جوزي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

من ماهر وإبراهيم يقربوا منهم عشان يبلغوا عنهم.
أنا قلت
يعني كانوا بيشتغلوا مع الشرطة؟
هز راسه.
بشكل غير رسمي.
لكن قبل تنفيذ الخطة... حصلت حادثة المركب.
كريم رفع عينيه وقال
يعني أبويا كان بريء؟
يوسف رد بهدوء
في اللي أعرفه... أيوه.
ثم سكت لحظة، وأضاف
لكن فيه حاجة واحدة لسه ناقصة.
أخرج من الملف مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، عليه نفس رمز المرساة.
وقال
المفتاح ده لقيناه متخبي في هدوم أخويا.
وماعرفناش يفتح إيه.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت احتكاك معدن بمعدن.
كلنا لفينا.
كان مصدر الصوت من آخر الغرفة.
خزانة حديد قديمة جدًا.
وعليها نفس شكل القفل...
اللي يناسب المفتاح تمامًا يوسف مسك المفتاح... لكن إيده وقفت قبل ما تدخله في القفل.
بص لكريم وقال
لو فتحناها... مفيش رجوع.
كريم رد من غير تردد
أنا عشت سبعتاشر سنة وأنا ميت كل يوم... الحقيقة مهما كانت أهون.
دخل المفتاح.
لفه ببطء...
تك... تك...
وصوت القفل دوّى في البدروم كله.
باب الخزانة اتحرك سنتيمترات قليلة، وكأن حد من جوه كان ماسكه.
أنا رجعت خطوة لورا.
يوسف شد الباب بكل قوته.
ولما اتفتح...
لقينا رفوف مليانة دفاتر قديمة وصناديق صغيرة.
لكن الحاجة اللي شدت انتباهنا...
جهاز تسجيل كاسيت قديم.
وفوقه ورقة مكتوب عليها
يُشغَّل فقط إذا اختفى ماهر.
قلبي كان هينط من مكانه.
يوسف ضغط زر التشغيل.
في الأول طلع صوت تشويش...
وبعدين...
طلع صوت راجل.
صوت هادئ، لكنه متوتر.
كريم شهق
ده... صوت أبويا.
الصوت قال
لو التسجيل ده بيتسمع، يبقى الخطة فشلت.
أنا اسمي حسن، ولو ابني كريم بيسمعني دلوقتي... فاسمعني للآخر ومتقاطعنيش.
كريم بدأ يعيط.
أما أنا، فكنت حاسة إن كل كلمة هتقلب حياتنا.
التسجيل كمل
ماهر وافق يساعدني نكشف شبكة تهريب الآثار.
لكن اكتشفنا إن الشبكة أكبر بكتير من اللي توقعناه.
فيه شخص جوا البلد... الكل فاكره راجل محترم.
هو اللي بيدير كل حاجة.
يوسف قبض على الترابيزة بعنف.
قال
مين؟ قول اسمه...
لكن في نفس اللحظة...
صوت التسجيل اتقطع.
وبدل صوت الأب...
طلع صوت تشويش عالي جدًا.
ثم...
صوت باب البدروم بيتقفل من فوق.
كلنا جرينا ناحية السلم.
لكن الباب كان اتقفل بالفعل.
وسمعنا صوت أقفال حديد بتتركب من الخارج.
وبعدين...
وصلنا صوت راجل بيضحك.
وقال بصوت واضح
كنتوا قريبين جدًا من الحقيقة...
لكن الحقيقة... هتدفن معاكم هنا.
وفجأة...
انطفأت كل الأنوار.
وغرق البدروم في ظلام دامس...
ثم بدأنا نسمع صوت مياه...
بتدخل ببطء من أسفل الجدران... وكأن المكان كله بدأ يمتلئ بالماء المياه بدأت تزحف على الأرض ببطء.
في الأول وصلت للكاحل.
بعدها بدقائق بقت عند منتصف الساق.
الظلام كان خانق، ومفيش غير نور كشاف واحد مع يوسف.
كريم فضل يخبط بكل قوته في الباب الحديد.
افتح! افتح يا جبان!
لكن مفيش رد.
فجأة...
يوسف صرخ
استنوا!
جري ناحية الحيطة المقابلة، وبدأ يزيح رفوف الخشب القديمة.
وراها كان فيه باب صغير جدًا، باين إنه متقفل من سنين.
قال وهو بيلهث
في الرسومات القديمة للبيت كان فيه ممر هروب للطوارئ... يمكن ده هو.
بدأنا نزق الباب مع بعض.
مرة...
واتنين...
وثلاثة...
لحد ما انكسر القفل.
أول ما اتفتح، اندفع منه هواء بارد جدًا.
دخلنا بسرعة، وقفّلنا الباب ورانا.
