جوزي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

سبعتاشر سنة بيموت كل يوم.
كل الموجودين سكتوا.
وبدأ يحكي.
قال إنهم كانوا تلاتة هو، وماهر، وكريم.
وفي آخر رحلة صيد، اكتشف ماهر أن إبراهيم كان بيستخدم المركب في تهريب آثار صغيرة ينتشلها غواصون من قاع البحر ويبيعها في السوق السوداء.
ماهر هدده إنه هيبلغ الشرطة.
حصلت خناقة فوق المركب.
وفي وسط الزق، اختل توازن ماهر ووقع في البحر.
كريم نط وراه فورًا.
أما إبراهيم...
فهرب بالمركب.
قالها وهو باصص في الأرض
أنا خوفت... وسيبتكم.
سأله الضابط
وجثة ماهر راحت فين؟
سكت ثواني...
ثم قال
لما رجعت بعد ساعات... كان مات.
ربطته في صندوق الحديد... وخبيت كل حاجة تحت الصخرة.
السكوت خيم على المكان.
أنا بصيت لكريم.
كان بيعيط بصمت.
مش لأنه قتل صاحبه...
لكن لأنه عاش كل السنين دي مقتنع إنه السبب في موته.
إبراهيم كمل
كل مرة كنت أشوفك بترجع للمكان... كنت أراقبك.
ولما كنت تصرخ... كنت أعرف إن الذنب لسه بيأكلك.
لكنك عمرك ما افتكرت وشي.
الضابط أمر بتفتيش الغرفة الغارقة.
وبعد ساعات...
انتشلوا صندوق الحديد.
وكانت بداخله بالفعل بقايا ماهر، إلى جانب مقتنيات وأدلة كثيرة مرتبطة بعمليات تهريب قديمة.
بعد أيام، أثبتت التحقيقات أن وفاة ماهر كانت نتيجة الغرق بعد سقوطه في البحر، ولم يثبت أن كريم دفعه عمدًا، بينما وُجهت إلى إبراهيم اتهامات بإخفاء الجثة وطمس الأدلة وجرائم أخرى مرتبطة بالتهريب.
ظننت أن الكابوس انتهى.
لكن في الليلة الأخيرة...
استيقظ كريم فجأة.
بص ناحية شباك الأوضة المطل على البحر.
وقال بهدوء غريب لأول مرة منذ سنين
النهارده... البحر ساكت.
ولأول مرة من سبعتاشر سنة...
نام حتى الصبح... دون أن يصرخ مرّ أسبوع كامل.
ولأول مرة من سنين، كريم بطل يصحى مفزوع نص الليل.
بطل يقف في البلكونة يبص للبحر بالساعات.
حتى الأولاد لاحظوا إنه رجع يضحك معاهم.
كنت فاكرة إن القصة انتهت.
لكن بعد أسبوعين، جرس الباب رن.
فتحت...
لقيت راجل كبير في السن، لابس بدلة قديمة، وفي إيده ظرف أصفر.
قال بهدوء
حضرتك مدام كريم؟
هززت راسي.
ناولني الظرف وقال
ده أمانة... المرحوم ماهر طلب تتتسلم لو جرى له أي حاجة.
اتصدمت.
قلت
إنت بتقول إيه؟
قال
أنا كنت محامي القرية زمان... والظرف ده كان في خزنة مكتبي من سنين. بعد ما سمعت في الأخبار إنهم لقوا جثمانه، عرفت إن الوقت جه.
ومشي.
قفلت الباب بسرعة.
وكريم كان واقف ورايا.
أول ما شاف اسم ماهر على الظرف...
إيده بدأت تترعش.
فتحناه.
كان جواه جواب مكتوب بخط الإيد، وصورة قديمة ليهم هما التلاتة.
وفي آخر الجواب، كان فيه سطر خلانا نبص لبعض في ذهول
لو الرسالة دي وصلت، يبقى أنا غالبًا مت. لكن لو مت... اعرفوا إن اللي كنت خايف منه عمره ما كان إبراهيم.
أنا بصيت لكريم.
وشه اصفر.
