خبيت عن جوزي

لمحة نيوز

يا فندم... مستنيين وصوله.
سألته بهدوء
هو في الطريق؟
ابتسم لأول مرة وقال
خلال دقائق... وهيكون بنفسه هنا.
أما كريم، فكان واقف بعيد، يحاول يفهم مين الشخص الذي ينتظر الجميع وصوله... ولماذا تحول المستشفى كلها فجأة إلى حالة استعداد غير عادية، بينما بدأ الخوف الحقيقي يتسلل إلى قلبه لأول مرة كريم حاول يقرب مرة تانية، لكن فرد الأمن مد إيده يمنعه.
قال بانفعال
أنا زوجها... ومحدش يقدر يمنعني أشوفها.
قبل ما الأمن يرد، خرج طبيب النساء من غرفة الولادة بسرعة وقال
المريضة محتاجة تدخل فورًا، ضغطها بيعلى، وكل دقيقة دلوقتي مهمة.
بدأوا يحركوا السرير ناحية غرفة العمليات.
وأنا كنت بين الوعي والإغماء.
لكن قبل ما الباب يتقفل، سمعت كريم بينادي باسمي
ياسمين!
كانت أول مرة ينطق اسمي بخوف من شهور...
بس الوقت كان فات.
أبواب غرفة العمليات اتقفلت.
وبره...
بقى كريم واقف لوحده في الممر، يبص حواليه باستغراب.
لاحظ إن كل شوية ضابط يدخل المستشفى، يقف باحترام، ويسأل سؤال واحد
وصلت؟
ولما يعرف إني دخلت العمليات، يهز رأسه ويقف في مكانه وكأنه بينتظر حدثًا مهمًا.
بعد حوالي عشر دقائق...
وصلت عربية سوداء فخمة قدام المستشفى.
نزل منها رجل كبير في السن، شعره كله أبيض، لكنه كان واقف بثبات وهيبة.
كان لابس بدلة مدنية بسيطة.
أول ما دخل، كل الموجودين اعتدلوا في وقفتهم.
حتى الرجل اللي كان جاي ياخدني من البيت مشي ناحيته بسرعة.
كريم افتكر إنه يمكن مسؤول كبير في الدولة.
فحاول يقرب ويسأله
حضرتك تعرف مراتي؟
الرجل بص له بهدوء شديد.
ثم سأله سؤالًا واحدًا
أنت كريم منصور؟
رد بفخر
أيوه.
هز الرجل رأسه، وكأنه تأكد من معلومة كان يعرفها بالفعل.
ثم قال
تمام.
ولا زاد كلمة.
ولا صافحه.
ولا حتى سأله عن حالة زوجته.
المشهد كله كان غريب.
بعد دقائق قليلة، خرج الطبيب من غرفة العمليات وابتسم ابتسامة واسعة.
وقال بصوت مرتفع
الحمد لله... الأم والطفلة بخير.
تنفس كريم الصعداء، وحاول يدخل بسرعة.
لكن الممرضة أوقفته قائلة
استنى لو سمحت.
في اللحظة نفسها...
انفتح باب المصعد.
وخرج منه ثلاثة ضباط بزيهم العسكري الرسمي.
كانوا يسيرون بخطوات ثابتة، وملامحهم شديدة الجدية.
وفور أن وصلوا إلى باب غرفة ياسمين...
وقفوا في صف واحد.
ثم اعتدلوا جميعًا في وضع الانتباه.
أما كريم، فبدأ ينظر إليهم في حيرة، بعدما لاحظ أن كل من في الممر وقف احترامًا لهم.
ثم همس أحد العاملين لزميله بصوت خافت
واضح إن الشخص اللي لسه واصل أهم منهم كلهم...
وفجأة...
ساد صمت كامل في الممر.
حتى أصوات الأجهزة بدت وكأنها اختفت.
واتجهت أنظار الجميع نحو باب المستشفى الرئيسي...
بعدما دخل منه رجل يرتدي الزي العسكري الكامل، وعلى كتفه ثلاث نجوم تلمع بوضوح.
وفي اللحظة التي وقع فيها بصره على باب غرفة ياسمين...
رفع يده بالتحية العسكرية...
واتجه بخطوات ثابتة نحو الغرفة، بينما تجمد كريم في مكانه، غير قادر على استيعاب ما يراه، ولا يعرف لماذا يؤدي جنرال بهذه الرتبة التحية لزوجته الجنرال وصل قدام باب الغرفة، ورد الضباط الثلاثة التحية العسكرية في نفس اللحظة.
ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم
افتحوا.
اتفتح الباب فورًا.
دخل الجنرال، واختفى عن أنظار الجميع.
