خبيت عن جوزي

لمحة نيوز

صوتها وهي تقول بهدوء
إنت لسه هنا؟
وقف بسرعة.
أنا مستنيكي تصحي.
ليه؟
بلع ريقه.
عشان أعتذر.
نظرت إليه للحظات، ثم قالت
الاعتذار الحقيقي بيكون قبل ما الإنسان يكسر اللي قدامه... مش بعد ما يعرف قيمته.
لم يجد ما يرد به.
في تلك اللحظة، دخل المحامي والجنرال معًا.
قال المحامي
كل الناس وصلت القصر.
سألت ياسمين
وفؤاد؟
وصل هو كمان.
أغلق الجنرال الملف الذي بيده وقال
والجلسة هتبدأ خلال ساعة.
بعد الظهر...
تحرك الموكب إلى قصر الحاج محمود السيوفي.
كان قصرًا قديمًا تحيط به حديقة واسعة، ولم تدخله ياسمين منذ جنازة جدها.
بمجرد نزولها من السيارة وهي تحمل طفلتها، شعرت بذكريات طفولتها تهاجمها دفعة واحدة.
هنا كانت تلعب.
وهنا كان جدها يجلس كل مساء يحتسي الشاي.
وهنا كان يقول لها دائمًا
اليوم اللي هتعرفي فيه الحقيقة... هتفهمي ليه كنت بخبي عنك حاجات كتير.
دخل الجميع إلى القاعة الرئيسية.
جلس المحامي في المنتصف.
وعلى يمينه ياسمين.
وعلى يساره فؤاد.
أما كريم، فجلس في الصف الخلفي، لا يملك أي حق في الحديث، لكنه أصر على الحضور.
أخرج المحامي الظرف المختوم.
ثم قال
باسم القانون، وبناءً على وصية المرحوم الحاج محمود السيوفي، أبدأ الآن بقراءة الرسالة.
فتح الرسالة ببطء.
وساد الصمت.
ثم بدأ يقرأ
إذا وصلتِ إلى هذه اللحظة يا ياسمين، فاعلمي أولًا أنني فخور بك، ليس لأنك أصبحتِ ضابطًا ناجحًا، ولا لأن الله رزقك بطفلة... بل لأنك لم تفرطي في كرامتك رغم كل ما مررتِ به.
ابتسمت ياسمين والدموع تملأ عينيها.
واصل المحامي القراءة
ستسمعين اليوم كلامًا كثيرًا، وستظهر أوراق كثيرة، لكن هناك حقيقة واحدة لم أقلها لأحد طوال ثلاثين عامًا.
نظر الجميع إلى بعضهم.
حتى فؤاد تغيرت ملامحه.
ثم قرأ المحامي السطر التالي...
فتوقف فجأة.
رفع رأسه ببطء.
ونظر إلى ياسمين.
قالت بقلق
كمّل.
تنهد المحامي، ثم قرأ بصوت واضح
فؤاد لا يكذب عندما يقول إن له حقًا... لكنه لا يعرف الحقيقة كاملة.
قفز فؤاد من مكانه.
وقال بغضب
أنا كنت عارف!
لكن المحامي رفع يده طالبًا الصمت.
ثم أكمل
أما الحقيقة التي أخفيتها عن الجميع... فهي أن هناك صندوقًا ثانيًا، غير الذي ورثته ياسمين، ولم أذكر مكانه لأي إنسان.
ساد ذهول في القاعة.
حتى الجنرال بدا متفاجئًا.
وأكمل المحامي
وفي هذا الصندوق... يوجد الدليل الوحيد الذي سيحسم النزاع، وسيكشف اسم الشخص الذي يستحق كل شيء.
وفي أسفل الرسالة...
كانت هناك جملة قصيرة بخط الحاج محمود
مفتاح الصندوق... ليس مع المحامي... ولا مع فؤاد... ولا حتى مع ياسمين.
ثم سقط من بين أوراق الرسالة ظرف صغير لم يكن أحد قد لاحظه من قبل...
وعليه اسم شخص واحد فقط...
يُسلَّم إلى... كريم منصور تجمدت القاعة كلها.
كل الأنظار اتجهت نحو الظرف الصغير.
حتى كريم نفسه رفع رأسه بذهول، وكأنه لم يستوعب ما سمعه.
