جوزي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

جوزي كل ما ينزل البحر يطلع وهو بيصرخ بهستريا وبيشاور على البحر ويقول هناك ..هناك ويفضل على الحال ده لحد ما يغمى عليه ، الغريب ان مبيعديش يومين ويطلب نروح تاني ، لحد ما قررت انزل وراه بنفسي واللي شوفته ميتحكيش!!
أنا مش قادرة أستوعب لحد دلوقتي إزاي حياتنا اتقلبت بالشكل ده، وإزاي البحر اللي اتعودنا عليه يرعبنا كده
احنا عايشين في بيت بسيط في الإسكندرية، بيت بيبص على البحر علطول. جوزي، كريم، مش مجرد واحد بيحب الميه، ده حريف سباحة بمعنى الكلمة، البحر ده كان بيته الأول. كنا تقريباً كل يومين نلم العيال وننزل الشط، كانت أحلى فترات حياتنا. كريم كان بياخد الأولاد يعلمهم العوم، يرميهم في الميه ويضحك وهو شايفهم بيكبروا وبيحبوا البحر زيه. بالنسبة لي، كانت خروجة ممتعة ومفيش فيها أي تكاليف، قاعدة في الهوا النضيف، والعيال مبسوطة، وجوزي في قمة سعادته وهو بيمارس الحاجة اللي بيعشقها.
لحد ما جه اليوم المشؤوم اللي غير كل حاجة.
كنا كالعادة على الشط، أنا قاعدة بتابع العيال وهم بيلعبوا في الرمل ويبنوا بيوت وقلاع، وكريم نزل الميه. في الأول كنت شيفاه بيعوم وبيمارس هوايته المفضلة، بس مع الوقت، لاحظت إنه غاب زياده عن اللزوم. عيني بدأت تدور عليه في كل مكان، نظري مش جايبه، الميه كانت هادية بس ملوش أي أثر. بدأت أحس بنغزة في قلبي، قلق خفيف بدأ يتسرب لنبرة صوتي وأنا بنادي عليه كريم.. كريم! أنت فين؟
وفجأة، لمحت خيال من بعيد بيتحرك بسرعة جنونية ناحية الشط. الصدمة إن الخيال ده كان كريم، بس مكنش بيعوم، كان بيجري في الميه وبيصرخ بصوت هستيري، صوت عمري ما سمعته منه قبل كده، صوت يخلع القلب من مكانه. كان وشه شاحب زي الأموات، وعينيه مبرقه، وبيشاور بايده اللي بترتعش بشكل مرعب ورا ظهره ويقول هناك.. هناك.. هناك!
العيال اتخضوا من منظر أبوهم وبدأوا يعيطوا بهلع. أنا جريت عليه وأنا بحاول أهديه وأمسك إيده، بس كان غايب عن الوعي وهو واقف، وشه أزرق، وفجأة، طب من طوله على الرمل واغمى عليه تماماً.
صرخت بأعلى صوتي، والناس ولاد الحلال اتلموا حوالينا، شالوه وحطوه على شازلونج وفضلنا نحاول نفوقه ببرفان وميه لحد ما أخيرًا فتح عينيه. أول ما فاق، كان بيلتفت حواليه برعب مش طبيعي، مسك إيدي بعنف وقال بصوت مخنوق يلا بينا.. هاتي العيال ويلا نمشي من هنا حالاً!
رجعنا البيت وأنا هموت من الحيرة والخوف. فضلت ألح عليه يفهمني إيه اللي حصل، إيه اللي شافه يخليه بالمنظر ده؟ رد عليا بتوتر وهو مش قادر يبص في عيني مفيش.. دي سمكة قرش.. سمكة قرش كبيرة خفت منها.
طبعاً أنا مصدقتوش. إسكندرية والشط ده بالذات طول عمرنا بنزل فيه، والمنطقة مليانة ناس بتعوم ومفيش أي سجل لظهور قروش هنا تماماً. بس سكت وقلت يمكن اتخيل أو جاله شد عضلي وخاف.
كنت فاكرة إن التجربة المرعبة دي هتخليه يكره البحر، أو على الأقل يبعد عنه فترة. بس الغريب والمريب إن بعد يومين بالظبط، لقيته قايم وبإصرار غريب جنوني بيقول يلا هنروح البحر!
حاولت أمنعه، بس كان مصر بشكل غريب. وفعلاً روحنا، وللاسف اتكرر نفس السيناريو بالظبط! دخل الميه، اختفى، ورجع يصرخ بهستيريا وهو بيشاور وراه ويقول لسه هناك.. هناك! لحد ما يغمى عليه. الموضوع اتقلّب لكابوس متكرر. بقى كل كام يوم يصر إننا نروح، ويرجع بنفس الحالة، ويرفض تماماً يقولي فيه إيه، ويدخل في حالة اكتئاب ورعب لحد الزيارة اللي بعدها.
حسيت إن جوزي بيضيع مني، وإن فيه سر مخبيه ورا صرخاته دي. وقررت إن المرة دي مش هقف اتفرج.
