... ده أكتر واحد خذلك وهو لابسه.
الكلمة وجعت كريم أكتر من أي حاجة حصلت.
وفي نفس اللحظة...
الموبايل بتاع منى رن.
كان رقم غريب.
ردت وهي مستغربة.
سمعت ثواني...
وبعدين اتغير لون وشها تمامًا.
قالت بدهشة
حضرتك بتقول إيه؟
اللي حواليها بصوا لها.
قفلت المكالمة ببطء.
والتفتت ناحية كريم.
وقالت
في شخص عايز يقابلنا... وبيقول إنه كان موجود في الطوارئ من أول دقيقة، وإن عنده فيديو من موبايله لكل اللي حصل الليلة دي... وفيه حاجة محدش فينا شافها كريم اتجمد مكانه.
فيديو؟
منى هزت رأسها، ولسه الصدمة على وشها.
قال إنه كان مستني مع والدته في الطوارئ... ولما شاف الزحمة، سجل جزء من اللي حصل عشان يشتكي إدارة المستشفى.
كريم حس بعرق بارد على جبينه.
هو فين؟
قالت
قال إنه تحت... في كافيتريا المستشفى.
نزلوا كلهم.
الشاب كان قاعد في ركن هادي، ومعاه موبايله.
أول ما شافهم وقف وقال
أنا آسف على اللي حصل لابنكم... والله ما كنت ناوي أصوركم، أنا كنت بصور الزحمة.
فتح الفيديو.
بدأت اللقطات تظهر...
منى وهي داخلة شايلة آدم وبتصرخ
ابني بيتشنج!
وبعدين ظهر كريم داخل بعد ثوانٍ وهو شايل مريم.
الصوت كان واضح جدًا.
الممرضة سألت
مين الحالة اللي وصلت الأول؟
وسمعوا كريم وهو بيقول
أنا... والبنت حالتها أخطر.
كريم نزل
متابعة القراءة