قال بتردد
أنا...؟
أعاد المحامي النظر إلى الظرف ليتأكد.
ثم قرأ الاسم مرة أخرى
يُسلَّم إلى السيد كريم منصور... بيده فقط.
ساد همس بين الحاضرين.
فؤاد ابتسم ابتسامة ساخرة وقال
واضح إن المرحوم كان عامل حساب لكل حاجة.
أما ياسمين، فبدت عليها الدهشة.
لم تكن تعرف بوجود هذا الظرف أصلًا.
تقدم كريم بخطوات بطيئة، وأخذ الظرف من يد المحامي.
كانت يداه ترتجفان.
فتح الختم بحذر.
وأخرج ورقة واحدة فقط.
بدأ يقرأ بصمت...
وفجأة تغير لون وجهه.
قالت ياسمين بقلق
مكتوب إيه؟
لم يرد.
كرر المحامي السؤال
يا أستاذ كريم... ماذا كتب المرحوم؟
رفع كريم الورقة ببطء، وقال بصوت متقطع
الرسالة... مش ليا.
نظر الجميع إليه باستغراب.
قال
جدي... أقصد الحاج محمود... كتب فوق إذا وصل هذا الظرف إلى يد كريم، فهذا يعني أنه ظل بجوار ياسمين حتى يوم كشف الحقيقة.
سكت لحظة، ثم أكمل بصعوبة
لكن... أنا ماعملتش كده.
ساد الصمت.
وأكمل القراءة
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة لأنك بقيت سندًا لياسمين، فاعلم أنني أشكرك، وقد تركت لك أمانة صغيرة تقديرًا لوفائك.
توقف كريم، وأغمض عينيه.
ثم أكمل بصوت مكسور
أما إذا كنت تقرأها بعد أن خذلتها في أشد لحظاتها... فلا تفتح الدرج الموجود في مكتبي، ولا تطالب بما بداخله، لأن الأمانة ليست حقًا لمن تخلّى عنها.
انخفضت يد كريم ببطء.
شعر أن الكلمات لم تكن مجرد رسالة...
بل حكم عليه.
نظر إلى ياسمين، فلم يجد في عينيها شماتة.
فقط حزن عميق.
اقترب منها خطوة وقال
أنا... أستحق كل كلمة.
لكن قبل أن يكمل...
نهض فؤاد فجأة، وقال
لحظة.
التفت الجميع إليه.
قال وهو ينظر إلى المحامي
الرسالة ذكرت درجًا في المكتب.
أومأ المحامي.
صحيح.
ابتسم فؤاد ابتسامة غامضة.
إذن لننتهِ من التخمين.
اتجه مباشرة نحو مكتب الحاج محمود الموجود في زاوية القاعة.
فتح أحد الأدراج بسهولة.
لكنه لم يجد شيئًا.
أغلقه وفتح الثاني...
ثم الثالث...
حتى وصل إلى درج صغير في الأسفل، كان يبدو عاديًا جدًا.
حاول فتحه.
لكنه كان مغلقًا.
أخرج المحامي مفتاحًا من جيبه.
وقال
هذا مفتاح المكتب.
لكن المفاجأة...
أن المفتاح لم يدخل أصلًا في القفل.
اقترب الجنرال، وتأمل القفل لثوانٍ.
ثم قال
هذا ليس قفلًا عاديًا.
وفي تلك اللحظة...
كانت الطفلة الصغيرة بين ذراعي ياسمين تبكي.
وأثناء محاولة تهدئتها، سقطت من بطانيتها قطعة معدنية صغيرة لامعة، لم يرها أحد من قبل.
التقطها المحامي.
نظر إليها... ثم إلى الدرج.
واتسعت عيناه.
وقال بدهشة
مستحيل...
رفع القطعة أمام الجميع، ثم قال
دي... مش لعبة أطفال.
نظر إليه الجنرال وسأله
إيه هي؟
أجاب المحامي وهو يقلبها بين أصابعه
دي مفتاح... لكن مش لأي باب.
ثم نظر إلى الدرج المغلق، وأضاف
دي بالضبط النسخة الوحيدة اللي تناسب القفل ده.
