انا خاطب
المحتويات
أفتكر.
الجار قال فاكر ده؟
قربت الموبايل من عيني.
وفجأة افتكرت.
ده كان نفس الكيس اللي سيبته يومها عندهم قبل ما أمشي.
قلت بسرعة آه... ده بتاعي.
رفع عينه وقال عارف إيه اللي كان جواه؟
سكت.
أنا فعلًا ماكنتش فاكر.
بدأت أفتش في دماغي...
كنت يومها جايب معايا حاجة صغيرة لخطيبتي، وكنت متضايق من تجهيزات الأكل، وخرجت مستعجل.
قال الجار أبوها لقى الكيس بعد ما خرجت... وكان فيه حاجة مكتوب عليها اسمك.
قلت طيب ما ده عادي... إيه المشكلة؟
قال المشكلة مش في الكيس... المشكلة في الورقة اللي كانت جواه.
حسيت بقلق.
قلت ورقة إيه؟
قال ورقة فيها حسابات.
اتجمدت.
حسابات؟
بدأت أفتكر...
كنت فعلًا عامل ورقة صغيرة في جيبي، كنت بكتب فيها مصاريف تجهيز الشقة والحاجات اللي محتاجها بعد الجواز.
لكن إيه اللي يخليها مشكلة؟
سألته يعني إيه حسابات؟
قال كان فيها قائمة بكل حاجة أنت عايزها... من نوع الأكل للأثاث... وحتى حاجات كنت طالبها من أهلها.
سكت.
لأول مرة حسيت إن الموضوع أكبر من كلمة جعانين.
قال الجار أبوها قرأ الورقة... ولما شاف إن كل حاجة مكتوبة كأنهم ملزمين يوفروا لك حياة معينة، فهم إنك ماكنتش شايف ظروفهم.
حاولت أتكلم بس أنا كنت بتمنى مستوى معين... ده طبيعي.
رد طبيعي إنك تحلم... مش طبيعي إنك تخلي ناس على قد حالها تحس إنها لازم تثبت إنها تستاهل بنتها.
نزلت عيني للأرض.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد محيرني.
قلت طيب وخطيبتي؟ ليه عملت لي بلوك؟ ليه ماواجهتنيش؟
تنهد وقال
هي كانت مستنية منك حاجة واحدة بس.
قلت إيه؟
قال
إنك تفهم لوحدك.
سكت لحظة، ثم أضاف
لكن في آخر يوم... حصل موقف خلاها تفقد الأمل تمامًا.
قلت بسرعة موقف إيه؟
بصلي وقال
قبل ما أبوها يطلع الشبكة... هي سألتك سؤال قدامهم.
بدأت أفتكر يومها.
كنت مركز في الأكل...
لكن السؤال ده...
ماكنتش فاكره.
قال الجار
سألتك لو ظروفنا فضلت زي ما هي بعد الجواز... هتفضل شايفني زي الأول؟
ثم سكت وقال
وإجابتك وقتها... هي اللي أنهت كل حاجة.
يتبع...وقفت مصدوم.
أنا فعلًا افتكرت السؤال...
كانت واقفة يومها في المطبخ، وملامحها مش زي كل مرة.
قالتلي بهدوء عايز أسألك سؤال بس... لو بعد الجواز ظروفنا فضلت زي ما هي، ومقدرناش نعيش بالمستوى اللي أنت متعود عليه... هتفضل مبسوط معايا؟
وقتها كنت مشغول، وكنت شايف إن السؤال عادي.
ضحكت وقلت يا بنتي ما تقلقيش... أنا هظبط الدنيا، بس أكيد لازم الواحد يطور من نفسه، ومينفعش نفضل عايشين بنفس الطريقة دي.
هي سكتت.
وأنا كملت من غير ما أحس يعني بصراحة أنا مش متعود على العيشة البسيطة أوي.
دلوقتي بس فهمت...
هي ماكنتش بتسأل عن الفلوس.
كانت بتسأل هل أنا هقبلها هي وأهلها زي ما هما؟
والإجابة اللي سمعتها مني كانت مختلفة تمامًا.
