انا خاطب

لمحة نيوز

الأكل والكلام، قال يمكن الشاب محتاج حد يفهمه. كان ناوي يقعد معاك ويتكلم.
قلت طيب إيه اللي غير رأيه؟
جاء صوتها أهدى
اليوم اللي رجعت فيه الشبكة... قبل ما تدخل البيت، سمعك وأنت بتتكلم مع صاحبك قدام العمارة.
اتحبست أنفاسي.
أنا كنت فاكر إن محدش سمع.
قالت
كنت بتقوله إيه؟
سكت.
بدأت أفتكر.
كنت غاضب وقتها.
كنت بقول
أنا مش فاهم ليه مكبرين الموضوع... هو الواحد لما يطلب حاجة كويسة يبقى غلطان؟
ثم قلت جملة...
كنت ناسيها تمامًا.
جملة واحدة كانت السبب الحقيقي.
قالت
أنت قلت له أنا كنت هرفعهم لمستوى أحسن.
سكتت.
ثم قالت
وأبويا وقتها فهم إنك شايف نفسك فوقهم... مش واحد منهم.
لم أجد أي رد.
وبعد لحظات قالت
بس فيه حاجة حصلت النهارده... خلتني أتصل بيك.
قلت حصل إيه؟
قالت
أبويا قابل شخص من طرفك... والشخص ده قال له معلومة قلبت كل حاجة.
سألتها معلومة إيه؟
ردت بصوت منخفض
قال له إنك من فترة كنت بتعمل حاجة عشان تثبت إنك مش زي ما هما فاهمينك...
سكتت.
والحقيقة إن الحاجة دي... ممكن تغير رأي أبويا عنك.
يتبع...مسكت الورقة...
أول سطر كان كفيل يخليني أرفع عيني من الصدمة.
كان مكتوب
أنا شاهد على اللي حصل كله... ومحتاج أعترف بالحقيقة.
بصيت لأبوها وقلت مين كاتب الكلام ده؟
قال بهدوء اقرأ للآخر.
كملت.
كان الخطاب من صاحبي المقرب.
الشخص اللي كنت بحكيله كل حاجة.
كان كاتب
أنا غلطت في حق عمر، وغلطت في حق الناس دي. كنت بسمع كلامه وباخده على إنه هزار، لكن لما حصلت مشكلة بينه وبين خطيبته... اتصرفت بغباء.
وقفت عند الجملة دي.
رفعت عيني وقلت يعني هو اعترف؟
أبوها هز رأسه.
قال أيوه... لأنه عرف إن الموضوع كبر أكتر من اللازم.
كملت القراءة.
كان كاتب
أنا اللي نقلت كلامه، وأنا اللي زودت عليه. كنت فاكر إني بهزر، وما تخيلتش إن كلمة تتقال في قعدة ممكن تهدم علاقة بين ناس.
سكت.
لأول مرة حسيت بالغضب من شخص غير نفسي.
لكن بعدها كملت باقي الخطاب.
وكان فيه سطر خلاني أهدأ
بس الحقيقة برضه إن الكلام اللي نقلته ما اخترعتوش من الصفر... عمر كان فعلًا محتاج يفهم إن احترام الناس مش مرتبط بمستواهم.
بصيت للورقة طويلًا.
لأن حتى اعتراف صاحبي ما شالش الجزء اللي عليا.
قال أبوها
شايف؟ أنا كان ممكن أكره صاحبك وأحمله كل الغلط... لكن ده مش عدل.
سألته طب ليه ورّتني ده دلوقتي؟
رد
عشان تعرف إن الحياة مش دايمًا طرف مظلوم وطرف ظالم. أحيانًا الإنسان يغلط، واللي حواليه يغلطوا كمان.
دخلت خطيبتي الصالة.
كانت هادية.
قالت أنا وأبويا اتكلمنا كتير.
نظرت لي وقالت
أنا مش محتاجة واحد عمره ما يغلط... أنا محتاجة واحد لما يغلط يعرف يشوف غلطه.
سكت.
قالت
السؤال دلوقتي مش عن اللي حصل زمان.
ثم نظرت في عيني
السؤال... لو رجعنا نبدأ من جديد، هل هتفضل شايف إنك بتتنازل؟ ولا هتشوف إنك اخترت إنسانة لها قيمة؟
أخذت نفسًا طويلًا.