قلبنا الورقة بسرعة.
وكان باقي الرسالة بيقول
إبراهيم حرامي... لكنه مش قاتل. الشخص اللي كنت بخاف منه بجد كان واحد رابع. محدش كان يعرف إنه بينزل معانا البحر.
في آخر الصفحة...
كان فيه اسم واحد.
بس الاسم كان ممسوح بحبر أسود، كأن حد تعمد يخفيه.
وتحت الاسم مباشرة...
عنوان قديم في الإسكندرية.
وكريم همس بصوت مرتعش
العنوان ده...
ده بيت أبويا القديم.
وفجأة...
تليفونه رن.
رقم مجهول.
رد وهو فاتح السماعة.
لكن محدش اتكلم.
كل اللي سمعناه كان صوت أمواج البحر...
وبعدين صوت راجل عجوز بيقول بهمس
أوعوا تفتحوا البدروم...
وانقطع الخط اتجمدنا مكاننا.
كريم كان ماسك التليفون، وباصص للشاشة كأنه مستني الرقم يرجع يتصل.
لكن المكالمة انتهت.
ولا فيه رقم ظاهر.
ولا حتى سجل للمكالمة.
قلت له وأنا بحاول أتماسك
إيه حكاية البدروم؟
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال بصوت واطي
البيت القديم... كان فيه بدروم فعلًا.
بس من يوم ما أبويا مات، قفلناه بالطوب.
سألته
ليه؟
هز راسه وقال
محدش كان بينزل فيه... وأبويا كان بيقول دايمًا إنه خطر لأنه بيغرق لما البحر يعلى.
الكلمة دي علقت في دماغي.
بيغرق.
يعني البدروم كان متصل بالبحر؟
في صباح اليوم التالي، رحنا للعنوان المكتوب في الرسالة.
البيت كان مهجور.
الشبابيك مكسورة.
والحيطان كلها رطوبة وملح.
الجيران قالوا إن محدش دخله من أكتر من خمسة عشر سنة.
دخلنا بحذر.
كل حاجة كانت مغطاة بالتراب.
لكن الغريب...
إن آثار أقدام جديدة كانت واضحة على الأرض.
يعني حد دخل المكان قريب جدًا.
تتبعنا الآثار لحد باب خشبي قديم في آخر الممر.
كان هو باب البدروم.
وعليه طبقة طوب وأسمنت قديمة.
لكن جزء منها كان مكسور.
كأن حد فتحه ورجع قفله بسرعة.
كريم وقف قدامه، ووشه شاحب.
وقال
أنا آخر مرة شفته... كان عندي 18 سنة.
جبنا شاكوش من العربية، وبدأنا نكسر الطوب.
بعد دقائق...
الباب فتح بصوت صرير طويل.
ريحة رطوبة قوية خرجت من الداخل.
نزلنا بالسلم.
كل درجة كانت تغرق في الميه لحد الكاحل.
وفي آخر السلم...
كان فيه ممر حجري طويل.
وفجأة سمعنا...
قطرة مية.
ثم واحدة تانية.
ثم صوت خطوات.
مش خطواتنا...
خطوات حد تاني.
وقفنا.
الصوت وقف.
مشينا.
رجع يمشي.
كريم همس
إحنا مش لوحدنا.
سلطت كشاف الموبايل قدامنا.
وفي آخر الممر...
بان باب حديد ضخم.
وعليه نفس رمز المرساة اللي كان موشوم على ذراع إبراهيم.
لكن تحت المرساة...
كان فيه نقش عمرنا ما شفناه قبل كده.
أربع حروف فقط
م . ن . ر
وقبل ما نقرب...
سمعنا صوت قفل بيتفتح من الناحية التانية...
وكأن حد كان مستنينا من البداية كريم شدني من إيدي وهمس
متتحركيش.
لكن الفضول كان أقوى من الخوف.
صوت القفل اتكرر...
ثم الباب الحديد اتفتح ببطء، وهو بيطلع صرير طويل رجّ المكان كله.
سلطت كشاف الموبايل.
في الأول، ماشفناش غير تراب ورطوبة.
