والد مراتي

لمحة نيوز

والد مراتي عاش في بيتي 20 سنه كاملين ، بياكل ويشرب ويلبس من غير ما يدفع قرش ، كنت فاكره عبئ وهم تقيل عليا لحد ما مات ، وبعد ايام من موته جيه الحامي ومعاه ملف فيه الحقيقه اللي غيرت كل شئ!
كان الحاج محمود حمايا عايش في الأوضة الصغيرة اللي في أخر الطرقة، جنب سطح الغسيل.
أما مراتي سعاد، فكانت طول الوقت تقول إن خدمته ورعايته واجب علينا وحق ربنا لان مبقالوش غيرها
وأنا
مع كل أخر شهر، كنت بشوف الخزين بيخلص والبيت بينقص، وفي نفس الوقت شايف الحاج محمود قاعد يشرب الشاي الكشري بتاعه بالراحة ولا كأن في حاجة بتحصل!
هو بصراحة مكنش راجل وحش.
كنت بفضل أكرر الجملة دي بيني وبين نفسي عشان ما أكرهوش.
هو بس
راجل عجوز.
هادي.
ودماغه ناشفة.
راجل حيلته قليلة، لابس جلابية رمادي وطاقية شباك، بيمشي بالعافية يجر رجله للمطبخ، يغرف الفول في أطباق الفخار، ويسخن العيش البلدي، وعمره ما سأل هو كيلو الزيت بكام ولا أنبوبة البوتاجاز بقت بكام.
ساعات كان يبصلي ويقول
ربنا يرضى عليك يا ابني ويفتحها في وشك.
بس الكلام ده
مكنش بيدفع فاتورة الكهربا.
ولا بيلحقنا بتمن دوا السكر والضغط.
ولا بيغطي مصاريف البيت.
طول عشرين سنة، كنت بشقى وأطَفّح الكوتة في ورشة ميكانيكا في السبتية، أرجع بيتي حيلي مهدود وإيديا مليانة شحم أسود، ألاقي الحاج محمود قاعد على كرسيي المفضل، مشغل الراديو على إذاعة القرآن الكريم وبيسقّس القراقيش في الشاي.
كانت سعاد تدافع عنه علطول وتقولي
ده أبويا يا مروان ومالوش غيرنا.
أرد عليها بضيق ونفاذ صبر
وإحنا يعني اللي طافحين الكوتة؟ إحنا بالعافية بنسلك أمورنا!
تروح باكية وساكتة.
وأنا أخرس وأسكت.
أما الحاج محمود
فكان يعمل نفسه مش سامع حاجة ولا دريان باللي بيتقال.
ومشت الأيام والسنين.
أعياد.
ومرقعة ومصاريف مستشفيات.
وديوم بتسد ديون.
وسكوت مالي البيت.
ولادي كبروا وهما مزنوقين في أوضة واحدة عشان جدهم واخد الأوضة الزيادة الوحيدة في الشقة.
وبعت عربيتي الشاهين القديمة عشان أعمله عملية المية البيضا في عينيه.
وأجلت تصليح سقف الصالة اللي بينقط مية عشان دوا القحة والتنفس بتاعه كان أهم.
وكل ما كنت بتعفرت وأجيب أخير
كان يوطي راسه ويقول بصوت مكسور
حقك عليا يا ابني شكل كده بقيت تقيل عليكم وجايب بوزي.
والكلمة دي بالذات كانت بتفركش دماغي وتغيظني أكتر!
لأنها كانت مليانة وجع وحزن.
ولأنها
كانت الحقيقة.
وف يوم الصبح، دخلنا ننده عليه، لقيناه قاعد على كرسيه في البلكونة المزنوقة ورا، الطاقية واقعة على ركبه، والراديو جنب منه لسه شغال وبيذيع بصوت شيخ قديم.
كان باين كأنه نايم.
سعاد صرخت بعلو صوتها.
جريت عليه
بس الحاج محمود كان خلاص، سره إلهي اتطلع ورحل.