الممر كان ضيق لدرجة إننا كنا ماشيين جنب بعض بصعوبة.
لكن بعد حوالي خمسين متر...
سمعنا نفس الضحكة.
جاية من قدامنا.
اتجمدنا.
إزاي؟
إحنا سمعنا الراجل فوق، إزاي بقى قدامنا؟
نور يوسف سلّط على آخر الممر.
كان فاضي.
لكن على الحائط مكتوبة جملة باللون الأحمر
البحر يحتفظ بأسراره... لكنه لا يحمي الخونة.
تحت الجملة...
كان فيه سهم.
اتبعناه.
وصلنا لغرفة دائرية صغيرة.
وفي نصها...
كرسي حديد.
ومثبت عليه راجل عجوز، إيديه ورجليه مربوطين بسلاسل.
كان ضعيف جدًا، لكنه لسه عايش.
أول ما شاف يوسف...
بدأ يعيط.
وهمس
كنت عارف... إنك هتوصل.
يوسف قرب منه وهو مذهول.
إنت مين؟
العجوز رد
أنا... عمران.
الاسم وقع على كريم كالصاعقة.
همس
عمران؟!
أنا بصيت له.
قال بصوت مرتعش
ده الاسم اللي أبويا كان بيخاف حتى ينطقه.
العجوز رفع رأسه بصعوبة.
وبص لكريم مباشرة.
وقال
أنا مش زعيم الشبكة...
...أنا آخر شاهد عليها.
وقبل ما يكمل...
سمعنا دوي انفجار خافت.
والممر كله بدأ يهتز.
وتراب السقف بدأ يقع فوق رؤوسنا.
العجوز صرخ بكل اللي باقي له من قوة
اهربوا... المكان كله متفخخ من زمان... ولو وقع السقف، الحقيقة هتختفي للأبد!الأرض اهتزت تحت رجلينا.
المياه بدأت تعلى أسرع، والتراب بينزل من السقف في كتل كبيرة.
جريت أنا ويوسف نفك السلاسل من على عمران، بينما كريم كان بيدور بجنون على أي مخرج.
لكن السلاسل كانت قديمة وسميكة.
يوسف شدها بكل قوته وهو بيصرخ
هات أي حاجة نكسر بيها القفل!
كريم لمح سيخ حديد واقع على الأرض.
مسكه وبدأ يخبط.
خبطة...
اتنين...
تلاتة...
لحد ما القفل اتكسر.
أول ما عمران وقف على رجليه، وقع تاني.
كان ضعيف جدًا.
كريم شاله على كتفه.
وقتها العجوز مسك ياقة كريم وهمس
اسمعني كويس...
أبوك... مات وهو بيحاول يحميك.
كريم وقف مكانه.
قال بذهول
إيه؟
لكن عمران زقه وهو بيصرخ
اجري!
جرينا في الممر، والمياه ورا ضهرنا بقت بتندفع بقوة.
كل شوية جزء من السقف يقع.
وأخيرًا لمحنا ضوء في آخر النفق.
طلعنا منه...
لقينا نفسنا في مغارة صغيرة مفتوحة على البحر.
في الخارج كانت سيارات الشرطة والإسعاف.
واضح إن الضابط كان قلقان علينا، ولما ملقاش حد خرج، استدعى فرق الإنقاذ.
أول ما خرجنا...
انهار جزء كبير من النفق خلفنا.
واختفى المدخل بالكامل تحت الصخور.
نقلوا عمران للمستشفى فورًا.
وقبل ما يدخل غرفة العمليات، طلب يشوف كريم لوحده.
بعد حوالي عشر دقائق، خرج كريم.
وشه كان كله دموع.
قلت له
قالك إيه؟
طلع من جيبه ظرف صغير.
كان عليه اسم والده.
فتحه قدامي.
كان فيه خطاب قديم، وآخر سطر فيه كان
يا كريم... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا معرفتش أحمي الحقيقة، لكن أوعى تعيش عمرك أسير الذنب. أنت بريء... وماهر سامحك قبل ما يموت.
كريم وقع على ركبتيه.
وبكى...
مش من الخوف.
لكن لأن الحمل اللي كان شايله على قلبه لمدة سبعتاشر سنة...
اتشال أخيرًا.
أما عمران...
فبعد ساعات قليلة، توفي في المستشفى.
وأخذ معه أسرارًا كثيرة لم تُعرف أبدًا.
لكن الحقيقة الأهم ظهرت أخيرًا
كريم لم يقتل صديقه.
ولم يتركه بإرادته.
كان مجرد شاب حاول ينقذ أعز أصحابه...
وعاش سنوات يعاقب نفسه على شيء لم يرتكبه.
تمت.

تم نسخ الرابط