والد مراتي
المحتويات
فيها معاه...
كل مرة اتضايقت من وجوده...
كل مرة قلت في سري إنه حمل تقيل.
لساني نشف.
لكن في الآخر رفعت راسي وقلت بصوت مبحوح
أيوه... والله كنت هفتحله الباب... حتى لو كنت هتعب تاني... بس كنت هعامله أحسن من كده.
المحامي فضل ساكت ثواني.
وبعدين هز رأسه كأنه كان مستني الإجابة دي.
فتح الدفتر على الصفحة اللي بعدها.
كانت مليانة تواريخ.
جنب كل تاريخ مبلغ مالي.
خمسمية جنيه.
ألف جنيه.
ألفين.
تلاتة آلاف.
وأمام كل مبلغ جملة واحدة
لم يُسلَّم.
عم سامي عقد حاجبيه وقال
يعني إيه لم يُسلَّم؟
رد المحامي
الحاج محمود كان بياخد معاشه، وكان عنده دخل من حاجة محدش يعرفها... وكل شهر كان يخصص جزء من الفلوس دي للأستاذ مروان.
سامي قاطعه بسرعة
أمال فين الفلوس؟
المحامي قفل الدفتر وقال
دي هنوصلها بعد شوية... لأن فيه حاجة لازم تتشاف الأول.
مد إيده جوه الملف، وطلع صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لورشة ميكانيكا.
وقفت أتأملها...
وفجأة اتجمدت.
دي كانت ورشتي...
لكن الصورة متصورة من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
وكان واقف فيها شاب صغير... أنا.
وبجواري راجل لابس بدلة.
وعلى ضهر الصورة مكتوب بخط الحاج محمود
اليوم اللي اتخذت فيه القرار... ومن يومها حياتهم كلها بقت أمانة في رقبتي.
بصيت للمحامي مذهول.
قلت
القرار إيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
ده موجود في آخر الملف...
لكن قبل ما أفتحه...
لازم الكل يعرف ليه الحاج محمود كان رافض يسيب بيتكم، رغم إن كل الناس كانت فاكرة إنه مالوش مكان يروحله.
ثم وضع يده على آخر ظرف في الملف...
وقال بهدوء
الحقيقة دي... لو خرجت دلوقتي... هتغير نظرة كل واحد في الأوضة للحاج محمود إلى الأبد سادت لحظة صمت ثقيلة.
حتى عم سامي، اللي كان طول الوقت بيتريق، بقى واقف مكانه من غير ما ينطق.
المحامي فك ختم الظرف ببطء شديد.
وأخرج منه ورقة واحدة... لكنها كانت أقدم ورقة في الملف كله.
أطرافها مصفرة، وعليها ختم بنك قديم.
بص فيها ثواني، ثم قال
الحاج محمود كتب بخط إيده دي أخطر ورقة في حياتي... ولو ضاعت، هتضيع الحقيقة كلها.
قلبي كان بيدق بعنف.
قلت اتفضل... اقرأ.
هز رأسه، وبدأ
من عشرين سنة، لما مروان كان لسه فاتح ورشته، جه عليه وقت كان هيعلن إفلاسه. كان مديون، والموردين كانوا هيحجزوا على المعدات، وكان خلاص هيقفل.
بصيت للمحامي وأنا مصدوم.
الكلام ده... عمري ما حكيته لحد غير سعاد.
إزاي الحاج محمود كان يعرف التفاصيل دي؟
كمل المحامي
يومها خرج مروان من البيت وهو مكسور، وقال إنه لو الورشة قفلت، هيبيع الشقة ونعيش كلنا في إيجار.
افتكرت اليوم ده...
افتكرته كأنه إمبارح.
كنت فعلًا خلاص استسلمت.
المحامي رفع الورقة وقال
في نفس الليلة، روحت البنك... وفكيت آخر شهادة استثمار كانت معايا. لكن ما رضيتش أدي الفلوس لمروان بإيدي، لأنه كان هيرفض ياخدها.
