خبيت عن جوزي
المحتويات
لأول مرة.
نعم.
اذكرها.
فتح دفترًا صغيرًا وقرأ
الشرط الأول... اكتمال إجراءات نقل الميراث.
وقد اكتملت.
الشرط الثاني... صدور القرار العسكري المنتظر.
وقد صدر منذ دقائق.
أما الشرط الثالث...
توقف فجأة.
ثم رفع عينيه إلى كريم.
وقال ببطء شديد
...أن تظهر حقيقة الأشخاص المحيطين بك دون أن تتدخلي لتغييرها.
شحب وجه كريم.
أما ياسمين...
فاكتفت بإغماض عينيها، وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا.
المحامي مد يده بالظرف إليها.
لكنها لم تفتحه.
قالت بهدوء
اقرأه أنت.
فتح المحامي الظرف بحذر.
أخرج منه عدة أوراق، وبينها رسالة مكتوبة بخط يد الحاج محمود.
نظر إليها للحظة، ثم قال
هل أنتِ متأكدة؟
أومأت برأسها.
بدأ يقرأ السطر الأول بصوت واضح
إلى حفيدتي ياسمين... إذا كنتِ تسمعين هذه الرسالة، فهذا يعني أن كل ما خططت له قد اكتمل، وأن الشخص الذي اخترته ليكون شريك حياتك كشف بنفسه حقيقة معدنه، دون أن تحتاجي إلى اختباره أو اتهامه.
رفع كريم رأسه فجأة، وكأن الكلمات أصابته في قلبه.
لكن المحامي لم يكمل القراءة...
بل أغلق الرسالة مرة أخرى، وقال
بقية الرسالة... لن تُقرأ إلا أمام جميع الأشخاص الذين ذكرهم المرحوم بالاسم.
ثم نظر إلى الجنرال وأضاف
والأسماء الموجودة هنا... ستجعل الليلة مختلفة تمامًا عما يتخيله أي شخص في هذا المستشفى ظل كريم يحدق في الظرف، وكأنه يتمنى أن يخطفه ويعرف ما بداخله.
لكن المحامي أعاده إلى الحقيبة الجلدية، وأغلقها بالمفتاح.
قال بهدوء
وصية المرحوم كانت واضحة... لا تُفتح الرسالة كاملة إلا في المكان الذي حدده، وبحضور الأشخاص المذكورين.
سأل الجنرال
الموعد؟
أجاب المحامي
غدًا... الساعة السادسة مساءً.
والمكان؟
قصر الحاج محمود السيوفي.
ارتبك كريم.
القصر؟
طوال سنوات زواجه من ياسمين، لم يسمعها تذكر قصرًا واحدًا.
كان يظن أن جدها كان مجرد تاجر بسيط ترك لها بيتًا قديمًا في القرية.
لكن يبدو أن الحقيقة مختلفة تمامًا.
وقبل أن ينطق، دخلت ممرضة تحمل ملف خروج مؤقت.
قالت للطبيب
تم تجهيز الجناح.
رد الطبيب بسرعة
انقلوا العقيد ياسمين إلى الجناح الخاص.
استغرب كريم.
جناح خاص؟
الممرضة نظرت إليه وقالت بعفوية
الجناح الرئاسي... تم حجزه بالكامل.
اتسعت عيناه.
هو يعرف أسعار تلك الأجنحة.
كان يعتقد أن من يدخلها رجال أعمال أو وزراء فقط.
أما ياسمين...
التي كان يعاتبها منذ أيام لأنها اشترت ملابس للمولودة دون أن تستشيره...
فإذا بها تُنقل إلى أفخم جناح في المستشفى.
تحرك السرير ببطء.
وللمرة الأولى منذ بداية الليلة، فتحت الطفلة الصغيرة عينيها.
ابتسمت ياسمين رغم تعبها، ولمست خد ابنتها برفق.
وفي تلك اللحظة، اقترب كريم وهو يكاد يبكي.
قال بصوت مكسور
ياسمين... أنا غلطت.
لم ترد.
والله غلطت... كنت مضغوط، ومش فاهم أنا بعمل إيه.
بقيت صامتة.
اديني فرصة أصلح كل حاجة.
رفعت عينيها إليه أخيرًا.
وقالت بهدوء أربكه أكثر من أي صراخ
الفرص كانت كتير يا كريم.
ثم حولت نظرها إلى ابنتها.
لكن بعض القرارات... لما تتاخد، مستحيل ترجع.
وقبل أن يرد...
رن هاتف المحامي.
استمع لثوانٍ، ثم تغيرت ملامحه تمامًا.
أغلق الهاتف بسرعة، واتجه إلى الجنرال.
همس في أذنه بكلمات قصيرة.
اختفت الابتسامة من وجه الجنرال فورًا.
