بعد حادثة حكايات زيزي
بعد حادثة مروعة... كنت على وشك أفقد القدرة على المشي، وأهلي ساندوني... أو على الأقل ده اللي كنت فاكراه. لكن كلمة واحدة من أمي خلتني أكتشف إن كل اللي دفعته عنهم راح هدر. وفي نص الليل، مكالمة واحدة مني قلبت حياتهم كلها.
أول حاجة سمعتها بعد الحادث كانت صوت الأجهزة في المستشفى... وتاني حاجة كانت صوت أمي وهي بتقول المهم الفلوس ما تضيعش.
فتحت عيني تحت نور أوضة العمليات، والدكتور بيقولي إن رجلي مكسورة في أكتر من مكان، وإن رحلة العلاج هتاخد شهور، ويمكن أفضل على الكرسي المتحرك فترة.
الحمد لله، ولادي نوح وليلي نجوا، لأنهم كانوا مربوطين في كراسي العربية كويس، وكانوا مع جديهم وقتها.
جوزي كان متوفي من سنة، ومن يومها وأنا شايلة المسؤولية كلها لوحدي.
كنت فاكرة إن أهلي سندي... لكن وأنا لسه في سرير المستشفى، سمعت أمي بتقول لأبويا وهي فاكراني نايمة
هي هتفضل في المستشفى كتير... أهم حاجة أقساط البيت ما تقفش.
الكلمة دي كسرتني أكتر من الحادث نفسه.
البيت اللي كانوا قاعدين فيه؟ كان باسمي أنا.
أنا اللي اشتريته، وأنا اللي بدفع الأقساط والضرايب، وسيبتهم يعيشوا فيه من غير ما يدفعوا جنيه واحد، عشان أريحهم بعد التقاعد.
لكن بدل ما يسألوا عليا أو على ولادي... كان كل همهم الفلوس.
اتصلت بمحامي الشركة اللي بيتابع شؤوني، وقلتله بهدوء
نفذ كل اللي اتفقنا عليه لو حصللي أي ظرف.
رد عليا حضرتك متأكدة؟
قلت أيوه... خلاص.
في نفس الليلة...
كل التحويلات الشهرية اتوقفت.
البطاقات الإضافية اتلغت.
وقسط العربية اللي كنت بدفعه اتوقف، والشركة بدأت إجراءات استردادها.
وأي مصروف كنت بتحمله عنهم... اتشال بالكامل.
الساعة كانت 1207 بعد نص الليل...
موبايل أمي رن عليا ست مرات ورا بعض.
بصيت للشاشة... وما رديتش.
ولأول مرة من تماني سنين...
سيبتهم يواجهوا مشاكلهم بنفسهم.
تاني يوم الصبح...
صحيت على صوت الممرضة وهي بتقيس ضغطي، ولسه بحاول أستوعب الوجع اللي في رجلي، لقيت موبايلي مليان مكالمات ورسائل.
أمي 23 مكالمة.
أبويا 11 مكالمة.
أخويا كريم 18 مكالمة.
حتى مراتي أخويا بعتت رسالة قصيرة
إنتِ ليه عملتي كده؟
قفلت الشاشة من غير ما أرد.
بعد ساعة، المحامي دخل الأوضة ومعاه ملف أزرق.
قال بهدوء زي ما طلبتي... كل الإجراءات اتنفذت. لكن في حاجة لازم تعرفيها.
بصيتله باستغراب.
قال بعد ما التحويلات وقفت... البنك بلغنا إن في أكتر من قسط متأخر باسم والدك، وكان بيتسدد من حسابك تلقائيًا.
اتجمدت.
أنا أصلًا ما كنتش أعرف إن فيه أقساط باسمه!
فتح الملف قدامي.
فاتورة عربية.
قرض شخصي.
بطاقة ائتمان.
كلهم كانوا بيتسددوا من حسابي من سنين... بتفويض كنت عاملاه زمان عشان أساعدهم.
هم حتى ما كلفوش نفسهم يقولولي إن الديون زادت.
وفي عز كلامنا...
المحامي بص للموبايل وقال والدك مستني تحت... وبيقول لازم يشوفك.
وافقت بعد تردد.
دخل أبويا لوحده.
وشه كان مرهق، لكن أول جملة قالها كانت
ليه قطعتي الفلوس؟
ولا كلمة عن صحتي.
ولا سؤال عن ولادي.
ولا حتى عاملة إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة كلها وجع.
وقلت أنا كنت مستنية أول سؤال منك يكون إنتِ بخير؟
سكت ثواني...
وبعدين قال وهو بيتنهد إحنا في أزمة دلوقتي... وبعدها نبقى نتكلم.
في اللحظة دي...
حسيت إن آخر خيط كان بيربطني بيهم اتقطع.
طلبت من الممرضة بهدوء لو سمحتِ... أي حد يدخل الأوضة بعد كده يبقى بإذني.
خرج أبويا وهو متضايق.
لكن قبل ما باب الأوضة يقفل...
سمعته بيكلم حد في التليفون بصوت واطي
لازم نتصرف بسرعة... قبل ما تعرف باقي الحقيقة.
الكلمة دي خلت قلبي يدق بعنف.
باقي الحقيقة؟
إيه الحقيقة اللي أنا لسه معرفهاش؟
بصيت للمحامي.
لاحظ ارتباكي، وقرب مني وقال بصوت منخفض
في ملف قديم وصلني من أسبوع... وما كنتش حابب أفتحه غير لما حالتك تتحسن.
بلع ريقه، وحط الملف على الترابيزة.
كان مكتوب عليه بخط كبير
خاص جدًا... لا يُفتح إلا بمعرفة المالكة.