عم سامي قاطعه بعصبية
شهادة إيه؟! أبويا عمره ما قال إنه معاه فلوس!
رد المحامي بهدوء
لأنه كان مخبيها عنكم كلكم.
الوجوه اتغيرت.
أما أنا...
فبدأت أحس إن الصورة اللي رسمتها للحاج محمود طول عشرين سنة، فيها أجزاء ناقصة كتير.
المحامي أخرج إيصالًا قديمًا من الملف.
وقال
الفلوس دي دخلت الورشة عن طريق شخص تالت... على إنها شريك جديد، وبعد سنة انسحب من غير ما ياخد جنيه.
بصيت في الإيصال...
والاسم اللي مكتوب كممول...
خلاني أتجمد.
ما كانش اسم الحاج محمود.
ولا اسم حد أعرفه.
كان اسم شخص... كنت فاكره مات من سنين.
رفعت عيني للمحامي وقلت بصوت مرتعش
مستحيل...
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أيوه... ودي لسه أول مفاجأة.
ثم مد يده إلى آخر جيب في الشنطة الجلد...
وأخرج ملفًا صغيرًا مغلقًا بالشمع الأحمر.
وقال
المرحوم أوصى إن الملف ده ما يتفتحش... إلا بعد ما الأستاذ مروان يتأكد بنفسه من الاسم المكتوب في إيصال البنك.
نظرت إلى الإيصال مرة أخرى...
وكلما ركزت في الاسم...
كلما شعرت أن الحقيقة أكبر بكثير مما كنت أتخيل إيدي كانت بتترعش وأنا بقرب الإيصال من عيني.
الاسم كان واضح...
عبد الرحيم فوزي.
اتسعت عيني.
همست من غير ما أحس
عبد الرحيم؟!
سعاد بصتلي باستغراب.
قالت تعرفه؟
بلعت ريقي بصعوبة.
ده... ده أول أسطى اشتغلت عنده وأنا عندي سبعتاشر سنة... الراجل ده هو اللي علمني الميكانيكا... والناس كلها قالت إنه سافر بره مصر وبعدها مات.
المحامي هز رأسه.
لا... ما ماتش وقتها.
عم سامي زعق بعصبية
وإيه علاقة الراجل ده بأخويا؟
رد المحامي
علاقة أكبر بكتير مما تتخيل.
فتح الملف الأحمر ببطء.
طلع منه جواب تاني.
لكن الغريب...
إن الخط المرة دي ما كانش خط الحاج محمود.
كان خط شخص تاني.
بدأ يقرأ
أنا عبد الرحيم فوزي... لو الرسالة دي بتتقري، يبقى أنا والحاج محمود بقينا في ذمة الله. والحقيقة لازم توصل لمروان.
شهقت من غير ما أحس.
المحامي كمل
من عشرين سنة، الحاج محمود جالي ومعاه كل تحويشة عمره. رفض يقول إنها فلوسه. كل اللي قاله في شاب شريف لو وقع، بيت كامل هيضيع. وأنا لازم أقفه على رجله من غير ما يجرح كرامته.
دموعي بدأت تنزل لأول مرة.
افتكرت كل مرة كنت ببص للحاج محمود على إنه عبء...
وهو كان بيبصلي كأني ابنه.
المحامي كمل القراءة
طلب مني أدخل شريك صامت في الورشة باسمي، وأضخ الفلوس من غير ما يعرف مصدرها. وأقسم عليّ ما أقوله الحقيقة طول ما هو عايش.
سعاد حطت إيدها على بقها وهي بتبكي.
أما عم سامي...
فوشه قلب أصفر.
قال بصوت مهزوز
يعني... أبويا كان معاه فلوس طول السنين دي؟
المحامي رد بهدوء
كان معاه فلوس... لكن أغلبها خرج عشان ينقذ مستقبل مروان... وبعدها فضّل يعيش حياة بسيطة جدًا بإرادته.
عم سامي قعد على الكرسي كأن رجليه خانته.