أما ياسمين، فلم تفهم كيف وصل المفتاح إلى بطانية ابنتها... ولا من الذي وضعه هناك قبل ساعات من ولادتها أمسك المحامي المفتاح المعدني الصغير، وتأمله للحظات، ثم قال
المرحوم الحاج محمود كان أذكى مما تخيلنا جميعًا.
اقترب من المكتب، وأدخل المفتاح في القفل.
هذه المرة...
دخل بسهولة.
ثم أدار المفتاح ببطء.
تك...
صدر صوت خافت، وانفتح الدرج.
لكن لم يكن بداخله مال.
ولا مجوهرات.
ولا عقود ملكية.
كان بداخله صندوق خشبي صغير، ورسالة أخيرة.
فتح المحامي الرسالة، وقرأ بصوت مرتفع
إذا وصلتم إلى هنا، فهذا يعني أن كل إنسان كشف حقيقته بنفسه. لذلك، لا تجعلوا المال سببًا في ضياع ما تبقى من العائلة.
ثم فتح الصندوق.
كان بداخله ملف واحد فقط.
أخرجه المحامي، وابتسم.
وقال
انتهى كل شيء.
فتح الملف أمام الجميع.
كانت بداخله النسخة النهائية من الوصية.
وجاء فيها
جميع استثمارات الحاج محمود، بما فيها الصندوق الاستثماري البالغ 20 مليون دولار، تؤول بالكامل إلى حفيدته ياسمين السيوفي.
أما فؤاد، فله حقه المالي المحدد في شراكته القديمة، وقد تم إيداعه منذ سنوات في حساب قانوني باسمه، لكنه لم يعلم بذلك قط.
ولا يحق لأي شخص آخر المطالبة بأي جزء من التركة.
أطرق فؤاد رأسه.
نظر إلى الأوراق، ثم إلى المحامي.
قال بصوت منخفض
إذن... لم يظلمني.
أجابه المحامي
لا... لكنه أراد أن تتأكد بنفسك.
اقترب فؤاد من ياسمين، وقال
سامحيني... ظننت أن حقّي ضاع.
ابتسمت ياسمين وقالت
إذا كان جدي سامحك قبل وفاته، فمن أكون أنا حتى لا أسامح؟
مد فؤاد يده، فصافحته، وانتهى الخلاف الذي استمر عشرات السنين.
أما كريم...
فكان يقف في آخر القاعة، ورأسه منخفض.
اقترب بخطوات بطيئة، وقال والدموع في عينيه
أنا مش طالب فلوس... ولا بيت... ولا أي حاجة.
نظر إلى طفلته، ثم إلى ياسمين.
أنا بس بطلب فرصة أصلح اللي عملته.
سادت لحظة صمت.
ثم قالت ياسمين بهدوء
أنا أقدر أسامح... لكن المسامحة شيء، والرجوع شيء آخر.
أخرجت من حقيبتها أوراقًا كانت قد وقعتها في المستشفى.
وضعتها أمامه.
نظر إليها...
فوجدها دعوى طلاق.
قالت
لما طردتني وأنا بولد، كنت أنت اللي اخترت نهاية جوازنا.
وقع كريم على الأوراق دون اعتراض.
كان يعلم أنه لا يملك عذرًا.
مرّت ستة أشهر...
تولت ياسمين منصبها العسكري الجديد، وأدارت أموال الميراث في مشروعات خيرية ومنح تعليمية باسم جدها، تنفيذًا لوصيته.
كبرت طفلتها وسط الحب والكرامة.
أما كريم، فابتعد بهدوء، يزور ابنته في المواعيد التي يسمح بها القانون، ويحاول أن يكون أبًا صالحًا، بعدما فشل أن يكون زوجًا صالحًا.
وفي يوم افتتاح أول مؤسسة خيرية باسم الحاج محمود السيوفي، وقفت ياسمين أمام صورته، وقالت بابتسامة
كنت عندك حق يا جدي... القوة الحقيقية مش في إن الإنسان ينتقم... القوة إنه يعرف إمتى يقفل باب انتهى، ويفتح باب جديد يستحقه.
وانتهت الحكاية... بعدما خسر كريم أغلى إنسانة في حياته، ليس لأنها أصبحت صاحبة ثروة، ولا لأنها عقيد يحترمها الجميع، بل لأنه لم يقدّرها وهي بجواره، إلا بعد أن فقدها.

تم نسخ الرابط