جوزي بقلم زهرة الربيع
المحتويات
فتحتها...
لقيت جواها نفس السلسلة الصدئة اللي شفته رماها في البحر.
صرخت ورميتها بعيد، لكن قبل ما تقع على الرمل، لمحت فيها ميدالية صغيرة محفور عليها تاريخ
17 8 2009
وتحت التاريخ اسم واحد...
ماهر.
الاسم ده ضربني زي الصاعقة.
لأن ماهر... كان صاحب عمر كريم.
الراجل اللي اختفى في البحر من سبعتاشر سنة.
وقتها البلد كلها قالت إنه غرق في رحلة صيد، وجثته عمرها ما اتلاقت.
لكن كريم...
يومها رجع لوحده.
وقال إنه حاول ينقذه وفشل.
فضلت أبص لكريم وهو فاقد الوعي.
ولأول مرة في حياتي، سؤال واحد سيطر على دماغي
هو كريم كان شاهد على غرق صاحبه... ولا كان السبب فيه؟
وفي الليلة دي...
وأنا بدور في المخزن على أي حاجة تخص رحلة الصيد القديمة...
لقيت صندوق خشب مترب، عليه قفل مكسور.
فتحته...
وكانت الصدمة إن جواه كاميرا مقاومة للمياه، قديمة جدًا.
ولما شحنتها بعد ساعات طويلة...
اشتغلت.
وكان عليها ملف فيديو واحد فقط...
مدة الفيديو ثماني دقائق.
وأول لقطة ظهرت على الشاشة...
كانت لكريم وماهر، واقفين فوق مركب، بيتخانقوا بعنف...
ثم فجأة...
اتجهت الكاميرا ناحية البحر، وسمعنا صرخة تقطع القلب، قبل أن تنقطع الصورة تمامًا إيدي كانت بتترعش وأنا بدوس تشغيل من أول.
الصورة كانت مهزوزة، واضح إن الكاميرا كانت متعلقة في صدر حد.
في البداية...
كريم وماهر كانوا بيضحكوا، وبيجهزوا شباك الصيد.
بعدها بدقايق، الجو اتغير.
سمعت ماهر بيقول بعصبية
أنا مش هسكت يا كريم... لازم ترجعها لأصحابها.
كريم رد بصوت واطي، لكن المايك التقطه
أنت فاهم غلط.
لا... أنا فاهم كل حاجة.
بعدها حصل زق خفيف بين الاتنين.
الصورة اهتزت بعنف.
وفجأة...
الكاميرا وقعت على أرضية المركب، وبقت بتصور من تحت.
مبقاش ظاهر غير رجولهم.
سمعت صوت ارتطام قوي...
وبعدين...
صرخة.
ولما الكاميرا استقرت، ظهر ماهر وهو بيقع في البحر.
كريم جرى ناحية الحافة وهو بيصرخ
ماهر... امسك!
لكن الفيديو قطع فجأة.
قعدت مكاني مذهولة.
الفيديو ما أثبتش إن كريم زقه.
ولا أثبت إنه حاول ينقذه.
ترك كل حاجة ناقصة.
لكن اللي لفت انتباهي...
إن آخر ثانية قبل انقطاع التصوير...
ظهر شخص ثالث.
مجرد رجلين.
حد كان مستخبي في آخر المركب.
قفلت الفيديو بسرعة.
كريم كان صحي من الإغماء، وواقف ورايا.
وشه كان أبيض.
بص للشاشة، وقعد على الأرض.
قال بصوت مبحوح
إنتي شوفتيه؟
قلت مين؟
بلع ريقه وقال
الراجل اللي كان واقف ورا ماهر...
أنا اتسمرت.
لأني كنت فاكرة إني اتخيلت.
قلت أنت تعرفه؟
هز راسه بالنفي وهو بيعيط لأول مرة من يوم ما اتجوزناه.
وقال
لا... ودي المصيبة.
سكت شوية، وبعدين كمل
لما ماهر وقع... نطيت وراه على طول.
لكن قبل ما أوصله... شفت راجل تحت الميه.
ماكنش بيعوم.
كان... واقف.