جنازته كانت بسيطة أوي.
شوية جيران من الحارة وصحابه القدام.
وسكوت تقيل.
أما باقي ولاده فجوا متأخرين، صرخوا وعملوا مناحة وبكوا بصوت عالي، وبعدين خلعوا بسرعة.
أخوه الكبير، عم سامي، قرب مني وطبطب على كتفي وقال
أرتحت منه ومن همّه أخيراً يا مروان.. حمل وانزاح.
ما رديتش عليه.
عشان كان في جزء وحش وجوايا
كان بيفكر في نفس الكلام ده بالظبط.
وفي الليلة دي، ولأول مرة من عشرين سنة، فضي كرسي الحاج محمود.
بس أنا مش حاسس براحة خالص.
أنا كنت حاسس بقمة الذنب والوجع.
بعد تلات أيام
خبط حد على الباب.
كان راجل لابس بدلة كحلي كاملة، ماسك في إيده شنطة جلد جلدها محترم، وصوته هادي وجاد جداً.
سأل
الأستاذ مروان السالم موجود؟
رديت عليه
أيوه، أنا هو.. خير؟
قال بثبات
أنا جاي بتكليف رسمي من المرحوم الحاج محمود.
سعاد طلعت تجري من ورايا، ووشها اصفرّ
بابا؟!
هز الراجل رأسه وقال
سايب تعليمات صريحة جداً ورسالة شرط أساسي ما تتفتحش ولا تتقرأ إلا بعد دفنه.
بعد ساعة تقريباً، كان عم سامي واصل مع بقية إخواته.
ريحة البرفان الرخيص بتاعهم كانت سابقاهم، والطمع كان بينور في عينيهم زي الكشافات.
قال سامي بضحكة تريقة
رسالة؟ ورسالة إيه دي إن شاء الله؟ هو حيلته حاجة عشان يسيبها؟ ده عاش عالة على جوز بنته عشرين سنة!
بس المحامي ما ابتسمش ولا رد كلمة.
فتح شنطته الجلد بالراحة.
وطلع منها ملف تقيل ومحترم.
وبعديه كيس قماش قديم من بتوع الجنيهات الذهب أو الفضة بتوع زمان.
وبعدين ظرف أصفر مقفول، مكتوب عليه اسمي بخط الحاج محمود المرتعش
مروان
ما كتبش لبنتي.
ولا كتب لعيالي.
كتب اسمي أنا بالذات.
سامي حواجبه اتعقدت وقال بعصبية
أيد الظاهر في حاجة غلط!
رد المحامي ببرود قاتل
مفيش أي غلط هنا.
فجأة حسيت إن رجليا مش شيلاني وركبي بتخبط في بعضها.
لأن الطاولة مكنتش مليانة أوراق بس
دي كانت مليانة سنين كاملة عمري ما فهمتها ولا دريت بيها.
كانت فيه إيصالات سداد قديمة من البنك.
وصور باهتة أبيض وأسود.
ودفتر أزرق صغير مليان أرقام وتواريخ بالقرش والصاغ.
وعشرين سنة من حاجة عمري ما فكرت ألمحها.
تنحنح المحامي وقال
قبل ما نتكلم في أي أملاك أو فلوس الحاج محمود وصى إن الأستاذ مروان يسمع الرسالة دي قدام العيلة كلها.
فتح الظرف بالراحة.
سعاد مسكت في إيدي وجمدت.
أما عم سامي
فالضحكة اللي على وشه اتشفطت واختفت.
بدأ المحامي يقرأ أول سطر
وكان السطر ده كفيل إنه يقسم قلبي نصين
يا مروان يا ابني عارف إنك كنت فاكر طول السنين دي إنني ما بقدمش حاجة ولا حاسس بيك، بس كل لقمة أطعمتهاني وكل قرش شقيت بيه عشان تسترني، كان هو السبب اللي خلاني أخفي كل حاجة وأكتبها باسمك أنت..
بس الغريب مش في السطور اللي كتبها لكن في الكيس القماش القديم اللي المحامي حطه على الطاوله قدامي !!!
