والد مراتي
المحتويات
نفسه يرفع رأسه من الصدمة.
كان الحاج محمود كاتب
أنا دخلت بيتك بإرادتي... لكن السبب الحقيقي ماكانش إني محتاج مكان أعيش فيه... السبب إن كان في حد بيدور عليك من يوم وفاة أبوك... ولو كنت سيبتك لوحدك وقتها، كان زمانك خسرت كل حاجة.
نظرت للمحامي غير مصدق.
وقلت بصوت مرتجف
يعني... كان بيحميني؟
المحامي لم يجب.
اكتفى بالإشارة إلى الرسالة...
وقال
كمّل القراءة... الحاج محمود كتب كل الأسماء... وكل التواريخ... وكل الأسباب.
ولأول مرة، بدأت أفهم أن وجوده في بيتي عشرين سنة... لم يكن صدفة أبدًا إيدي كانت بترتعش وأنا بقلب الصفحة.
كل حرف كنت بقراه... كان بيكسر حاجة جوايا.
كتب الحاج محمود
يمكن بعد ما تقرأ الكلام ده تفتكر إني كنت بكدب عليك طول السنين... لكن والله ما أخفيت الحقيقة إلا عشان أحميك.
بلعت ريقي.
وكملت.
فاكر يوم ما أبوك مات؟ كنت لسه عندك اتنين وعشرين سنة، والورشة كلها كانت هتتقفل. الناس كلها افتكرت إن الراجل مات وسابش غير الديون... لكن محدش كان يعرف إنه كان أمين على أمانة كبيرة.
رفعت عيني للمحامي.
قلت
أمانة إيه؟
المحامي أشار بإيده.
كمّل... كل حاجة مكتوبة.
رجعت أبص في الورقة.
قبل وفاة أبوك بأسبوع، سلمني ملف وقال لي لو جرالي حاجة، متسلموش لمروان غير لما تتأكد إنه بقى راجل يقدر يشيل المسؤولية.
اتسعت عينيا.
ملف؟
يعني... الملف اللي قدامي دلوقتي؟
قلبت الورقة بسرعة.
لقيت في آخر الصندوق ملف جلدي أسود، مقفول بخيط أحمر وشمع قديم.
وعليه بخط واضح
أمانة الحاج حسن... لا تُفتح إلا بعد قراءة جميع الرسائل.
مددت إيدي ناحيته.
لكن المحامي أوقفني.
وقال
لا... ده آخر حاجة.
الحاج محمود كان دقيق جدًا في ترتيب كل خطوة.
تنهدت، ورجعت للرسالة.
عارف إنك هتسأل ليه فضلت عايش عندك كل السنين دي؟ الحقيقة إني كنت مستني يوم معين... يوم أعرف فيه إنك بقيت مستعد تعرف كل حاجة.
قلبت الصفحة الأخيرة.
كان فيها تاريخ.
بصيت فيه...
واتجمدت.
التاريخ كان...
قبل وفاة الحاج محمود بثلاثة أيام فقط.
وتحته سطر واحد
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا ما لحقتش أقولك الحقيقة بنفسي.
وفي آخر السطر...
كان في سهم صغير.
السهم كان بيشير إلى جيب سري داخل الصندوق الحديدي نفسه.
الموظف قال باستغراب
الصندوق ده فيه درج مخفي؟
المحامي ابتسم لأول مرة وقال
أيوه... الحاج محمود هو اللي طلب يتعمل بالطريقة دي من سنين.
حاولت أفتح الجيب.
كان لازق من قدمه.
بعد محاولات...
اتفتح ببطء.
طلع منه مفتاح أصغر من الأول...
ومعاه قصاصة ورق مكتوب فيها
المفتاح ده مش لباب... المفتاح ده لصندوق خشبي موجود في الأوضة اللي كنت بنام فيها عندكم... تحت البلاطة اللي جنب الشباك.
بصيت للمحامي بسرعة.
قلت
يعني... الصندوق طول عمره في بيتي؟
رد بهدوء
واضح إن الحاج محمود كان مخبي آخر أسراره على بعد خطوات منك... عشرين سنة كاملة... وأنت ما كنتش تعرف إنه كل ليلة كنت بتعدي فوقه رجعنا البيت بسرعة.
