اتصلت بجوزي

لمحة نيوز

اتصلت بجوزي 3 مرات أقول له إن أمه بتموت... لكنه ما ردش لأنه كان في رحلة استجمام بعيدة عن البلد. أنا اللي مسكت إيدها وهي بتطلع الروح، وأنا اللي خلّصت إجراءات دفنها... ولما رجعت البيت، سبت دبلة الجواز جنب ورقة على رخامة المطبخ.
رن تليفوني بعدها بدقائق.
أول ما رديت، سمعت صوته وهو بيقول بعصبية
إيه اللي عملتيه ده؟ انتي سايبة البيت وقافلة تليفونك ليه؟
ما رديتش.
كنت ببص للظرف الأبيض اللي قدامي على الترابيزة.
جواه كانت آخر حاجة طلبتها مني حماتي إيفلين قبل وفاتها.
رمادها بعد تنفيذ وصيتها، ومعاه ظرف صغير مقفول، ومفتاح فضة قديم.
جوليان ما كانش يعرف إني فضلت جنب سرير أمه في المستشفى لآخر لحظة.
ولا يعرف إني أنا اللي مضيت على الأوراق، واستلمت شهادة الوفاة، ورتبت كل تفاصيل الجنازة لما محدش من العيلة قدر يوصل في الوقت.
قبلها بيوم، كانت الأجهزة حوالين إيفلين بتصدر أصوات متقطعة.
فتحت عينيها بصعوبة، وبصتلي نظرة عمري ما هنساها.
مدت إيديها المرتعشة، وحطت مفتاح فضة صغير في كفي.
همست بصوت ضعيف
احتفظي بيه... ومتخليش جوليان ياخده دلوقتي.
بلعت دموعي وسألتها
مفتاح إيه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
هتعرفي... بس لما ييجي وقته.
وبعدها أغمضت عينيها.
خرج الدكتور بعد دقائق، وهز راسه في هدوء.
الدنيا سكتت حواليا.
بعد الجنازة، رجعت البيت وأنا منهكة.
فتحت اللابتوب عشان أبعت نسخة من شهادة الوفاة لباقي أفراد العيلة.
بالصدفة، لقيت حساب جوليان البنكي لسه مفتوح.
آخر عملية كانت لفتت انتباهي.
حجز في منتجع فاخر بمبلغ كبير، اتخصم في نفس اليوم اللي كانت أمه فيه بين الحياة والموت.
وقتها حسيت بحاجة اتكسرت جوايا.
مش لأنه كان مسافر...
لكن لأنه ما حاولش حتى يتابع أخبار أمه أو يرد على أي اتصال.
بعد دقائق وصلتني رسالة من أخته أودري
هو كان قايل إنه في مؤتمر عمل... بس واحدة صاحبتي شافته في مطار تاني وهو راجع من رحلة.
قعدت أبص للشاشة.
الكلام كله ما بقاش راكب على بعضه.
وللمرة الأولى، بدأت أسأل نفسي...
إيه الحقيقة اللي كان بيخبيها؟
والأصعب من ده كله...
إن أفراد العيلة كانوا مقتنعين إني أنا السبب في إنه ما لحقش يشوف أمه.
ولا واحد فيهم كان يعرف إني اتصلت بيه ثلاث مرات، وبعتله رسائل، وحتى طلبت من المستشفى يحاولوا يوصلوله.
لكن من غير أي رد.
في صباح اليوم التالي، مسحت دموعي.
حطيت المفتاح الفضي في شنطتي، وخدت الظرف المقفول، وخرجت من البيت.
كان عندي إحساس إن وصية إيفلين الأخيرة هتغيّر كل حاجة...
لكن ما كنتش أعرف إن أول باب هيفتحه المفتاح ده، هيكشف سر فضل مستخبي سنين طويلة...أول عنوان رحت له كان مكتوب بخط إيد إيفلين على ورقة صغيرة كانت جوه الظرف.
العنوان كان لبيت قديم في شارع هادئ، بعيد عن أي مكان كنت أعرفه.
وقفت قدام الباب الحديدي، وبصيت للمفتاح الفضي في إيدي.
إيدي كانت بتترعش.
دخل المفتاح في القفل... وكأنه معمول مخصوص ليه.
بمجرد ما الباب اتفتح، قابلتني ريحة المكان المقفول من سنين.
كل حاجة كانت متغطية بملايات بيضا، لكن واضح إن البيت ما كانش مهجور.
كان متترتب بعناية... كأن حد كان بيزوره من وقت للتاني.
لفت نظري صندوق خشب صغير فوق ترابيزة في الصالة.
وعليه ورقة مكتوب عليها
يفتح بعد رحيلي... وبوجودك إنتِ فقط.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحت الصندوق.
لقيت عشرات الملفات.
وصور قديمة.
ورسائل مربوطة بشريط أزرق.
وفوقهم كلهم ظرف أكبر، مكتوب عليه بخط واضح
إلى زوجة ابني... لأنك الوحيدة اللي هتفهم.
فتحت الظرف.
كانت أول ورقة عبارة عن رسالة.
لو بتقري الرسالة دي... يبقى أنا خلاص مش موجودة.
أنا عارفة إن ابني هيغضب منك، وهيحاول يقنع الكل إنك السبب في كل اللي حصل... لكن الحقيقة مختلفة.
كملت القراءة، وكل سطر كان بيخلي أنفاسي تتقطع.
في حاجة أخفيتها عن جوليان طول عمره... مش كرهاً فيه، لكن خوفًا عليه.