صلي على حبيب الله
المحامي مدّ إيده ناحية الكيس القماشي القديم، وحطه قدامي من غير ما ينطق.
الكيس كان شكله عادي جدًا... قماش باهت، مربوط بخيط قطني، وعليه بقعة صفراء من الزمن.
لكن أول ما حطيته في إيدي...
حسيت إنه تقيل.
تقيل بشكل غريب.
بصيت للمحامي باستغراب.
قلت ده فيه إيه؟
رد بهدوء افتحه بنفسك... دي كانت وصية المرحوم.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفك العقدة.
أما عم سامي، فقام من مكانه بسرعة وقال بصوت عالي استنى! لازم نعرف الأول ده يخص مين!
المحامي رفع عينه وقال بصرامة من فضلك اقعد مكانك... الكيس ده باسم الأستاذ مروان، ومحدش له حق يلمسه.
سكت سامي غصب عنه... لكن عينه كانت هتطلع من مكانها.
فتحت الكيس...
وفجأة...
اتناثر على الترابيزة عشرات المفاتيح القديمة.
مفاتيح بأحجام مختلفة...
ومعاها سلسلة نحاس عليها لوحة صغيرة محفور فيها رقم 17.
كل الموجودين بصوا لبعض باستغراب.
سعاد همست مفاتيح إيه دي يا ترى؟
لكن المفاجأة كانت في آخر الكيس...
ظرف صغير مطوي بعناية.
طلعته ببطء.
كان مكتوب عليه بخط الحاج محمود
متفتحوش غير بعد ما المحامي يديكم الدفتر الأزرق.
المحامي ابتسم لأول مرة ابتسامة خفيفة، وفتح الدفتر الأزرق قدامنا.
قال الدفتر ده الحاج محمود كان بيكتب فيه كل حاجة حصلت من أول يوم دخل يعيش معاكم... يوم بيوم... وتاريخ بتاريخ.
قلبي بدأ يدق بعنف.
سامي اتريق وقال يعني مذكرات راجل عجوز... وإحنا هنستفيد إيه؟
المحامي تجاهله تمامًا.
وقلب أول صفحة...
لقينا تاريخ من عشرين سنة.
وتحته سطر واحد فقط
النهارده بعت آخر حتة أرض باسمي... وخبيت تمنها في المكان اللي محدش يتوقعه... حتى ولادي.
البيت كله سكت.
سعاد بصت لأبوها في الصورة القديمة، وبعدين بصت للمحامي.
وأنا حسيت إن نفسي اتقطع.
المحامي قلب الصفحة اللي بعدها...
واتغيرت ملامحه فجأة.
قفل الدفتر بسرعة.
عم سامي صرخ اقرا اللي فيها!
لكن المحامي قال بنبرة حاسمة
لا... المرحوم كتب ملاحظة واضحة جدًا...
الصفحة دي ما تتقريش إلا بعد ما الأستاذ مروان يجاوب على سؤال واحد قدام الجميع.
بصلي مباشرة...
وقال
السؤال اللي الحاج محمود كتبه بنفسه هو...
وسكت لحظة طويلة خلت أنفاسنا كلها تتحبس...
ثم فتح الورقة ببطء، وبدأ يقرأ أول كلمة...المحامي أخد نفسًا عميقًا، وبصلي مباشرة، ثم قرأ بصوت هادئ
يا مروان... جاوبني بصدق، حتى لو الإجابة هتكسرك... لو الزمن رجع بيك عشرين سنة، وكنت عارف إن نهايتي هتبقى زي ما شفتها... هل كنت هتفتحلي باب بيتك برضه؟
البيت كله سكت.
حتى صوت الساعة اللي في الصالة بقى مسموع.
حسيت إن السؤال مش مكتوب على الورقة...
حسيت إنه بيتقال لقلبي.
بصيت للأرض، ولسعاد اللي دموعها نازلة في صمت.
افتكرت كل مرة اتخانقت

تم نسخ الرابط