بصيت للجار وقلت أنا ماكنتش أقصد أجرحها.
قال المشكلة إن أغلب الناس بتجرح من غير قصد... بس اللي قدامهم بيتألم برضه.
سكت شوية، وبعدين قال
تعرف أكتر حاجة كسرت أبوها؟
قلت إيه؟
قال
إنه كان بيقول للناس الراجل ده مختلف... ده اختار بنتي عشان أخلاقها، مش عشان فلوسنا.
ثم تنهد وأضاف
لكن بعد فترة بدأ يحس إن بنته كل يوم بتحاول تثبت لك إنها تستحقك... وهي أصلًا ماكنتش محتاجة تثبت حاجة.
حسيت بالخجل.
لأول مرة شفت الموقف من ناحيتهم، مش من ناحيتي.
لكن كان فيه سؤال لسه محيرني
طيب ليه ما قالوش لي؟ ليه ما ادونيش فرصة أصلح؟
ابتسم الجار بحزن وقال
أبوك لما يزعل من شخص غريب ممكن يسامح... لكن لما يحس إن حد وجع بنته، بيبقى الموضوع مختلف.
ثم أخرج هاتفه وقال
في رسالة أخيرة منها كانت هتبعتها لك قبل ما تعمل لك بلوك... لكنها غيرت رأيها.
قلت بسرعة رسالة؟ فين؟
فتح الشاشة وبدأ يقرأ...
وأول جملة سمعتها منها خلتني أحس إن كل كلمة قلتها قبل كده رجعت عليا
أنا مش زعلانة إنك بتحب أكل معين... أنا زعلانة إنك عمرك ما سألت نفسك إحنا بنقدر نوفره إزاي.
سكت الجار.
وقبل ما يكمل باقي الرسالة...
وصلني إشعار على موبايلي.
رقم غريب بعت رسالة.
فتحتها...
وكانت من والد خطيبتي.
جملة واحدة فقط
لو عايز تعرف ليه بنتي رفضت ترجع لك... تعالى البيت آخر مرة، عندي حاجة لازم تشوفها.
يتبع...فضلت ماسك الموبايل ومش قادر أتحرك.
رسالة واحدة من والدها بعد كل اللي حصل؟
كنت متوقع أي حاجة... إلا إنه هو اللي يطلب يشوفني.
قعدت طول الليل أفكر هو عايز يقول لي إيه؟ هل عايز يوبخني؟ ولا فيه حاجة أنا فعلًا مش عارفها؟
تاني يوم لبست وروحت.
وقفت قدام بيتهم، نفس الباب اللي كنت بدخله كل جمعة وأنا حاسس إني واحد من أهل البيت.
لكن المرة دي... كنت واقف كأني غريب.
خبطت.
بعد لحظات فتح أبوها.
ملامحه كانت هادية، لا غضب ولا صريخ.
قال ادخل.
دخلت وأنا مش قادر أرفع عيني.
قعدنا في الصالة، المكان اللي كنت باكل فيه وأضحك معاهم قبل كده.
حط قدامي ظرف صغير وقال
قبل ما تحكم على نفسك أو تحكم علينا... افتح ده.
فتحت الظرف.
طلعت منه ورقة.
كانت إيصالات شراء.
إيصالات أكل.
فراخ، لحمة، حمام، محشي، حاجات كتير.
بصيت له باستغراب.
قال
عارف دي إيه؟
قلت بصوت ضعيف مصاريف الأكل؟
هز رأسه وقال
دي الحاجات اللي كانوا بيجيبوها عشانك.
سكت لحظة ثم قال
بس مش ده اللي أنا عايزك تشوفه.
طلع ورقة تانية.
كانت مكتوبة بخط خطيبتي.
قرأت أول سطر
بابا، ما تقولوش له إننا مش قادرين... أنا مش عايزة يحس إنه اتقل علينا.
اتكسرت حاجة جوايا.
كملت القراءة.
كانت كاتبة إنها كانت كل مرة لما أطلب أكلة غالية تروح لأبوها وتقول له خليه يحس إنه في بيته.
وهو كان يرد عليها المهم تكوني مرتاحة يا بنتي.