مديت إيدي ناحيته...
وقبل ما ألمسه بثواني...
رن موبايل المحامي.
بص للشاشة، واتغير لون وشه فجأة.
همس وهو بيرد
إزاي؟!... إمتى حصل ده؟!المحامي قفل المكالمة ببطء، وفضل ساكت كام ثانية.
قلت بقلق في إيه؟
بصلي وقال الشخص اللي سلّم الملف ده لمكتبنا... اختفى من الصبح، ومحدش عارف هو فين.
حسيت بقشعريرة.
قلت افتح الملف.
فتح الظرف بحذر، وطلع منه مجموعة أوراق، وصورة قديمة.
الصورة كانت ليا...
أنا وأبويا وأمي... واقفين قدام البيت يوم ما اشتريته.
لكن الغريب إن على ضهر الصورة مكتوب بخط إيدي
البيت هيفضل باسمي، وممنوع أي إجراء عليه إلا بموافقتي الشخصية.
افتكرت اليوم ده كويس.
كنت مصممة إن البيت يفضل باسمي حفاظًا على حق ولادي، وكل الإجراءات اتوثقت رسمي.
المحامي قلب الورقة اللي بعدها، واتغيرت ملامحه.
قلت بسرعة إيه اللي فيها؟
قال في طلب اتقدم من شهور لتعديل بعض بيانات الملكية... لكن الطلب اترفض لأن توقيعك ما كانش مطابق.
شهقت.
أنا أصلًا ما قدمتش أي طلب.
يعني... حد حاول يعمل إجراء باسمي؟
المحامي هز رأسه وقال وده السبب اللي خلاني أراجع كل الملفات القديمة.
في نفس اللحظة، موبايلي رن.
المتصل كان رقم غريب.
رديت بحذر.
جالي صوت راجل كبير في السن
لو عايزة تعرفي مين حاول يتصرف في بيتك... اسألي عن الدرج الخشبي القديم في أوضة والدك.
وقبل ما أتكلم...
قفل الخط.
فضلت أبص للموبايل وأنا مش مستوعبة.
الدرج الخشبي؟
إيه علاقته بكل اللي بيحصل؟
بعد أقل من عشر دقائق، دخلت الممرضة بسرعة وهي بتقول
في حد وصل المستشفى وبيقول معاه مستندات مهمة تخص حضرتك... ورافض يديها لأي حد غيرك.
نظرت للمحامي، فقال بهدوء
واضح إن الليلة دي لسه مخبية مفاجآت أكبر...الممرضة دخلت بعدها بثواني، ومعاها راجل في أواخر الخمسينات.
كان لابس بدلة بسيطة، وماسك شنطة جلد قديمة بإيده.
وقف قدام السرير وقال
حضرتك الأستاذة...؟
هززت رأسي.
فتح الشنطة، وطلع ظرف بني كبير مختوم بالشمع الأحمر.
وقال
الظرف ده كان أمانة عندي من أكتر من سنتين، وصاحبه قال مايتسلمش غير لو حصل ظرف كبير يخليكي تعرفي الحقيقة.
بصيت للمحامي.
المحامي فحص الختم، وقال
الختم سليم... محدش فتحه.
فتحت الظرف بإيدي المرتعشة.
لقيت جواه عقد، وكام إيصال تحويلات، وفلاشة صغيرة.
أول ورقة كانت عقد أمانة.
ومكتوب فيه إن أي مبلغ يخرج من حسابي لازم يكون بعلمي وموافقتي.
أما الإيصالات...
فكانت بتحمل مبالغ ضخمة، متحولة على حسابات مختلفة خلال آخر سنة.
الغريب...
إن التوقيع الموجود على طلبات التحويل كان شبه توقيعي جدًا.
لكن مش توقيعي.
المحامي قال وهو بيقلب الورق
واضح إن حد كان بيحاول يقلد توقيعك.
وفجأة...
وقعت عيني على اسم واحد من المستفيدين.
الاسم كان مألوف جدًا.
شخص من العيلة...
لكن مستحيل أصدق إنه يكون له علاقة باللي بيحصل.
لسه بحاول أستوعب، لقيت باب الأوضة اتفتح بعنف.
أخويا كريم دخل وهو بيصرخ
إوعوا تمضوها على أي ورقة!
كل اللي في الأوضة بصوا عليه.
كان نفسه مقطوع، ووشه مليان خوف.
قرب مني وقال بصوت واطي
إنتِ مش فاهمة... في حد بيلعب بينا كلنا.
قبل ما أسأله يقصد مين...
اتفتح الباب مرة تانية.
ورجل أمن المستشفى دخل بسرعة وقال
لو سمحتوا، في شخص حاول يدخل القسم باستخدام بطاقة تعريف مزورة... وأول سؤال سأله كان أوضة الأستاذة فين؟
ساد صمت ثقيل في الغرفة...
وكل الأنظار اتجهت نحو الباب، في انتظار معرفة هوية الشخص الذي كان يبحث عني عمّ الصمت في الأوضة.
المحامي قام وقف بسرعة وقال لرجل الأمن
حد شاف شكله؟
رد رجل الأمن
كان لابس كاب ونضارة، وأول ما الأمن سأله عن البطاقة، جري واختفى قبل ما نلحقه.
أخويا كريم اتنهد براحة كأنه كان مستني الخبر ده.
بصيتله باستغراب وقلت
إنت تعرفه؟
اتردد ثواني، وبعدين قال
معرفوش... لكن أعرف هو كان بيدور على إيه.
المحامي ضيق عينيه.
تقصد إيه؟
كريم بص للظرف اللي على السرير وقال
الفلاشة.
مديت إيدي بسرعة وخبيتها تحت المخدة.
قلت