ولأول مرة ما حاولتش أبرر.
قلت
أنا كنت فاكر إن المشكلة في الأكل... لكن اكتشفت إن المشكلة كانت في نظرتي.
ساد الصمت.
وبعد لحظات...
ابتسم أبوها ابتسامة صغيرة وقال
كويس إنك فهمت.
لكن قبل ما يمد إيده لي...
رن جرس الباب.
دخل شخص لم أكن أتوقعه أبدًا.
كان صاحبي.
واقف عند الباب وملامحه متغيرة.
قال
عمر... لازم تعرف حاجة قبل ما تاخد أي قرار.
سكت الجميع.
ثم أضاف
أنا ما قلتلكش الحقيقة كاملة عن اللي حصل يوم الخطوبة...
يتبع...فضلت ساكت لحظات.
قلت لها حاجة في عربيتي؟ أنا مش فاهم... أبوكي دخل عربيتي ليه أصلًا؟
سمعت تنهيدة من الناحية التانية.
قالت يوم ما رجّعلك الشبكة، لما خرجت من البيت وأنت متضايق... نسيت حاجة في العربية.
بدأت أفتكر.
كنت يومها متوتر جدًا.
فتحت العربية، رميت حاجاتي بسرعة، ومشيت.
قلت نسيّت إيه؟
قالت
ملف صغير.
اتوترت.
ملف؟
آه...
افتكرت.
كان فيه ملف كنت باخده معايا من الشغل.
قلت بسرعة هو شاف اللي جواه؟
سكتت.
ثم قالت أيوه.
نزل الصمت بينا.
قلت طيب كان فيه إيه؟
ردت
كان فيه ورق عن مشروع كنت شغال عليه... وحاجات عن شغلك.
قلت وإيه المشكلة في كده؟
قالت
المشكلة إن وسط الورق كان فيه خطاب.
بدأ قلبي يدق.
خطاب؟
أنا كنت ناسي إن فيه خطاب قديم حطيته في الملف.
قالت
الخطاب كان من جمعية خيرية... وكان باسمك.
سكت.
أنا فعلًا كنت متطوع من فترة، وساعدت في تجهيز تبرعات لحالات محتاجة.
لكن عمري ما اتكلمت عن الموضوع.
قالت
أبويا لما قرأه، عرف إنك مش الشخص اللي كان فاهمه في الأيام الأخيرة.
قلت بصوت منخفض يعني؟
قالت
يعني اكتشف إن الشخص اللي كان بيطلب أكل غالي، وبيتكلم عن المستوى، هو نفسه الشخص اللي كان بيساعد ناس من غير ما حد يعرف.
لم أجد ردًا.
ثم سمعتها تقول
بس أبويا قال جملة مهمة.
سألتها قال إيه؟
قالت
قال الطيبة لوحدها مش كفاية... لازم الإنسان يتعلم يحترم ظروف اللي حواليه.
سكت.
لأول مرة حسيت إن الموضوع مش أبيض وأسود.
أنا غلطت فعلًا.
لكن ده لا يعني إن كل حاجة في شخصيتي كانت سيئة.
قالت
عمر... أبويا مستعد يقعد معاك مرة أخيرة.
اتنفض قلبي.
قلت يعني في أمل؟
ردت بسرعة
ما تستعجلش.
ثم قالت
القعدة مش عشان نرجع زي الأول... القعدة عشان نشوف إذا كنت فعلًا اتغيرت ولا بس خايف تخسر.
وافقت.
وفي اليوم اللي رحت فيه لهم...
كان أبوها قاعد مستنيني.
لكن المفاجأة إنه ما فتحش موضوع الأكل ولا الشبكة ولا اللي حصل.
حط قدامي ورقة واحدة فقط.
وقال
اقرأ دي.
مسكت الورقة...
ولما قرأت أول سطر، عرفت إن فيه شخص تاني كان بيتابع كل اللي حصل من البداية...
والشخص ده كان أقرب حد لي.
يتبع...وقفت أبص لصاحبي وأنا مش فاهم.
بعد كل اللي حصل... لسه فيه حاجة مخبية؟
قلت له بعصبية إنت لسه عندك كلام تاني؟ إنت عارف إن اللي حصل ده كله كان بسببك؟
نزل عينه للأرض وقال عارف... وعشان كده جيت.