رفعت عيني لأبوها.
قلت ليه عملتوا كده؟ ليه ما قولتوش لي؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
لأن الكرم مش إنك تقدر تدفع... الكرم إنك ما تجرحش اللي قدامك وهو بيحاول يكرمك.
نزلت دموعي.
لكن قبل ما أتكلم، فتح باب الأوضة.
دخلت خطيبتي.
كانت أول مرة أشوفها من يوم الفسخ.
وقفت بعيد وقالت
أنا مش جاية عشان أرجع الخطوبة.
الكلمة وقعت عليا.
قالت
أنا جاية عشان أقول لك حاجة واحدة... كنت أتمنى يومها لما غلطت، تعترف إنك جرحتنا... مش تحاول تثبت إنك كنت صح.
حاولت أتكلم أنا عارف إني غلطت...
رفعت إيدها وقالت
استنى... فيه حاجة تانية أنت لسه ما عرفتهاش.
بصيت لها.
قالت
أبويا ما زعلش منك بسبب الأكل... ولا حتى بسبب الكلمة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
السبب الحقيقي كان في حاجة شافها بعد ما مشيت من البيت... حاجة خلتنا نفهم إن المشكلة مش في موقف واحد.
اتحبس نفسي.
قلت إيه هي؟
بصت لأبوها.
ففتح درج قريب منه، وطلع ورقة مطوية.
وقال
دي كانت السبب الحقيقي في إننا نقفل الباب نهائي.
فتح الورقة قدامي...
وأول سطر فيها خلاني أعرف إن فيه حاجة كنت عاملها وأنا فاكر إن محدش هيعرف.
يتبع...فتحت الورقة وأنا إيدي بتترعش.
كنت متوقع أشوف أي حاجة...
لكن أول ما قرأت أول سطر، حسيت بوجهي سخن.
كانت ورقة كنت أنا كاتبها بنفسي.
قائمة ملاحظات عن تجهيزات الجواز.
في البداية كانت حاجات عادية
أثاث الشقة.
الأجهزة.
احتياجات البيت.
لكن بعد كده...
كان فيه جزء أنا كاتبه تحت عنوان
حاجات لازم تتظبط قبل الجواز.
وقتها كنت شايفها مجرد تنظيم.
لكن لما قرأتها قدامهم، فهمت ليه كانت صعبة عليهم.
كان مكتوب فيها جمل زي
لازم مستوى الأكل في البيت يبقى أحسن.
مش عايز حد يحس إني اتنازلت عن حاجة.
لازم أهلها يساعدوا في كذا وكذا.
رفعت عيني بسرعة وقلت بس... دي كانت أفكار بيني وبين نفسي، مش طلبات أكيدة.
رد أبوها بهدوء
وده اللي وجعني أكتر.
سكت.
قال
لأن الإنسان لما يكتب اللي جواه بيكون صادق... وأنت كنت شايف إننا لازم نثبت إننا نستاهل نسبنا ليك.
حاولت أتكلم، لكنه كمل
أنا مش زعلان إنك عندك طموح. كل واحد من حقه يحلم بحياة أحسن. لكن اللي كسرني إنك ما شفتش بنتي وهي بتحاول تسعدك.
نظرت لخطيبتي.
كانت عينيها مليانة دموع، لكنها كانت ثابتة.
قالت
أنا كنت كل مرة أقول لنفسي يمكن هو مش واخد باله... يمكن لما يعرف ظروفنا هيتغير.
ثم أخذت نفسًا وقالت
لكن يوم ما سمعتك تقول إننا جعانين... حسيت إن كل الحاجات اللي كنت بسكت عليها اتجمعت في كلمة واحدة.
نزلت عيني للأرض.
لأول مرة ما لقيتش رد أدافع به عن نفسي.
قلت بصوت ضعيف أنا آسف.
سكتوا.
قلت أنا فعلًا ماكنتش شايف الصورة كاملة... كنت شايف إني بطلب حاجات بسيطة، وماكنتش شايف التعب اللي وراها.
أبوها بص لي وقال
الاعتذار مهم... بس
متابعة القراءة