حاولت أتكلم، لكنه كمل وهو بينهج
كان واقف على قاع البحر... وباصص لينا.
ولما قربت من ماهر... الراجل ده مد إيده، وشد ماهر لتحت.
فضلت أحاول أنزله... لكن كل ما أقرب... ألاقيه أبعد.
ولما فقدت نفسي... سيبته وطلعت.
بصلي بعينين مليانين ذنب.
ومن يومها... كل ما أرجع نفس المكان... بشوفه واقف زي ما هو.
وبيكون معاه ماهر...
كل مرة... يقربوا أكتر.
سكت.
وفي نفس اللحظة...
طلع صوت إشعار من الكاميرا.
مع إنها كانت قديمة ومفيهاش شريحة.
بصيت للشاشة...
ولقيت رسالة جديدة ظهرت لوحدها.
مكتوب فيها
الفيديو اكتمل...
وتحتها زر واحد فقط
تشغيل الجزء الثاني بصيت لكريم.
وشه فقد كل لون.
مد إيده بسرعة وقفّل شاشة الكاميرا وهو بيصرخ
لا... متفتحيهوش!
سألته وأنا قلبي بيدق بعنف
ليه؟
قعد على الكنبة، وحط وشه بين إيديه، وقال بصوت مكسور
لأني عمري ما قدرت أشوفه... كل مرة أوصل للدقيقة التامنة، الكاميرا تفصل.
رجعت بصيت للشاشة.
زر تشغيل الجزء الثاني كان لسه موجود.
ضغطت عليه.
اشتغل الفيديو فورًا.
أول ثواني كانت كلها سواد...
وصوت تنفس حد بيجري.
بعدها الصورة بدأت توضح.
الكاميرا كانت تحت الميه.
بتصور من القاع لفوق.
وشفت كريم... وهو بينزل يدور على ماهر.
كل حاجة كانت مطابقة لكلامه.
لكن فجأة...
ظهر ماهر.
كان بيحاول يطلع لفوق بكل قوته.
وفجأة...
إيده اتشدت لتحت.
لكن اللي شدها...
ماكانش راجل غريب.
كان حبل غليظ مربوط في قدمه.
والحبل كان رايح ناحية شق بين الصخور.
الكاميرا قربت تلقائيًا.
وهنا ظهرت الحقيقة لأول مرة.
الحبل ماكانش مربوط في صخرة...
كان مربوط في صندوق حديد ضخم غارق في القاع.
والصندوق كان مفتوح نص فتحة.
ومن داخله...
كانت خارجة عشرات السلاسل الصدئة.
كل سلسلة مربوطة بحاجة مختلفة...
ساعة.
خاتم.
سلسلة فضة.
نظارة.
وأشياء شخصية باين إنها تخص ناس كتير.
وفجأة...
ظهر شخص.
كان لابس بدلة غوص سوداء كاملة.
وشه مستخبي خلف قناع.
انحنى على ماهر...
وفك الحبل من رجله.
لكن بعد فوات الأوان.
ماهر كان خلاص فقد وعيه.
الشخص بص ناحية الكاميرا مباشرة.
رفع صباعه قدام بقه...
وأشار بإشارة معناها
اسكت.
ثم مد إيده...
وقفل عدسة الكاميرا بكفه.
وانتهى الفيديو.
أنا وكريم فضلنا ساكتين.
أول واحد اتكلم كان هو.
قال وهو بيرتعش
أنا... عمري ما شوفت الراجل ده.
لكن أنا ماكنتش ببص للشاشة.
كنت ببص على حاجة تانية.
في اللحظة اللي الراجل قرب من الكاميرا...
ظهر على معصمه وشم صغير جدًا.
وشم على شكل مرساة...
وتحتها رقم
27.
قلبي وقع.
لأن الوشم ده...
أنا شفته قبل كده.
وشفته قريب جدًا...
على ذراع الشخص الوحيد اللي كان كل مرة يقف يتفرج على كريم وهو بيغمى عليه على الشاطئ...
رجل الإنقاذ نفسه فضلت ساكتة.
حاسّة إن الكلام لو خرج مني هيبقى مجرد صريخ.