وسأل بجدية
متأكد؟
أومأ المحامي.
وصلت المستندات قبل دقائق.
التفت الجنرال إلى ياسمين وقال
يبدو أن عندنا مفاجأة جديدة.
سألت وهي مستغربة
خير؟
نظر إليها لحظة، ثم قال
هناك شخص آخر تقدم اليوم بطلب رسمي يدّعي أنه الوريث الشرعي لثروة الحاج محمود السيوفي... ومعه أوراق تبدو سليمة.
ساد صمت ثقيل في الجناح.
أما كريم... فنسي كل مشكلته في لحظة.
لأن الجميع أدرك أن معركة الميراث الحقيقية... لم تبدأ بعد ياسمين لم تنطق بكلمة.
كانت تنظر إلى ابنتها الصغيرة وكأنها تحاول أن تبعد عنها أي توتر.
أما المحامي، فأخرج هاتفه ووضعه أمام الجنرال.
ظهرت عليه صورة لطلب رسمي يحمل اسم شخص لم يكن موجودًا في حياة ياسمين منذ سنوات.
عقد الجنرال حاجبيه وقال
هو...؟
أومأ المحامي.
نعم... بنفسه.
تنهد الجنرال وقال
كنت أتمنى ألا يظهر.
كريم لم يعد قادرًا على التحمل.
قال بعصبية
هو مين؟! حد يفهمني!
التفت إليه المحامي وقال بهدوء
هذا شأن عائلي.
ثم عاد بنظره إلى ياسمين.
هل تريدين أن تعرفي الاسم الآن؟
هزت رأسها بالإيجاب.
فتح المحامي الملف، ثم قال
الاسم الموجود في الطلب هو...
وقبل أن ينطق، انفتح باب الجناح بعنف.
دخل رجل في أواخر الستينات، يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وخلفه شاب يحمل حقيبة مليئة بالأوراق.
بمجرد أن رآه المحامي، تغيرت ملامحه.
وقال بدهشة
أستاذ فؤاد؟!
ابتسم الرجل ابتسامة باردة.
واضح إنكم سبقتموني.
رد المحامي بحزم
ما الذي جاء بك إلى هنا؟
قال وهو ينظر مباشرة إلى ياسمين
جئت لأحصل على حقي.
سادت حالة من الصمت.
ثم أخرج من حقيبته نسخة قديمة من وصية مختومة.
ووضعها على الطاولة أمام الجميع.
وقال بثقة
هذه وصية كتبها الحاج محمود قبل وفاته بثلاث سنوات.
رفع المحامي حاجبه.
هذا مستحيل.
رد الرجل
ولماذا؟
لأنني كنت محاميه الشخصي طوال خمسة عشر عامًا... ولم أر هذه الوصية من قبل.
ابتسم فؤاد مرة أخرى.
لأنها لم تكن عندك.
ثم نظر إلى ياسمين وقال
جدك لم يترك لك كل الحقيقة.
بدأ التوتر يملأ الغرفة.
حتى كريم، الذي كان قبل ساعة يظن أن حياته انتهت، أصبح ينظر إلى الأوراق في ذهول.
اقترب الجنرال من الطاولة وقال بصوت حازم
لن تُناقش أي مستندات هنا.
لكن فؤاد لم يتراجع.
بل قال
لا أريد مناقشتها الآن.
ثم نظر إلى ياسمين نظرة طويلة وأضاف
أريد فقط أن أخبرك بشيء واحد...
توقف لثوانٍ، ثم أكمل
إذا فتحتِ الرسالة التي تركها جدك غدًا... قبل أن تقرئي هذه الوصية، فقد تخسرين حقًا لم تكوني تعرفين أنه موجود أصلًا.
ساد الصمت من جديد.
أما ياسمين، فاكتفت بالنظر إليه دون أن يظهر على وجهها أي انفعال.
ثم قالت بهدوء
إذا كان معك مستند حقيقي... فالقانون هو الذي سيفصل بيننا.
ابتسم فؤاد ابتسامة غامضة، وأعاد الوصية إلى حقيبته.
وقبل أن يغادر، التفت إلى كريم، وقال جملة أربكته أكثر من الجميع
لو كنت عرفت زوجتك كما ينبغي... لما كنت آخر واحد يكتشف أن الليلة دي ليست بداية النهاية... بل بداية كشف أسرار عمرها أكثر من ثلاثين سنة.
ثم خرج من الجناح، تاركًا الجميع في حالة ذهول، بينما بقيت الحقيبة التي كان يحملها مساعده مغلقة... وكأنها تخفي سرًا قد يغيّر كل ما اعتقدوه عن الحاج محمود وميراثه ظل باب الجناح مفتوحًا لثوانٍ بعد خروج فؤاد.
لم يتحرك أحد.