وبعدين...
كرسي خشب قديم.
وترابيزة.
وعليها ملفات متكومة.
المفاجأة إن المكان ماكانش مخبأ فيه كنز، ولا سراديب مرعبة...
كان شكله أقرب لمكتب قديم.
دخلنا بحذر.
كل ملف كان عليه سنة.
2006...
2007...
2008...
2009...
كريم فتح ملف سنة 2009.
أول ورقة وقعت منه كانت صورة.
ولما رفعتها...
اتسمرت.
الصورة كانت لمجموعة شباب واقفين على مركب.
كريم.
ماهر.
إبراهيم.
وشخص رابع.
لكن وش الشخص الرابع كان متقطع بموس حاد، كأن حد تعمد يمحيه من كل الصور.
وفي ضهر الصورة مكتوب بخط اليد
اللي يخون العهد... البحر ياخده.
كريم بدأ يتنفس بسرعة.
وقال
الجملة دي...
أبويا كان بيقولها.
بصيت له باستغراب.
يعني أبوك كان يعرفهم؟
رد وهو بيهز راسه ببطء
أكتر من كده...
أبويا هو اللي جمعنا أول مرة.
قبل ما ألحق أسأله...
سمعنا صوت ارتطام قوي فوقنا.
حد دخل البيت.
طفيت كشاف الموبايل بسرعة.
وصوت خطوات بدأ ينزل السلم.
خطوة...
ثم الثانية...
ثم الثالثة...
وقف الشخص عند آخر درجة.
وساد صمت مرعب.
وبعدين...
نور كشاف قوي اتسلط علينا فجأة.
وصوت راجل قال بهدوء
كنت متأكد إن الرسالة هتوصلكم.
رفعنا إيدينا قدام النور.
ولما النور اتحرك بعيد عن وشه...
شهقت.
لأن الراجل اللي واقف قدامنا...
كان نسخة طبق الأصل من ماهر.
نفس الملامح...
نفس العينين...
لكن أكبر منه بحوالي عشرين سنة.
قال بهدوء
أنا يوسف...
أخو ماهر التوأم.
ثم قفل الباب الحديد وراه...
وقال
واللي هحكيه دلوقتي... هيغير كل حاجة كنتم فاكرين إنكم عارفينها يوسف حط الكشاف على الترابيزة، وبص لكريم نظرة طويلة.
ولا واحد فينا اتكلم.
هو اللي كسر الصمت.
قال
أول حاجة... ماهر ماكانش توأمي.
أنا وكريم بصينا لبعض باستغراب.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
كنت مستني أشوف رد فعلكم.
طلع بطاقة شخصية قديمة من جيبه، وحطها قدامنا.
كان اسمه فعلًا يوسف ماهر السيوفي.
قال
أنا أخوه الكبير... مش التوأم. قلت كده بس عشان أعرف إذا كنتم هتصدقوا أي حاجة تتقال.
بدأ الشك يرجعلي.
قلت بعصبية
إنت عايز إيه؟
تنهد وقال
عايز الحقيقة.
فتح أحد الملفات القديمة.
كان فيه عقود، وصور، ومحاضر شرطة من سنين.
وقال
بعد اختفاء أخويا، فضلت أدور ورا الحقيقة سنين.
لحد ما اكتشفت إن إبراهيم أخفى الجثة... لكن ماكانش هو اللي بدأ كل حاجة.
كريم همس
يبقى مين؟
يوسف مد ورقة قديمة ناحيته.
كانت فاتورة شراء لمعدات غوص.
وفي خانة المشتري...
كان مكتوب اسم والد كريم.
ساد صمت ثقيل.
لكن يوسف رفع إيده بسرعة وقال
قبل ما تفتكر إن أبوك قاتل... اسمعني للآخر.
كريم قعد على أقرب كرسي، ملامحه كلها خوف.
يوسف كمل
أبوك كان بيشتغل مع خفر السواحل متطوع زمان.
وكان بيساعد الشرطة تبلغ عن أي تهريب في البحر.
لما عرف إن فيه شبكة بتهرب آثار... طلب
تم نسخ الرابط