اتصلت بجوزي
المحتويات
ولا واحد فينا اتكلم.
لحد ما وصلنا قدام البنك.
نزل الموظف المسؤول بنفسه، وكأنه كان مستني المحامي.
أخد المفتاح الصغير، وبعد دقائق رجع وهو دافع قدامنا صندوقًا معدنيًا ثقيلًا.
حطه على الطاولة وقال
دي أمانة السيدة إيفلين.
إيدي كانت بتترعش وأنا برفع الغطا.
في الداخل كان فيه ألبومات صور، وعقود قديمة، ودفتر ملاحظات جلدي.
لكن أكثر حاجة شدت انتباهي...
كان ظرف أصفر كبير مكتوب عليه بخط واضح
لا يُفتح إلا إذا حاول جوليان يعرف ما أخفيته.
تبادلنا أنا والمحامي النظرات.
وأنا بفتح الظرف ببطء...
انزلقت منه أول صورة.
بمجرد ما شفتها...
اتغير لون وش المحامي، وسحب نفسًا طويلًا وهو يهمس
يا إلهي... إيفلين كانت عارفة الحقيقة من البداية... لكنها فضلت ساكتة كل السنين دي مديت إيدي للصورة ببطء.
كانت صورة قديمة جدًا، أطرافها مصفرة من الزمن.
فيها إيفلين وهي واقفة قدام بيت قديم، وواقف جنبها راجل في الخمسينات، وبينهم طفل صغير ماسك إيديهم.
الغريب...
إن الطفل كان جوليان.
لكن الراجل... ما كانش والده.
بصيت للمحامي باستغراب.
قبل ما أسأله، قال بهدوء
كملي... متستعجليش.
تحت الصورة كان فيه خطاب تاني.
فتحته.
كان مكتوب بخط إيفلين
لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى ابني هيكون بيحاول يعرف ليه أخفيت الصور دي.
الحقيقة مش في الصورة... الحقيقة في الدفتر.
فتحت الدفتر الجلدي.
كل صفحة كانت عبارة عن يوميات كتبتها إيفلين على مدار سنين.
وفي أول صفحة، كانت جملة خلتني أقف عن القراءة لحظة
ابني هيكرهني لو عرف الحقيقة قبل ما يكون مستعد يسمعها.
قلبت الصفحة.
ولقيت أسماء... وتواريخ... وإيصالات... وخطابات.
كل حاجة كانت مترتبة بدقة.
واضح إنها كانت بتوثق كل حدث في حياتها.
وفجأة...
وقعت من بين الصفحات ورقة مطوية.
لما فردتها، لقيت خريطة مرسومة بالقلم الرصاص.
وفي آخرها دائرة حمراء حوالين مكان واحد.
ومكتوب تحتها
هناك البداية... وهناك النهاية.
المحامي أخد الورقة، وبمجرد ما شافها اتنهد وقال
كنت فاكر إنها أتلفتها.
سألته بسرعة
المكان ده فين؟
رد بعد تردد
مخزن قديم كانت إيفلين تملكه... ومحدش دخله من أكتر من عشرين سنة.
وفي اللحظة دي...
رن تليفوني.
رقم غير مسجل.
رديت.
جالي صوت راجل كبير في السن، بيتكلم بهدوء شديد
معاكي المفتاح والدفتر... صح؟
اتجمدت.
سألته
حضرتك مين؟
رد من غير ما يجاوب على سؤالي
لو وصل جوليان للمخزن قبلك... كل اللي كانت إيفلين بتحاول تحافظ عليه هيضيع.
وقفل الخط.
بصيت للمحامي.
ملامحه اتغيرت فجأة.
وقال وهو بيقف بسرعة
لازم نتحرك حالًا... لأن في حد تاني كان مستني وفاة إيفلين، وواضح إنه عرف إن الخريطة خرجت من الخزنة خرجنا من البنك بسرعة، والمحامي كان ماسك الخريطة بإيده كأنها أغلى حاجة في الدنيا.
ركبنا العربية، ولأول مرة من ساعة ما عرفته، شفته بيبص في المراية كل شوية.
سألته
إنت خايف من إيه؟
رد من غير ما يبصلي
مش خايف... بس متأكد إن في حد بيراقبنا.
لفيت وشي ناحية الإزاز الخلفي.
فعلاً...
كانت فيه عربية سودا ماشية ورانا من أول ما خرجنا من البنك.
كل ما نزود السرعة... تزود.
ولو نهدي... تهدي.
المحامي ضغط على دواسة البنزين وقال
متبصيش وراكي تاني.
بعد حوالي نص ساعة، وصلنا لطريق ترابي ضيق.
في آخره كان فيه مخزن قديم، الشبابيك بتاعته مقفولة بالألواح الخشبية، والبوابة عليها صدأ سنين.
أخرجت المفتاح الفضي.
لكن قبل ما أحطه في القفل...
لاحظت حاجة خلتني أتجمد.
القفل كان مفتوح.
بص المحامي للباب وهمس
مستحيل...
دفعنا الباب بحذر.
كان المكان ضلمة، والغبار مالي كل ركن.
لكن الغريب...
إن آثار أقدام حديثة كانت واضحة على الأرض.
يعني حد دخل قبلنا بدقائق.
مشينا ورا الآثار لحد ما وصلنا لأوضة صغيرة في آخر المخزن.
كان فيها مكتب خشبي قديم.
وكل الأدراج مفتوحة.
والورق مرمي على الأرض.
واضح إن حد كان بيدور على حاجة معينة.
وفجأة...
سمعنا صوت خبط جاي من تحت.
بصيت للمحامي.
قال بصوت منخفض
في بدروم.