كان الصمت أثقل من أي كلام.
أغلق الجنرال الباب بنفسه، ثم التفت إلى المحامي وقال
هل تعرفه جيدًا؟
أخذ المحامي نفسًا عميقًا.
أعرفه... لكنه اختفى من حياة الحاج محمود من أكثر من خمسة وعشرين سنة.
سألت ياسمين لأول مرة باهتمام
كان مين بالنسبة لجدي؟
نظر إليها المحامي، ثم قال
كان شريكه.
ارتسمت الدهشة على وجهها.
شريكه؟!
في بداية حياتهما، أسسا شركة استيراد معًا. وبعد سنوات حصل خلاف كبير بينهما، وانفصل كل واحد في طريقه. ومن يومها، الحاج محمود رفض يذكر اسمه أمام أي حد.
كريم كان يستمع في صمت.
كل دقيقة تمر، يكتشف أن زوجته كانت تعيش حياة كاملة لا يعرف عنها شيئًا.
وفجأة...
رن هاتف المحامي مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة، ثم قال بسرعة
وصل التقرير.
فتح البريد الإلكتروني، وبدأ يقرأ.
كلما تقدم في القراءة، ازدادت ملامحه جدية.
رفع رأسه وقال
الوصية اللي مع فؤاد...
توقف.
شكلها أصلية.
تجمدت ياسمين.
إزاي؟
الختم مطابق، والتوقيع مطابق... لكن ده ما يثبتش إنها آخر وصية.
تنفس الجنرال بارتياح.
يعني لسه الكلمة الأخيرة للقضاء.
بالضبط.
في تلك اللحظة، دخلت الممرضة وهي تحمل الطفلة.
ابتسمت وقالت
واضح إنها ورثت قوة مامتها... من ساعة ما اتولدت وهي هادية.
ابتسمت ياسمين لأول مرة منذ بداية تلك الليلة.
مدت ذراعيها وأخذت ابنتها بين أحضانها.
كانت تنظر إليها وكأنها تستمد منها القوة.
أما كريم...
فوقف بعيدًا يراقب المشهد.
تذكر كل كلمة جارحة قالها.
وتذكر أنه طرد أم هذه الطفلة من البيت وهي في المخاض.
وفجأة...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
المتصل كان...
رانيا.
تردد للحظة.
ثم أغلق المكالمة.
بعد ثوانٍ، أرسلت له رسالة
أنا مستنياك من ساعتين. قلت إن الليلة هنعلن جوازنا قدام أصحابي. إنت فين؟
وقبل أن يخفي الهاتف...
وقعت عين ياسمين على الرسالة.
لم تقل شيئًا.
اكتفت بالنظر إليه لثوانٍ.
ثم أعادت نظرها إلى ابنتها.
ذلك الصمت كان أقسى على كريم من أي مواجهة.
أسرع ومسح الرسالة، وقال مرتبكًا
ياسمين... أقدر أشرح.
لكنها قالت بهدوء
مش دلوقتي.
ثم أضافت
غدًا... بعد فتح رسالة جدي.
نظر إليها باستغراب.
ليه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة.
وقالت
لأن عندي إحساس إن الرسالة دي... مش هتكشف أسرار جدي وبس.
سكتت لحظة.
ثم أكملت وهي تنظر مباشرة في عينيه
هتكشف أسرار ناس كتير كانوا فاكرين إن الحقيقة هتفضل مدفونة للأبد.
وفي الخارج...
كان فؤاد يقف بجوار سيارته السوداء.
فتح الحقيبة التي كان يحملها مساعده.
أخرج صورة قديمة باهتة.
كانت الصورة تجمع الحاج محمود... ورجلًا آخر... وطفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها عامين.
ابتسم فؤاد وهو ينظر إلى الصورة وقال بصوت منخفض
بكرة... هتعرفي الحقيقة كلها يا ياسمين.
ثم أعاد الصورة إلى الحقيبة، وأغلقها بإحكام، بينما بقي السؤال الذي لم يعرف أحد إجابته بعد
من هي الطفلة الموجودة في الصورة... ولماذا أخفاها الحاج محمود كل هذه السنوات؟في صباح اليوم التالي...
استيقظت ياسمين على صوت أجهزة المراقبة الهادئة، وضوء الشمس المتسلل من نافذة الجناح.
كانت ابنتها نائمة بجوارها.
أما كريم...
فكان جالسًا على الكرسي في آخر الغرفة، بنفس الملابس التي كان يرتديها الليلة الماضية.
لم ينم دقيقة واحدة.
كلما حاول أن يغلق عينيه، سمع صوته وهو يقول لها
اطلبي أوبر.
وسمع نفسه مرة أخرى وهو يطردها من البيت وهي تتألم.
فتح عينيه على
متابعة القراءة