رجعت بعقلي لكل مرة كنا بننزل فيها البحر.
كل مرة كريم يصرخ...
كان فيه شخص واحد أول واحد يجري علينا.
رجل الإنقاذ.
كان دايمًا يوصل قبل أي حد، يبعد الناس، ويقول
سيبوه... دي حالة نفسية.
وقتها كنا بنشكره.
دلوقتي...
الجملة نفسها خلت ضهري يقشعر.
بصيت لكريم وقلت
إحنا هننزل بكرة.
انتفض وقال
إنتي اتجننتي؟
قلت بحزم
لأ... بس المرة دي مش هنكون لوحدنا.
في اليوم التاني، من غير ما يعرف، كلمت واحد صاحبي شغال ضابط في شرطة المسطحات المائية. حكيت له كل اللي حصل، طبعًا ما صدقش حكاية الهيكل العظمي، لكن صدق إن فيه فيديو قديم وفيه شخص مجهول، ووافق يراقب من بعيد.
نزلنا البحر كأن كل حاجة طبيعية.
كريم سبح في نفس الاتجاه.
وأنا وراه.
ومن بعيد، كان فيه زورق صغير واقف، عليه الضابط ورجاله.
أول ما كريم وصل عند الصخرة...
حصل شيء غريب.
رجل الإنقاذ... اللي المفروض يكون على البر...
كان بينزل البحر هو كمان.
لكن ما نزلش قدام الناس.
لف من ناحية بعيدة، وكان لابس بدلة غوص سوداء.
الضابط لمح حركته، وأشار لرجالته يتحركوا.
أنا كنت مركزة مع كريم.
لقيته واقف قدام التجويف، وبيهمس
أنا رجعت...
وفجأة...
طلع نفس صوت الخبط.
طق... طق... طق...
لكن المرة دي...
الصوت كان معدني.
مش جاي من جوه الصخرة.
كان جاي من تحتها.
رجل الإنقاذ غطس بسرعة ناحية التجويف.
وقبل ما يوصل...
طلع الضابط من الناحية التانية، وصاح بأعلى صوته
شرطة! اطلع على السطح فورًا!
في لحظة واحدة...
كل حاجة انفجرت.
رجل الإنقاذ حاول يهرب.
لكن وهو بيجري تحت الميه، خبط في جزء من الصخور.
الصخرة نفسها اتحركت.
واتفتح ممر ضيق كان مستخبي تحتها.
ومن داخله...
خرجت فقاعات هوا كتير.
ولأول مرة...
بان إن المكان مش مجرد صخرة.
كان مدخل غرفة إسمنتية قديمة غارقة، شكلها جزء من منشأة بحرية مهجورة.
والصدمة الأكبر...
إن داخل الغرفة كانت مرصوصة صناديق معدنية قديمة، وأدوات غوص، وحبال، وآثار واضحة إن حد كان بيستخدم المكان لسنين.
أما رجل الإنقاذ...
فلما عرف إنه محاصر...
خلع القناع بنفسه.
وبمجرد ما كريم شاف وشه...
صرخ صرخة أقوى من كل اللي قبلها، وقال
إنت...!
إنت كنت على المركب يوم ما مات ماهر!
...يتبع كريم كان بيترعش وهو بيشاور عليه.
الرجل حاول يهرب، لكن أفراد شرطة المسطحات سبقوه، وحاصروه من كل ناحية.
أول ما طلعوا بيه على الشاطئ، قلع الضابط قناع الغوص بالكامل.
كان راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه هادية بشكل مستفز.
بص لكريم وابتسم ابتسامة خفيفة وقال
افتكرتني أخيرًا.
اتسمرت في مكاني.
كريم همس
إبراهيم...
سألته بسرعة
مين إبراهيم؟
رد وهو لسه عينيه عليه
كان صاحب ماهر... وكان بينزل معانا رحلات صيد زمان.
إبراهيم ضحك وقال
مش صاحبه... كنت شريكه.
الضابط قاطعه بحدة
الكلام ده هتقوله في القسم.
لكن إبراهيم رفع إيده وقال
سيبني أخلص... لأن الراجل ده عاش
متابعة القراءة