سلفتي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

سلفتي كانت بتاكل وهي بتشهق، دموعها نازلة، ووشها بقى أحمر من الشطة، وكل لقمة كانت كأنها نار، لكنها كانت مصممة تبلع أي حاجة قدامها.
المدير قام من مكانه وهو مستغرب وقال يا جماعة... حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟
جوزي قرب منها يحاول يشد الطبق من إيدها، لكنها صرخت فيه إوعى! محدش ياكل... محدش يمد إيده على الأكل!
البيت كله سكت.
أنا بصيتلها باستغراب وقلت ليه؟ إيه اللي في الأكل؟
بلعت ريقها بالعافية، وحاولت ترد، لكن الكلمات كانت واقفة في زورها.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
دخل ابن الجيران الصغير وهو بيجري وهو بيقول يا طنط... القطة اللي كانت داخلة المطبخ من شوية ماتت برا!
الكل اتصدم.
سلفتي وشها اصفر فجأة، وإيديها بدأت ترتعش أكتر.
المدير رجع خطوة لورا، وحماتي حطت إيديها على قلبها وقالت قطة؟! دخلت المطبخ إمتى؟
الولد قال أنا شوفتها داخلة من الشباك وهي بتلف حوالين الأكل... وبعدها خرجت تجري وبره وقعت.
كل العيون راحت لسلفتي.
هي بدأت تتنفس بسرعة، وكأنها بتفكر في حاجة محدش يعرفها.
جوزها مسكها من كتفها وقال انطقي... في إيه؟
لكنها هزت راسها بعنف وقالت مفيش... مفيش حاجة.
وفي نفس اللحظة، دخلت واحدة من الجارات وهي بتقول أنا كنت طالعة السلم وشوفت حد داخل مطبخكم من نص ساعة... واستغربت لأنه كان بيستخبى.
الكلام نزل على سلفتي زي الصاعقة.
حماتي بصتلها وقالت بنبرة كلها شك مين اللي دخل المطبخ وإحنا فوق؟
سلفتي اتراجعت خطوة لورا.
وفجأة...
عينها وقعت على علبة الشطة الفاضية اللي كانت مرمية تحت الرخامة... ولسه جزء منها ظاهر.
شهقت شهقة قوية، وعرفت إن السر اللي حاولت تدفنه خلاص بقى على وشك ينكشف قدام الكل...
لكن اللي حصل بعدها قلب الموقف بالكامل، وخلى كل واحد في البيت يعرف الحقيقة بطريقة محدش كان يتوقعها...سلفتي كانت بتاكل وهي بتبكي، وكل لقمة تدخل بوقها كانت تخليها تكح وتدمع، لكن كانت بترجع تمد إيديها بسرعة على الطبق اللي بعده، كأنها خايفة حد غيرها يلمسه.
المدير وقف مذهول وقال مدام... إنتِ بتعملي كده ليه؟
لكنها ما ردتش.
حماتي قربت منها ومسكت إيديها وقالت بنتي... انطقي، مالك؟
سلفتي فجأة زعقت بصوت عالي محدش يقرب من الأكل... أرجوكم!
الكلمة دي خلت الصالة كلها تسكت.
أنا بصيت للأكل باستغراب، كان شكله طبيعي جدًا، لكن ريحة الشطة بدأت تبان أكتر لما الغطا اتشال.
جوزي بصلي وقال إنتِ متأكدة إنك ما حطتيش شطة؟
اتصدمت من سؤاله وقلت بثقة والله العظيم ولا رشة... إنت بنفسك وصيتني.
في اللحظة دي، حماتي فتحت حلة الشوربة، وبمجرد ما قلبتها بالمغرفة ظهر اللون الأحمر واضح.
شهقت وقالت يا ساتر... مين عمل كده؟!
أنا جريت على باقي الصواني، وفتحت صينية البطاطس، ثم المحشي، ثم الرقاق...
كلهم... كلهم متغرقين شطة!
إيدي بدأت ترتعش، ودموعي نزلت من الصدمة.
قلت مستحيل... أنا سيبتهم زي الفل قبل ما أطلع.
المدير رجع كرسيه لورا وقال بهدوء واضح إن حد لعب في الأكل.
ساعتها كل الموجودين بصوا لبعض.
وفجأة...
جوز سلفتي افتكر حاجة وقال استنوا... أنا نزلت قبل الضيوف بخمس دقايق أدور على مفتاح عربيتي... وشفت باب المطبخ بيتقفل بسرعة، بس افتكرت إنها إنتِ يا أختي.
كل الأنظار راحت عليّا.
قلت بسرعة أنا؟! أنا كنت فوق مع ماما بنغير هدومنا.
حماتي أيدت كلامي فورًا وقالت صح... كانت معايا ومفارقناش بعض.
الهدوء بقى مرعب.
كل واحد بدأ يحسب الدقائق في دماغه...
مين كان موجود لوحده قدام الأكل؟
سلفتي بدأت تتراجع لورا وهي بتبلع ريقها بالعافية.
وفي اللحظة دي بالذات...
ابن جوزها الصغير دخل يجري من البلكونة وهو ماسك في إيده موبايل قديم، وقال ببراءة
بابا... أنا لقيت الفيديو ده مفتوح، شكله اتصور لوحده!
الجميع لف ناحية الموبايل...
وسلفتي أول ما شافت الشاشة، اتسمرِت مكانها، ووشها فقد لونه تمامًا، ومدت إيديها بسرعة عشان تخطف الموبايل قبل ما أي حد يشوف اللي فيه...