رفعنا السجادة القديمة اللي في نص الأوضة.
لقينا باب حديد صغير.
فتحناه بالمفتاح.
ونزلنا السلم بحذر.
كل درجة كنا بننزلها، كان الهواء يبقى أبرد.
لحد ما وصلنا لقاعة صغيرة تحت الأرض.
في نصها كانت فيه خزنة حديد ضخمة.
وعلى بابها لوحة نحاس محفور عليها
لا يفتحها إلا من يحمل المفتاحين.
أخرجت المفتاح الفضي.
والمحامي أخرج المفتاح الصغير اللي كان في الظرف.
ركبنا المفتاحين في نفس اللحظة.
صدر صوت طَق.
واتفتح باب الخزنة ببطء...
لكنها كانت... فارغة.
ما عدا ظرف واحد فقط.
مكتوب عليه بخط إيفلين
إذا وجدتم الخزنة فارغة... فاعرفوا أن أحدهم سبقكم، وأن الشخص الذي تبحثون عنه ليس غريبًا عن العائلة.
في اللحظة نفسها...
سمعنا صوت خطوات فوقنا.
ثم صوت الباب الحديدي وهو يُغلق بقوة.
نظر المحامي إلى السلم، ثم قال وهو يشحب
إحنا... اتحبسنا هنا اتجمد الدم في عروقي.
جريت ناحية السلم، وحاولت أزق الباب الحديد بكل قوتي.
ما اتحركش.
خبطت عليه وأنا بصرخ
في حد برة؟ افتحوا!
مافيش رد.
المحامي قرب من الباب، سمع للحظات، ثم قال بهدوء غريب
اللي قفل علينا مش عايز يسرق حاجة... هو عايز يكسب وقت.
بصيتله باستغراب.
وقت ليه؟
رد وهو ماسك الظرف الوحيد اللي كان جوه الخزنة
لأن اللي كان بيدور عليه أخده بالفعل.
فتحت الظرف بسرعة.
كان فيه مفتاح ثالث... أصغر من الاتنين.
وورقة مطوية.
فتحتها، وكانت رسالة قصيرة جدًا
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الخيانة حصلت فعلًا.
متثقيش في أول شخص يعرض يساعدك بعد خروجه من البدروم.
رفعت عيني للمحامي.
اتقابلت نظراتنا لثواني.
كل واحد فينا بدأ يشك في التاني.
وقبل ما أتكلم...
رن تليفون المحامي.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
قفله من غير ما يرد.
قلت بسرعة
مين؟
قال بعد تردد
رقم خاص.
لكن قبل ما يكمل...
رن تليفوني أنا كمان.
نفس الرقم.
رديت بحذر.
جالي نفس الصوت العجوز
اسمعيني كويس... الشخص اللي معاكي أخفى عنك جزء مهم من وصية إيفلين.
اتسمرت.
بصيت للمحامي، وهو كان بيحاول يعرف أنا بسمع إيه.
الصوت كمل
اسأليه... ليه ما قالكيش إن فيه نسخة تانية من الوصية؟
قفلت المكالمة ببطء.
وسألت المحامي من غير مقدمات
في نسخة تانية؟
فضل ساكت.
ثواني مرت كأنها ساعات.
وبعدين طلع نفس طويل وقال
أيوه... فيه.
صرخت فيه
ليه مخبيت عليا؟
قال وهو مطأطئ راسه
لأن إيفلين أمرتني ما أسلمهاش إلا إذا حصل أمر معين.
إيه هو؟
رفع عينيه وبصلي مباشرة.
إذا اكتشفنا إن حد دخل الخزنة قبلنا.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت احتكاك حديد من فوق.
وبعد ثوانٍ، الباب اتفتح ببطء.
طلعنا بسرعة.
لكن أول ما خرجنا...
لقينا عربية الشرطة واقفة قدام المخزن.
ورجل وامرأة من أفراد العائلة واقفين بيتكلموا مع الضابط.
وأول ما شافونا...
أشارت المرأة ناحيتي وهي بتقول بصوت عالي
هي دي... هي آخر واحدة كانت مع إيفلين قبل ما تموت، وهي اللي خدت كل أوراقها!
وفجأة...
الضابط لف ناحيتي وقال
مدام... محتاجين حضرتك تيجي معانا وتسلمي كل اللي معاكي.
أما جوليان، فكان واقف بعيد يراقب المشهد كله...
وعلى وشه ابتسامة صغيرة، كأنه كان مستني اللحظة دي من البداية وقفت مكاني وأنا ماسكة الظرف بإيدي.
جوليان كان واقف بعيد، متكئ على عربيته، ووشه هادي بشكل مستفز.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه كان واثق إن كل حاجة ماشية زي ما خطط لها.
الضابط قرب مني وقال باحترام
مدام، وصلنا بلاغ إن في مستندات خاصة بالمرحومة إيفلين تم نقلها من غير علم باقي الورثة.
المحامي تدخل فورًا.
المستندات دي تحت تنفيذ وصية قانونية، وأنا المسؤول عنها.
الضابط بصله وقال
يبقى مفيش مشكلة... لكن هنحتاج نشوف الوصية.
قبل ما المحامي يطلع أي ورق...
جوليان اتكلم لأول مرة.
فتشوا شنطتها... هتلاقوا كل حاجة.
بصيتله بصدمة.
ده نفس الراجل اللي سيب أمه في آخر أيامها... ودلوقتي واقف بيتهمني قدام الكل.
لكن المفاجأة حصلت لما الضابط فتح الشنطة.
طلع الملف الأسود...
لكن أول ما فتحه، عقد حواجبه وقال
فاضي؟
خطفته من إيده.
كان فعلًا فاضي.
كل
متابعة القراءة