أما كريم، فكان واقف في الممر، ملامحه شاحبة.
التفت للممرضة وسألها
هو... هو مين ده؟
الممرضة هزت كتفها وقالت
معرفش... لكن من ساعة ما بلغوا بوصوله، المستشفى كلها دخلت حالة استعداد.
مرت دقائق بدت لكريم كأنها ساعات.
ثم انفتح الباب مرة تانية.
خرج الجنرال أولًا، ووقف لحظة في الممر.
كل الموجودين اعتدلوا في وقفتهم.
وبدون أي مقدمات، رفع يده مرة أخرى، وأدى التحية العسكرية باتجاه الغرفة.
ثم قال بصوت سمعه كل من في المكان
الحمد لله على سلامتك يا عقيد ياسمين السيوفي.
وقع اللقب على كريم كأنه صاعقة.
عقيد؟
بص حواليه، مستني حد يضحك أو يقول إن فيه سوء تفاهم.
لكن محدش اتكلم.
أحد الضباط رد بثقة
الحمد لله على سلامتها يا فندم.
كريم همس لنفسه
عقيد؟!... مستحيل... هي كانت بتقولي إنها شغالة شغل إداري.
وفي اللحظة دي، خرجت السيدة الأنيقة اللي كانت موجودة قبل كده، وبصت لكريم نظرة طويلة وقالت
هي عمرها ما قالتلك غير الحقيقة.
رفع عينه لها باستغراب.
فكملت
كانت فعلًا في عمل إداري... لكن داخل واحدة من أهم الوحدات، وكانت طبيعة عملها تمنعها من الكلام.
بدأ العرق ينزل من جبين كريم.
قال بصوت متوتر
أنا... أنا جوزها.
السيدة ردت بهدوء
على الورق... لحد دلوقتي.
ثم سلمت الجنرال ملفًا بني اللون.
فتح أول صفحة، وراجعها بسرعة.
ثم قال
وصل التقرير القانوني؟
أجاب الرجل الذي جاء إلى المنزل
وصل يا فندم.
أغلق الجنرال الملف، ثم نظر إلى كريم لأول مرة نظرة مباشرة.
وقال
واضح إن عندك حاجات كتير ماكنتش تعرفها عن زوجتك.
ابتلع كريم ريقه بصعوبة.
وقبل أن ينطق بكلمة، خرج موظف ببدلة رسمية يحمل حقيبة جلدية سوداء، واتجه مباشرة إلى الجنرال.
فتح الحقيبة، وأخرج منها ملفًا سميكًا مختومًا بعدة أختام رسمية.
قال باحترام
يا فندم... وصل اعتماد نقل الملكية النهائي من المحكمة، وكل الإجراءات القانونية انتهت منذ أقل من ساعة.
أخذ الجنرال الملف، وابتسم ابتسامة خفيفة.
ثم التفت ببطء نحو غرفة ياسمين، وقال
إذن... لم يعد هناك سبب لإخفاء الحقيقة.
أما كريم، فظل ينظر إلى الملف في ذهول، بعدما لمح في الصفحة الأولى رقمًا ضخمًا، لكنه لم يستطع قراءة بقية التفاصيل قبل أن يُغلق الملف مرة أخرى.
وشعر لأول مرة أن السر الذي أخفته عنه ياسمين طوال الشهور الماضية... أكبر بكثير مما كان يتخيل كريم مد رقبته يحاول يشوف اللي مكتوب على أول ورقة.
لكن الجنرال قفل الملف بهدوء، وسلّمه للرجل اللي كان واقف جنبه.
قال له
احتفظ بيه... هيتسلم لصاحبته بنفسها.
كريم ماقدرش يمنع نفسه.
قال بصوت مهزوز
هو... هو ملف إيه؟
محدش رد عليه.
كرر السؤال بصوت أعلى
أنا زوجها... ومن حقي أعرف.
المحامي اللي كان لابس بدلة رسمية تقدم خطوة وقال بهدوء
للأسف يا أستاذ كريم... الملف ده يخص السيدة ياسمين وحدها.
إزاي؟
لأنه خاص بميراثها، واستثماراتها، وإجراءات قانونية انتهت الليلة.
اتسعت عينا كريم.
ميراث؟
المحامي فتح الورقة الأولى لثوانٍ، فقط ليتأكد من الختم، ثم أغلقها مرة أخرى.
لكن كريم لمح سطرًا واحدًا قبل أن تُغلق.
...القيمة الإجمالية للأصول عشرون مليون دولار أمريكي...
شعر أن قدميه لم تعودا تحملانه.
قال وهو يهز رأسه
لا... أكيد أنا قريت غلط.