همس
وإحنا... عمره ما ادانا حاجة.
المحامي بصله نظرة طويلة وقال
لأنكم أول ما والدكم كبر... كل واحد فيكم اعتذر بحجة ظروفه، ولما بنته الوحيدة قالت بيتي مفتوح ليك يا بابا... اختار يعيش عندها.
سكت الجميع.
لكن فجأة...
المحامي مد إيده داخل الشنطة مرة أخيرة.
وأخرج علبة صفيح صغيرة جدًا، مقفولة بقفل نحاس قديم.
وقال
دي آخر أمانة.
الحاج محمود كتب عليها جملة واحدة...
ما تتفتحش إلا بعد ما يعرف مروان إنه عمره ما كان مديون ليا... بالعكس... أنا اللي كنت مديون له.
أخذت العلبة بين يدي...
وكان بداخلها شيء يتحرك بخفة...
كأنه مفتاح...
أو شيء أصغر...
لكن لم يكن أحد في الغرفة يتوقع أن ما بداخلها سيكشف سرًا احتفظ به الحاج محمود منذ أكثر من ثلاثين عامًا العلبة كانت صغيرة...
لدرجة إنها كانت مستخبية في كف إيدي.
فضلت أبص لها ثواني.
المحامي قال بهدوء
افتحها يا أستاذ مروان... دي آخر وصية.
فتحت القفل النحاس بصعوبة.
صدر صوت طقة خفيفة...
وفتحت الغطا.
كل اللي فيها كان...
مفتاح قديم جدًا.
ومعاه ورقة متنية أربع مرات.
فتحت الورقة.
كان فيها سطر واحد فقط بخط الحاج محمود
المفتاح ده يفتح الخزانة رقم 17... اللي مفتاحها التاني مع المحامي.
بصيت بسرعة لسلسلة المفاتيح اللي خرجت من الكيس القماشي.
كان فعلًا عليها لوحة مكتوب فيها
17.
المحامي مد إيده في الشنطة، وطلع مفتاحًا مطابقًا.
وقال
الخزانة دي في فرع بنك قديم... والحاج محمود كان مأجرها من أكتر من عشرين سنة.
عم سامي قام واقف فجأة.
وأنا هاجي معاكم.
رد المحامي ببرود
للأسف لا.
العقد واضح.
الخزانة لا تُفتح إلا بحضور الأستاذ مروان فقط.
بدأ سامي يفقد أعصابه.
إزاي؟! ده أبويا!
المحامي أخرج ورقة ممهورة بختم رسمي.
لأن المرحوم كتب نصًا أي حد يحاول يمنع مروان من فتح الخزانة أو يطالبه بأي شيء قبل ما يشوف اللي فيها... يعتبر متنازل عن أي حق له في التركة.
سكت سامي فورًا.
واضح إنه خاف يخسر أي حاجة.
في صباح اليوم التالي...
ركبت مع المحامي عربيته.
طول الطريق...
ولا واحد فينا نطق بكلمة.
وصلنا البنك.
المبنى كان قديم.
والخزائن الحديدية مرصوصة في بدروم بارد.
الموظف راجع الأوراق.
وبعدين خدنا لغرفة صغيرة.
كانت الخزانة رقم 17 قدامنا.
دخل المفتاح الأول.
ثم المفتاح الثاني.
لف الاتنين مع بعض.
وسمعنا صوت القفل وهو بيفتح ببطء...
سحب الموظف الصندوق الحديدي وحطه قدامنا على الترابيزة.
قلبي كان هيقف.
رفعت الغطا...
فاتسعت عيني.
الصندوق ماكانش مليان دهب...
ولا فلوس...
كان مليان خطابات.
مربوطة بشريط أزرق قديم.
وفوقهم ظرف كبير مكتوب عليه
إلى مروان... لو وصلت للرسائل دي، يبقى أنت عرفت جزء من الحقيقة... لكن لسه الجزء الأصعب.
فتحت الظرف بسرعة.
وأول جملة فيه خلت المحامي
متابعة القراءة