والد مراتي

لمحة نيوز

على عصايته، وقال بهدوء
لو أنا غلطان... افتح الجلابية بنفسك.
كل اللي في الأوضة بقى بيبص لسامي.
وشه بدأ يحمر.
وبعدين يصفر.
قال وهو بيبلع ريقه
دي إهانة... وأنا مش هسمح...
قاطعه المحامي
لو سمحت يا حاج سامي... خلّي الموضوع ينتهي بهدوء.
سامي لف علشان يمشي.
لكن العجوز قال بصوت ثابت
أول ما دخلتوا الأوضة، أنا كنت واقف تحت العمارة. شفتك خارج لوحدك، وشفتك راجع بعد دقيقتين وإيدك تحت الجلابية. ما كنتش فاهم أخدت إيه... لكن لما سمعت إن الملف اختفى، عرفت.
ساد صمت ثقيل.
سامي حاول يضحك.
ضحكة باهتة.
وقال
معاك دليل؟
العجوز أشار بإيده ناحية صدره.
الدليل عندك إنت.
المحامي قرب خطوة.
وسامي رجع لورا.
وفجأة...
لف بسرعة ناحية الباب يجري.
لكن أنا سبقته.
قفلت الباب.
قلت له لأول مرة بنبرة حادة
لو الملف معاك... طلعه.
فضل يبصلي ثواني.
وبعدين...
أنزل راسه.
ومد إيده من تحت الجلابية.
وأخرج الملف الأسود.
سعاد شهقت.
وأنا حسيت بقلبي بيتقبض.
سامي رمى الملف على الترابيزة بعصبية.
وقال
أيوه... أخدته.
بس مش عشان أسرقه.
أخدته عشان أعرف أبويا مخبي إيه عنّا طول عمره.
العجوز هز رأسه بحزن.
وقال
الطمع بيبدأ دائمًا بنفس الجملة دي.
المحامي التقط الملف، ونفض عنه التراب.
نظر إلى الختم الأحمر.
ثم قال
الحمد لله... الختم لسه سليم.
يعني محدش فتحه.
تنفست الصعداء.
مددت إيدي ناحية الملف.
لكن المحامي أوقفني.
وقال
افتكره كويس...
الحاج محمود كتب وصية أخيرة على ظهر الملف.
قلب الملف ببطء.
وكان مكتوب بخط مرتعش
لو وصل الملف ده لإيد مروان، يبقى دوري انتهى... والحقيقة كلها بقت أمانة في رقبته.
نظرت إلى الختم الأحمر...
ورفعت يدي لأكسره...
وفي اللحظة التي لامست فيها الشمع...
سمعنا طرقًا جديدًا على باب الشقة...
وكان أقوى من أي مرة قبلها عم سامي انتفض من مكانه.
صرخ بصوت عالي
إنت اتجننت يا راجل؟! بتتهمني بسرقة قدام الناس؟
العجوز ما اهزش حتى رمش.
سند على عصايته، وقال بهدوء
لو أنا غلطان... افتح الجلابية بنفسك.
كل اللي في الأوضة بقى بيبص لسامي.
وشه بدأ يحمر.
وبعدين يصفر.
قال وهو بيبلع ريقه
دي إهانة... وأنا مش هسمح...
قاطعه المحامي
لو سمحت يا حاج سامي... خلّي الموضوع ينتهي بهدوء.
سامي لف علشان يمشي.
لكن العجوز قال بصوت ثابت
أول ما دخلتوا الأوضة، أنا كنت واقف تحت العمارة. شفتك خارج لوحدك، وشفتك راجع بعد دقيقتين وإيدك تحت الجلابية. ما كنتش فاهم أخدت إيه... لكن لما سمعت إن الملف اختفى، عرفت.
ساد صمت ثقيل.
سامي حاول يضحك.
ضحكة باهتة.
وقال
معاك دليل؟
العجوز أشار بإيده ناحية صدره.