قبل ما أوصل للسطر اللي بعده...
رن جرس الباب بعنف.
مرة...
واتنين...
وتلاتة.
وبعدين سمعت صوت جوليان من برة وهو بيصرخ
افتحي الباب! أنا عارف إنك جوه!
اتجمدت في مكاني.
بصيت للرسالة... ولسه باقي منها صفحات كتير.
لكن اللي خلاني أرعش فعلًا...
إن في آخر الصفحة الأولى كانت مكتوبة جملة واحدة بالحبر الأحمر
لو وصل جوليان قبل ما تكملي القراءة... متخليهوش يشوف الملف الأسود مهما حصل تجمدت مكاني.
صوت جوليان وهو بيخبط على الباب كان بيعلى مع كل ثانية.
افتحي! عارف إنك سامعاني!
بصيت بسرعة حواليا.
كان فيه أربع ملفات فوق الترابيزة أحمر، أزرق، بني... وملف أسود رفيع، عليه شريط حرير قديم.
افتكرت آخر جملة في الرسالة.
متخليهوش يشوف الملف الأسود مهما حصل.
من غير تفكير، خطفته وحطيته جوه شنطتي.
في نفس اللحظة، الباب الخارجي اتفتح بمفتاح.
اتسمرت.
إزاي؟
دخل جوليان وهو بينهج، وبصلي بعيون مليانة غضب.
يعني كنتي هنا فعلًا!
سكت.
بص حواليه باستغراب.
إنتي عرفتي المكان ده منين؟
ما جاوبتوش.
بدأ يفتش في البيت كأنه حافظ كل ركن فيه.
فتح الأدراج... قلب الكتب... حتى رفع السجاد.
بعد دقائق وقف قدام الترابيزة.
بص للصندوق الخشبي.
ثم بص لي.
كان فيه ملف هنا... فين هو؟
قلبي دق بعنف.
قلت بهدوء
معرفش بتتكلم عن إيه.
قرب مني خطوة.
أمي عمرها ما كانت هتديكي المفتاح... إلا لو كانت مخبية حاجة عني.
وقبل ما أرد...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
بعدها بدقيقة، خبط هادئ على الباب.
فتح جوليان بعصبية.
كان راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادية، وماسك حقيبة جلد قديمة.
أول ما شافني، قال
حضرتك زوجة جوليان؟
هززت راسي.
مد لي بطاقة تعريف.
أنا المحامي الشخصي لإيفلين... وكنت منتظر اليوم ده من سنين.
وش جوليان شحب.
قال بسرعة
أي أوراق تخص أمي تسلمهالي أنا.
لكن المحامي هز رأسه بالنفي.
وقال بثبات
آسف... دي كانت تعليماتها الصريحة.
ثم أخرج ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر، ووضعه في يدي.
وأضاف
السيدة إيفلين قالت لي جملة واحدة... لو ابني حاول يمنعها، يبقى افتحوا الوصية فورًا.
ساد صمت ثقيل.
جوليان مد إيده بعصبية يخطف الظرف.
لكن المحامي قال وهو يبعده
أنصحك ما تعملش كده... لأن فتح الظرف هيكشف الحقيقة كلها... والحقيقة دي هتغير نظرة العيلة ليك إلى الأبد جوليان وقف مكانه.
لأول مرة من يوم ما عرفته... شفت الخوف في عينيه.
بص للمحامي، وقال بصوت منخفض
إنت... إنت لسه محتفظ بالأوراق دي؟
رد المحامي بهدوء
كنت منفذ وصية إيفلين، ووعدتها إن محدش هيشوفها قبل اليوم ده.
مديت إيدي وأخدت الظرف.
الختم الأحمر كان سليم.
ولما فتحته، وقعت منه رسالة، ومعاها مفتاح تاني أصغر، وورقة مكتوب فيها اسم بنك معروف.
بصيت للمحامي باستغراب.
قال
قبل ما تقري الرسالة... لازم تعرفي إن السيدة إيفلين استأجرت خزنة في البنك من أكتر من خمسة عشر سنة.
جوليان قاطعه بعصبية
مستحيل... أنا كنت المسؤول عن كل حساباتها.
ابتسم المحامي ابتسامة خفيفة.
الحسابات... آه. لكن الخزنة دي كانت باسمها الشخصي فقط.
فتحت الرسالة.
كان أول سطر فيها
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى جوليان عرف إن في سر كنت بخبيه عنه.
كملت وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
أنا ما كنتش بخاف على نفسي... كنت بخاف على الحقيقة.
رفعت عيني للمحامي.
حقيقة إيه؟
رد
كملي.
نزلت بعيني للسطر اللي بعده.
كل المستندات اللي هتفسر كل حاجة موجودة في الخزنة... لكن افتحيها بحضور المحامي فقط.
جوليان صرخ فجأة
مش هتروحي أي بنك!
واتجه ناحيتي يحاول ينتزع المفتاح من إيدي.
لكن المحامي وقف بينا وقال بحزم
لو لمست أي حاجة تخص الوصية، هعتبر ده محاولة لتعطيل تنفيذها، وده له عواقب قانونية.
تراجع جوليان خطوة، لكنه كان بيغلي من الغضب.
خرجنا أنا والمحامي من البيت.
وطول الطريق،

تم نسخ الرابط