لكن جوزها كان أسرع منها، وخطفه من إيديها وهو بيبص للشاشة، وملامح وشه بدأت تتغير ثانية بعد ثانية... بينما الباقي لسه مشافوش أي حاجة، ومستنيين يعرفوا إيه اللي خلاه يتجمد بالشكل ده جوزها فضل باصص في شاشة الموبايل كام ثانية من غير ما ينطق، ووشه بقى شاحب بطريقة خلت الكل يقلق.
سلفتي صرخت وهي بتمد إيديها هات الموبايل... امسحه! بسرعة!
لكنه زعق فيها لأول مرة من يوم ما اتجوزها إبعدي!
الصالة كلها اتجمدت.
المدير بص لجوزي وقال ممكن أفهم فيه إيه؟
جوز سلفتي أخد نفس طويل، ولف الموبايل ناحية الكل، لكنه قبل ما يشغله قال أنا مش مصدق اللي هشوفه... ولو ده حقيقي، يبقى في مصيبة.
سلفتي وقعت على الكنبة وهي بترتعش، ولسه بتحاول تمنعه والنبي... بلاش.
لكن محدش سمعها.
ضغط زر التشغيل...
وظهر الفيديو.
كانت الكاميرا متثبتة على رخامة المطبخ، واضح إن ابنها كان بيلعب بالموبايل الصبح وسابه بيصور من غير ما ياخد باله.
في أول الفيديو ظهر المطبخ فاضي.
ثواني...
وبعدين دخلت أنا وحماتي، حضرنا آخر حاجة، وغطينا الأكل وطلعنا فوق.
الفيديو كمل.
المطبخ فضل فاضي دقيقة... واتنين...
وبعدين...
الباب اتفتح بهدوء.
دخلت سلفتي وهي بتبص يمين وشمال، واتأكدت إن مفيش حد.
مدت إيديها على رف التوابل، ونزلت علبة الشطة الكبيرة.
الكل كان ساكت وهو بيتفرج.
بدأت تفتح كل حلة، وتفضي الشطة فيها وهي بتضحك وتقول بصوت واضح
بعد النهارده محدش هيقول الست الكبيرة... ولا حد هيثق فيها تاني.
حماتي حطت إيديها على وشها وهي بتبكي.
أما جوزي، فكان واقف مكانه وعروقه بارزة من شدة الغضب.
لكن الفيديو ما وقفش عند كده...
بعد ما خلصت، رجعت العلبة مكانها، وبصت حوالين المطبخ مرة أخيرة.
وفجأة...
لفت وشها ناحية الكاميرا.
فضلت تبص عليها ثانيتين.
وكأنها بدأت تشك إن في حد بيصورها.
قربت منها خطوة...
ثم خطوة تانية...
ورفعت إيديها ناحيتها.
الكل في الصالة حبس أنفاسه، لأنهم كانوا مستنيين يعرفوا...
هل اكتشفت الكاميرا فعلًا؟ ولا كان في حاجة تانية أخطر خلتها تقرب بالشكل ده؟إيدها فضلت تقرب من الموبايل...
ثانية...
واتنين...
وبعدين وقفت فجأة.
بصت حواليها مرة تانية، واتنهدت وقالت لنفسها
أكيد محدش شافني.
وسابت الموبايل مكانه وخرجت من المطبخ بسرعة.
أول ما الفيديو خلص، الصالة بقت ساكتة بشكل مخيف.
ولا نفس كان بيتسمع.
حماتي كانت أول واحدة اتكلمت، بصوت مكسور
بعد كل اللي عملناه معاكي... ده كان رد الجميل؟
سلفتي كانت بتبكي، لكن المرة دي مفيش كلمة واحدة طلعت منها.
جوزها بصلها بصدمة وقال
إنتِ كنتِ عايزة تضيعي مستقبل أخويا؟
جوزي كان غضبه ظاهر في عينيه، لكنه حاول يسيطر على نفسه احترامًا للضيوف.
أما المدير، فقام من مكانه بهدوء وقال
واضح إن مراتك مظلومة، وإن اللي حصل كان مقصود.
لف ناحيتي وقال
أنا كنت على وشك أصدق إن في إهمال، لكن اللي شوفته دلوقتي يثبت إن في حد حاول يوقع بينكم.
أنا كنت واقفة ودموعي بتنزل، مش مصدقة إن الحقيقة ظهرت بالطريقة دي.
لكن فجأة...
المدير شم ريحة الشطة اللي مالية المكان، وابتسم ابتسامة خفيفة وقال
إحنا مش هنمشي من غير غدا.
كلنا استغربنا.
قال وهو بيضحك
أكيد مش هنقدر ناكل الأكل ده... لكن طالما المشكلة اتكشفت، يبقى نتصرف.
لف على السكرتير اللي معاه وقال
اتصل بأقرب مطعم محترم، وخليه يبعت نفس الأصناف بسرعة.
جوزي حاول يعتذر، لكن المدير قاطعه
العقود بتتبني على الثقة قبل الأكل... والنهارده أنا شفت بعيني إن مراتك كانت أمينة، وإن اللي حصل كان خارج إرادتها.
كلامه رجّع الأمل لقلب جوزي.
لكن في نفس اللحظة...
كان جوز سلفتي واقف في ركن الصالة، ومازال ماسك الموبايل.
وبينما كان هيقفله، لمح إن الفيديو مدته أطول

تم نسخ الرابط