الدليل عندك إنت.
المحامي قرب خطوة.
وسامي رجع لورا.
وفجأة...
لف بسرعة ناحية الباب يجري.
لكن أنا سبقته.
قفلت الباب.
قلت له لأول مرة بنبرة حادة
لو الملف معاك... طلعه.
فضل يبصلي ثواني.
وبعدين...
أنزل راسه.
ومد إيده من تحت الجلابية.
وأخرج الملف الأسود.
سعاد شهقت.
وأنا حسيت بقلبي بيتقبض.
سامي رمى الملف على الترابيزة بعصبية.
وقال
أيوه... أخدته.
بس مش عشان أسرقه.
أخدته عشان أعرف أبويا مخبي إيه عنّا طول عمره.
العجوز هز رأسه بحزن.
وقال
الطمع بيبدأ دائمًا بنفس الجملة دي.
المحامي التقط الملف، ونفض عنه التراب.
نظر إلى الختم الأحمر.
ثم قال
الحمد لله... الختم لسه سليم.
يعني محدش فتحه.
تنفست الصعداء.
مددت إيدي ناحية الملف.
لكن المحامي أوقفني.
وقال
افتكره كويس...
الحاج محمود كتب وصية أخيرة على ظهر الملف.
قلب الملف ببطء.
وكان مكتوب بخط مرتعش
لو وصل الملف ده لإيد مروان، يبقى دوري انتهى... والحقيقة كلها بقت أمانة في رقبته.
نظرت إلى الختم الأحمر...
ورفعت يدي لأكسره...
وفي اللحظة التي لامست فيها الشمع...
سمعنا طرقًا جديدًا على باب الشقة...
وكان أقوى من أي مرة قبلها الطرق على الباب كان عنيف...
لدرجة إن باب الشقة كله اهتز.
كل اللي في الصالة اتلفت ناحية الباب.
المحامي قال بهدوء
محدش يفتح.
لكن الطرق زاد.
وصوت راجل من بره قال
افتحوا... معايا جواب لازم يوصل للأستاذ مروان حالًا!
بصيت للمحامي.
هز راسه بالموافقة.
فتحت الباب بحذر.
كان راجل في أواخر الخمسين، لابس يونيفورم شركة شحن قديم، وفي إيده ظرف أبيض كبير.
سألني
حضرتك الأستاذ مروان السالم؟
قلت
أيوه.
ناولني الظرف، وقال
الوصية كانت إن الظرف ده يتسلم بعد وفاة الحاج محمود بثلاث أيام... بس حصل تأخير في الإجراءات.
استلمته، ولما بصيت على المرسل...
اتجمدت.
المكتوب كان
يُسلَّم بواسطة الحاج محمود شخصيًا قبل وفاته.
بصيت للراجل باستغراب.
قلت
يعني إيه؟
قال
المرحوم سلّمه بنفسه قبل ما يتوفى بيومين... وقال لو حصله أي حاجة، أوصله في الميعاد ده.
ومشي.
قفلت الباب.
المحامي قال
افتحه.
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة فقط.
وفيها سطران
يا مروان... قبل ما تفتح الملف الأسود، افتح درج الكومود اللي جنب سريري.
استغربت.
قلت
الكومود؟
جرينا كلنا للأوضة.
فتحت الدرج.
كان فاضي...
إلا من علبة دواء قديمة.
شلتها.
لقيت تحتها ظرف صغير جدًا، متلزق بقاع الدرج بشريط لاصق.
لو ما كنتش شلت العلبة...
ما كانش حد هيشوفه أبدًا.
نزعته ببطء.
كان مكتوب عليه
دي آخر حاجة أخبيها عن الكل.
المحامي قال
افتح.
فتحت الظرف.
طلع منه مفتاح صغير جدًا...
وصورة.
الصورة كانت قديمة جدًا.
فيها أنا...
وأنا طفل عندي حوالي خمس سنين.
واقف بين أبويا...