وفي مرة اتفقنا نروح، وكنت مرتبة كل حاجة. طلبت من جارتنا اللي بنثق فيها تيجي معانا، وسبت العيال معاها على الشط . وخليت كريم نزل الميه و استنيت لما بعد شوية، ونزلت وراه براحة من غير ما يحس بيا، وبدأت أعوم وراه وأنا محافطة على مسافة تخليني شايفاه من غير ما يلمحني.
كريم كان بيعوم بخط مستقيم وبعزم شديد، مكنش بيعوم للترفيه، كان كأنه بيدور على حاجة معينة، أو بالأصح، كأنه عارف طريقه بالظبط ورايح لهدف محدد. فضل يعوم مسافة طويلة جداً لحد ما وصلنا لمنطقة غريقة جوه البحر، وفي نص الميه كانت فيه صخرة ضخمة غاطسة تحت السطح بشوية.
كريم وقف عند الصخرة دي، وبدأ يبص يمين وشمال
أنا قربت منه بحذر شديد، واللي شفته عند الصخرة دي... جمد الدم في عروقي وكنت هغيب عن الوعي وأغرق في لحظتها من كتر الصدمة !!!!
زهرة_الربيع
صلي على حبيب الله
قربت أكتر وأنا بحاول أكتم صوت نفسي، وكل حركة في الميه كنت حاسة إنها هتفضحني.
الصخرة كانت أكبر مما تخيلت... وجزء منها عامل زي تجويف غامق تحت سطح البحر.
لكن اللي خلاني جسمي كله يتجمد...
إن كريم ماكانش واقف لوحده.
كان بيبص لتحت... وبيكلم حد.
سمعته بيهمس بصوت مرتعش
أنا جيت... زي ما طلبت.
وقبل ما أستوعب هو بيكلم مين...
طلع من جوه التجويف صوت خبط خفيف...
طق... طق... طق...
كأنه حد بيخبط على حجر من تحت الميه.
اتسمرت مكاني.
عقلي كان بيقولي مستحيل...
لكن وداني كانت سامعة الصوت بوضوح.
كريم رجع خطوتين لورا وهو بيرتعش، وبدأ يلهث.
وفجأة مد إيده لقدام، كأنه هيستلم حاجة.
في اللحظة دي...
شفت إيد طالعة ببطء من فتحة الصخرة.
إيد شاحبة بشكل مرعب...
صابعتها طويلة بشكل غير طبيعي...
وماسكة سلسلة معدنية صدئة.
قلبي كان هيقف.
كريم أخد السلسلة بإيد بترتعش، وبمجرد ما لمسها...
سمعنا صوت مكتوم جاي من جوه التجويف.
صوت راجل...
ضعيف جدًا...
بيقول
لسه... فاكر؟
في نفس اللحظة كريم صرخ بنفس الصرخة اللي كنت بسمعها كل مرة.
هناك... هناك!
ورمى السلسلة في الميه كأنها بتحرقه.
الإيد اختفت في لمح البصر...
والميه حوالين الصخرة بدأت تتحرك بشكل غريب، رغم إن البحر كله كان هادي.
أنا فضلت باصة على المكان، مش قادرة أتحرك.
لكن الصدمة الأكبر...
إني لمحت حاجة بتلمع تحت الميه.
كانت خوذة غوص قديمة...
وجنبها...
هيكل عظمي كامل، مربوط في الصخرة بجنزير سميك، وكأن حد متعمد يسيبه هناك من سنين.
كريم بدأ يرجع لورا وهو بيصرخ بشكل هستيري، وعينيه كلها رعب.
لكن قبل ما يهرب...
الهيكل العظمي اتحرك...
ببطء شديد...
ورفع راسه ناحيتنا.
وقتها حسيت إن نفسي اتقطع...
لأن الجمجمة، رغم إنها مجرد عضم...
كان واضح جدًا إنها... بتبتسم اتجمدت مكاني.
كنت ببص للجمجمة، وبحاول أقنع نفسي إن اللي شوفته مجرد انعكاس ضوء تحت الميه.
لكن كريم ماكانش بيحاول يقنع نفسه بحاجة...
كان بيرجع لورا بجنون، بيخبط في الميه بإيديه ورجليه، ولسانه مش قادر ينطق غير جملة واحدة
سامحني... والله غصب عني... سامحني.
الكلمة دي خلت الرعب جوايا يتضاعف.
سامحني؟
يعني هو يعرف اللي تحت؟
قبل ما ألحق أفكر، حسيت بحاجة شدت رجلي من تحت.
صرخت ورفست بكل قوتي، ولما بصيت لقيت مجرد شبكة صيد قديمة كانت ملفوفة حوالين كاحلي.
فكيتها بسرعة، لكن الثواني دي كانت كفاية إن كريم يبعد عن الصخرة عشرات الأمتار.
وأول ما بعد...
رجعت بصيت للتجويف.
كان فاضي.
لا إيد.
لا سلسلة.
ولا حتى الهيكل العظمي.
كأن كل اللي شوفته اختفى في ثانية.
طلعت أجري وراه لحد ما وصلنا الشط.
كالعادة...
أول ما لمس الرمل وقع مغشيًا عليه.
الناس اتلمت، وأنا المرة دي ما اتكلمتش.
فضلت باصة على إيده.
كانت مقبوضة بقوة.
لما

تم نسخ الرابط