المحامي قال بثبات
لا... حضرتك قرأت بشكل صحيح.
ساد صمت ثقيل في الممر.
حتى الممرضات توقفن عن الحركة للحظات.
كريم بص ناحية باب الغرفة، وكأن الصورة كلها بدأت تتجمع قدامه.
افتكر كل مرة كان يشتكي فيها من الفلوس...
وكل مرة كانت ياسمين تقوله
اصبر... كل حاجة هتتحل في وقتها.
وافتكر اليوم اللي عرض عليها تبيع دهبها.
فوافقت من غير نقاش.
رغم إنها وقتها كانت بالفعل صاحبة ثروة تكفي إنها تشتري العمارة كلها.
همس لنفسه
كانت... كانت تقدر تنقذنا.
المحامي سمعه.
فرد بهدوء
كانت تقدر.
رفع كريم رأسه بسرعة.
ليه ماعملتش كده؟
رد المحامي
لأنها كانت ملتزمة بالقانون... وأي تصرف قبل انتهاء إجراءات نقل الملكية كان ممكن يضيع حقها بالكامل.
ثم أضاف
ومع ذلك... لم أسمعها يومًا تشتكي منك، ولا تطلب استخدام أي نفوذ أو استثناء.
كريم سند إيده على الحائط.
كان كل شيء ينهار أمامه.
لكن الصدمة الأكبر لسه جاية.
في تلك اللحظة...
فتح باب الغرفة بهدوء.
خرجت ياسمين على السرير، وهي تحتضن طفلتها الصغيرة.
كانت مرهقة جدًا... لكن ملامحها هادئة.
أول ما شافها كريم، جرى ناحيتها.
ياسمين... اسمعيني... أنا...
لكن قبل ما يكمل، وقف أحد الضباط بينه وبين السرير.
وقال باحترام
لو سمحت... الدكتورة طلبت عدم إرهاق المريضة.
كريم رفع صوته
دي مراتي!
فنظرت إليه ياسمين لأول مرة منذ وصولها إلى المستشفى.
كانت نظرة هادئة... خالية من الغضب.
وده اللي خوّفه أكثر من أي صراخ.
فتحت شفتيها بصعوبة وقالت
سيبوه... يخليه يتكلم.
اقترب كريم خطوة، وبدأت الكلمات تتزاحم على لسانه...
لكن قبل أن ينطق، رن هاتف ياسمين الموضوع بجوار السرير.
نظر الجنرال إلى الشاشة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
المكالمة دي... كنتِ مستنياها من شهور.
أخذت ياسمين الهاتف، ونظرت إلى اسم المتصل.
ثم رفعت عينيها إلى الجنرال، الذي أومأ لها بالموافقة.
ضغطت زر الرد...
وفور أن سمعت الصوت في الطرف الآخر، تغيرت ملامحها تمامًا، بينما قال المتصل
مبروك يا عقيد... صدر القرار الرسمي ياسمين أغمضت عينيها للحظة، وهي ما زالت تحتضن طفلتها.
قالت بصوت متعب
تمام يا فندم... وصلتني الرسالة.
ثم سكتت وهي تستمع للطرف الآخر.
كل الموجودين في الممر كانوا يحاولون يفهموا ما يحدث، لكن لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب.
بعد ثوانٍ، أنهت المكالمة، وسلمت الهاتف للجنرال.
ابتسم لها وقال
ألف مبروك... القرار أصبح نافذًا من هذه اللحظة.
ثم التفت إلى أحد الضباط.
نفذوا التعليمات.
رد الضابط فورًا
أوامرك يا فندم.
كريم لم يعد يحتمل.
اقترب خطوة وقال بانفعال
حد يفهمني! قرار إيه؟ وتعليمات إيه؟
نظر إليه الجنرال بهدوء شديد، ثم قال
ليس هذا الوقت المناسب.
لكن كريم لم يسكت.
دي مراتي... وأنا من حقي أعرف.
قبل أن يرد الجنرال، دخل رجل في منتصف الخمسينات يرتدي بدلة رسمية ويحمل حقيبة جلدية سوداء.
كان نفس المحامي الذي أشرف على وصية الحاج محمود السيوفي.
تقدم حتى وقف بجوار سرير ياسمين، ثم أخرج ظرفًا كبيرًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال باحترام
مدام ياسمين... بناءً على تعليمات المرحوم الحاج محمود، لا يُفتح هذا الظرف إلا بعد تحقق ثلاثة شروط.
ساد الصمت.
حتى كريم نسي غضبه.
ياسمين رفعت رأسها وسألته
والشروط اكتملت؟
ابتسم المحامي
تم نسخ الرابط