طول الطريق، دماغي كانت هتنفجر.
صندوق تحت بلاطة؟
إزاي عشرين سنة كاملة وأنا داخل خارج من الأوضة دي، وما خدتش بالي من أي حاجة؟
أول ما دخلنا الشقة، كانت سعاد واقفة مستنيانا.
وشها كان باين عليه القلق.
أول ما شافت المفتاح الصغير في إيدي، سألت
لقيتوا إيه؟
رديت وأنا ماشي ناحية أوضة الحاج محمود
لسه... بس حاسس إن أهم حاجة لسه مستخبية هنا.
دخلنا الأوضة.
كانت فاضية لأول مرة.
السرير الحديد.
الدولاب الخشب القديم.
الراديو اللي لسه مكانه زي ما هو.
والمصحف المفتوح على الكومود.
المحامي بص للشباك، وقال
الرسالة قالت البلاطة اللي جنب الشباك.
جبنا شاكوش وإزميل من البلكونة.
بدأت أخبط بحذر.
بعد دقائق...
البلاطة اتحركت فعلًا.
أنا وسعاد بصينا لبعض في ذهول.
رفعناها...
لقينا تجويف صغير.
وجواه...
صندوق خشب جوز قديم، عليه طبقة تراب سميكة.
طلعته بإيدي.
كان تقيل.
لكن مش بنفس ثقل صندوق الفلوس...
كان تقيل كأن اللي جواه عمر كامل.
دخل المفتاح الصغير في القفل.
لفيته...
واتفتح.
كلنا قربنا نبص.
لكن الصندوق ما كانش فيه دهب.
ولا سبائك.
ولا ملايين.
كان فيه
ألبوم صور قديم.
ساعة يد مكسورة.
سلسلة فضة.
ومظروف كبير مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا سامحني مروان من قلبه.
وقفت مكاني.
قلت للمحامي
يعني إيه؟
رد بهدوء
القرار قرارك... أنا دوري انتهى عند توصيل الأمانة.
بصيت للصندوق...
ثم بصيت لصورة الحاج محمود المعلقة على الحائط.
وحسيت لأول مرة...
إني ما كنتش أعرف الراجل ده أصلًا.
مديت إيدي ناحية المظروف...
لكن قبل ما ألمسه...
وقع من بين صفحات ألبوم الصور عقد قديم جدًا.
المحامي انحنى والتقطه.
بص فيه ثواني...
ثم اتغير لون وشه.
قلت بقلق
فيه إيه؟
رفع عينه ناحيتي وقال
العقد ده... لو صحيح... يبقى الحاج محمود كان مخبي سر أكبر من كل اللي عرفناه لحد دلوقتي.
وسكت...
وهو ما زال ممسكًا بالعقد، كأنه غير مصدق ما قرأه المحامي فضل يبص في العقد ثواني طويلة.
وبعدين رفع عينه ناحيتي وقال
أستاذ مروان... قبل ما أقرأ أي كلمة، لازم أسألك سؤال.
قلت بتوتر
اتفضل.
قال
عمرك سألت الحاج محمود ليه كان كل يوم بعد الفجر يخرج يتمشى ساعة كاملة... ويرجع من غير ما يقول راح فين؟
استغربت.
فعلاً...
طول عشرين سنة، كان بيعمل نفس العادة.
كنت فاكر إنه بيتمشى عشان رجليه.
هززت رأسي.
لأ... عمري ما سألته.
ابتسم المحامي ابتسامة حزينة.
وقال
لأنه كان متعمد يخليك ما تعرفش.
ثم فتح العقد.
وقال
ده مش عقد بيع... ولا عقد شرا.
ده عقد أمانة.
وبدأ يقرأ
أشهد أنا محمود عبدالعظيم، أنني تسلمت من صديقي حسن السالم صندوقًا مغلقًا، وأتعهد ألا أسلمه إلى ابنه مروان إلا إذا تأكدت أنه صار رجلًا يحفظ الأمانة، ولا يبيع ضميره مهما اشتدت عليه الدنيا.
شهقت.
حسن السالم...