والحاج محمود.
ووراهم عربية نقل.
وعلى ضهر الصورة، بخط الحاج محمود
اليوم ده بدأ كل شيء... واليوم ده هو اللي هيشرح لمروان ليه كنت لازم أفضل جنبه طول العمر.
رفعت عيني للمحامي.
قلت
يعني السر كله بدأ من الصورة دي؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وأشار إلى الملف الأسود.
وقال
أيوه...
وإجابة كل الأسئلة موجودة جوه الملف... اللي لسه محدش فتحه من يوم اتقفل قبل أكتر من عشرين سنة ابتديت أفك الختم الأحمر...
ببطء.
كان قلبي بيدق كأنه هيخرج من صدري.
فتحت الملف...
ملقتش عقود أراضي.
ولا حسابات بنكية.
ولا كنوز.
كان فيه خطاب واحد فقط... ومعاه صورة قديمة.
الصورة كانت لأبويا والحاج محمود واقفين قدام الورشة وهي لسه بتتبني.
الاتنين كانوا بيضحكوا.
وضاممين إيديهم في إيد بعض.
أما الخطاب...
فكان مكتوب في آخره
يا مروان... يمكن تكون مستني تعرف إني كنت مليونير، أو إني مخبي ثروة. الحقيقة إني ما سبتش ملايين... لكن سبتلك الحقيقة اللي أهم من أي فلوس.
كملت القراءة ودموعي بتنزل.
أبوك يوم ما تعب، قالي لو أنا مت، أوعى تسيب ابني لوحده. الراجل مش بيتقاس بفلوسه... الراجل بيتقاس بمين يقف جنبه وقت الشدة.
عشان كده دخلت بيتك. كنت شايفك بتتعب وتسهر وتشقى، وكل مرة كنت أقول لنفسي لسه الوعد مخلصش.
عارف إنك استحملتني كتير، وبعت عربيتك عشاني، وعالجتني من فلوس كنت أولى بيها. وكنت كل ليلة أدعيلك إن ربنا يعوضك في عيالك ورزقك، لأنك عملت معايا اللي أولادي ما عملهوش.
هنا...
مقدرتش أكمل.
بكيت لأول مرة من قلبي.
لفيت الصفحة الأخيرة.
وكان مكتوب فيها
سامحني إني ما قلتلكش الحقيقة وأنا عايش. كنت خايف تعاملني بإحسان عشان الدين، مش عشان الرحمة. وأنا كنت عايز أشوف أخلاقك وهي طالعة من قلبك.
ولو سألتني إيه التركة اللي سبتها ليك... فهي بنتي سعاد، وأولادك اللي ربيتهم بالحلال، وسمعة طيبة هتفضل تعيش بعدك. دي أغلى من أي مال.
وفي آخر سطر...
كان مكتوب
قول لولادك ما ينسوش إن الكبير لما يضعف، ما يبقاش حمل... يبقى اختبار. واللي ينجح في الاختبار ده، ربنا بيعوضه بطرق عمره ما يتخيلها.
قفلت الخطاب...
وبصيت ناحية أوضة الحاج محمود.
كانت فاضية.
لكن لأول مرة...
حسيت إنها مليانة.
قمت من مكاني، ودخلت الأوضة، وقعدت على كرسيه الخشب اللي كنت بتضايق لما يقعد عليه.
ولأول مرة من عشرين سنة...
شغلت الراديو على إذاعة القرآن الكريم.
وسبت الكرسي مكانه.
ما بعتوش.
ولا غيرت الأوضة.
فضلت زي ما هي.
كل ما حد من ولادي يسألني
ليه سايب الأوضة دي زي ما هي؟
أبتسم وأقول
عشان الراجل اللي كان عايش فيها علمني، بعد ما مات، إن قيمة الإنسان مش في اللي بياخده من الدنيا... لكن في اللي بيسيبه في قلوب الناس.
تمت.

تم نسخ الرابط