ده اسم أبويا.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قلت
يعني... أبويا كان عارفه قبل ما أتجوز سعاد؟
رد المحامي
من قبلها بسنين طويلة... كانوا أصحاب عمر.
كل اللي في الأوضة سكت.
أما أنا...
فبدأت أربط حاجات كتير لأول مرة.
ليه أبويا كان دايمًا يحترم الحاج محمود؟
ليه أول ما مات أبويا، الحاج محمود بقى قريب مننا؟
وليه بعد جوازي بسنة، طلب يعيش معانا؟
المحامي كمل
المرحوم كتب في آخر العقد جملة واحدة.
وقرأها بصوت واضح
لو فشلت في حماية مروان، أبقى خنت صاحبي قبل ما أخون نفسي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
بصيت ناحية سرير الحاج محمود.
افتكرت كل مرة كنت متضايق من وجوده.
وكل مرة كنت أقول إنه حمل.
يمكن...
كان شايل حمل أكبر مني كل السنين دي.
وفجأة...
رن تليفون المحامي.
بص في الشاشة...
واتغيرت ملامحه.
قفل الخط بسرعة.
قلت
خير؟
رد وهو بيبص ناحية باب الشقة
في واحد تحت العمارة... بيقول إنه كان شريك والدك... وسمع إن صندوق الأمانة اتفتح.
وسألني سؤال واحد...
هو الملف الأسود لسه موجود... ولا حد سبق وفتحه؟
بصيت تلقائيًا ناحية الصندوق الخشبي...
مكان الملف الأسود...
كان فاضي.
الملف...
اختفى اتجمدت مكاني.
حدقت في الصندوق الخشبي مرة... واتنين...
يمكن عيني بتخدعني.
لكن الحقيقة كانت واضحة.
الملف الأسود اختفى.
قلت بصوت متقطع
مستحيل... كان هنا من شوية!
سعاد شهقت وهي بتبص جوا الصندوق.
والله كان موجود... إحنا كلنا شفناه.
المحامي قفل الصندوق بسرعة، وبص حوالين الأوضة.
كل حاجة كانت في مكانها.
لا شباك مكسور.
ولا باب مفتوح.
ولا أي أثر إن حد دخل.
وفجأة...
قال المحامي بهدوء غريب
محدش يخرج من الأوضة.
كلنا بصيناله باستغراب.
قال
الحاج محمود كان دايمًا يقول لي لو الملف اختفى، يبقى الشخص اللي أخده موجود وسطكم... مش جاي من بره.
الجملة وقعت علينا زي الصاعقة.
عم سامي اتعصب وقال
إنت بتتهمنا؟
المحامي رد
أنا ما اتهمتش حد... أنا نقلت كلام المرحوم.
بدأت أبص في وشوش الموجودين.
سعاد.
عم سامي.
أخوه الأصغر.
والمحامي.
كل واحد فيهم كان باين عليه التوتر.
وفجأة...
افتكرت حاجة.
من أول ما دخلنا الأوضة...
عم سامي طلب يشرب مية.
وخرج لوحده دقيقة أو اتنين.
رجع بعدها عادي.
وقتها محدش ركز.
لكن دلوقتي...
بصيتله.
هو لاحظ نظرتي.
قال بعصبية
بتبصلي كده ليه؟
قبل ما أرد...
خبط الباب.
بقوة.
خبطات متتالية.
المحامي فتح بحذر.
كان واقف قدامه راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، وماسك عصاية.
أول ما شافني...
قال
أنت مروان؟
هززت راسي.
طلع من جيبه صورة قديمة.
كانت صورة لأبويا...
والحاج محمود...
وهو نفسه واقف بينهم.
وقال بصوت مبحوح
أنا آخر واحد عايش من أصحاب أبوك... وجيت قبل ما الحقيقة تضيع.
سكت لحظة...
وبعدين بص ناحية عم سامي.
وقال جملة خلت وش سامي يسود فجأة
قول لأخوك... يطلع الملف من تحت الجلابية بدل ما أفضحه قدام الكل عم سامي انتفض من مكانه.
صرخ بصوت عالي
إنت اتجننت يا راجل؟! بتتهمني بسرقة قدام الناس؟
العجوز ما اهزش حتى رمش.
سند
متابعة القراءة