أبو خطيبتي أشار له يدخل.
دخل وهو متوتر، وقعد بعيد.
قال أنا لازم أقول الحقيقة كاملة، حتى لو عمر زعل مني.
بصيت له وقلت اتكلم.
أخذ نفسًا طويلًا وقال
يوم الجمعة اللي حصلت فيه المشكلة... أنا ماكنتش بس ناقل كلامك لأهلها.
سكت.
قلت يعني إيه؟
قال
أنا كنت رايح بيتهم قبلها.
اتصدمت.
إنت كنت هناك؟
هز رأسه.
أيوه... وسمعت جزء من كلامك مع خطيبتك.
بصيت له.
وليه ما قلتليش؟
قال
لأني وقتها كنت شايف إنك مغرور شوية... وكنت مستني أشوف النهاية.
سكت المكان كله.
كمل
بس اللي خلاني أندم إني لما سمعت أبوها وهو بيتكلم عنك، فهمت إن الراجل ده كان شايف فيك حاجة حلوة... حاجة أنت نفسك ماكنتش مركز فيها.
بصيت لأبوها.
قال صاحبي
هو كان بيقول لجيرانه الولد ده يمكن محتاج يتعلم، بس واضح إنه بيحب بنتي.
سكت.
ثم قال
وأنا بدل ما أساعد، زودت النار.
كان واضح عليه الندم.
لكن كان فيه سؤال أهم.
قلت له طيب إيه الحاجة اللي ما قلتهاش؟
نظر لي.
وقال
إن خطيبتك يوم الفسخ... ما كانتش عايزة تنهي كل حاجة.
اتسعت عيني.
كمل
هي كانت بتقول لأبوها ادّوه فرصة، يمكن يفهم.
نظرت لها.
هي سكتت.
قال صاحبي
اللي غير رأيها كان موقف حصل بعدها.
سألتها إيه الموقف؟
نزلت عينيها وقالت
بعد ما خرجت من البيت... سمعتك وأنت بتتكلم في التليفون.
تجمدت.
أنا؟
أنا كنت اتصلت بصاحبي وقتها وأنا غاضب.
قلت سمعتِ إيه؟
قالت بهدوء
سمعتك تقول إنك مش هترجع، وإنك هتلاقي حد يعيش معاك في نفس المستوى.
سكت.
لأن الجملة كانت فعلًا خرجت مني وأنا منفعل.
لكنها لم تكن قرارًا.
قالت
وقتها فهمت إن المشكلة مش في كلمة قلتها... المشكلة إن أول ما حصل ضغط، أول حاجة فكرت فيها كانت إنك تمشي.
لم أجد ما أقوله.
اقترب أبوها وقال
الفرص التانية مش معناها إننا نمسح اللي حصل... معناها نشوف هل الإنسان اتعلم منه.
ثم نظر لي
دلوقتي القرار مش عندي.
بصيت لخطيبتي.
كانت ساكتة.
ثم قالت
أنا عندي سؤال واحد بس...
سكت الجميع.
قالت
لو رجعنا... هل هتفضل تحاول تغيرني وتغير أهلي؟
أخذت نفسًا عميقًا.
ولأول مرة عرفت إن الإجابة مش محتاجة دفاع.
لكن قبل ما أرد...
رن هاتف أبوها.
نظر للشاشة، وتغير وجهه.
قال
لازم أشوف مين المتصل...
ثم خرج للحظة.
ولما رجع...
كان ماسك الهاتف وملامحه مختلفة.
قال جملة واحدة
فيه حد من الماضي رجع... ومعاه دليل جديد عن اللي حصل.
يتبع...بعد أيام من التفكير الطويل، رجعت أقعد مع نفسي وأراجع كل حاجة حصلت.
الموضوع ماكانش عن ديك رومي ولا بط ولا محشي...
الموضوع كان عن نظرة الإنسان لغيره.
كنت فاكر إن المشكلة إنهم مش قادرين يوفروا اللي أنا بحبه، لكن اكتشفت إن المشكلة الحقيقية كانت إني ما حاولتش أشوف تعبهم أصلًا.
قعدت مع أبو خطيبتي مرة أخيرة.
قلت له
أنا مش جاي أطلب فرصة عشان أخاف أخسركم... أنا جاي أقول لك إني فهمت غلطتي.
سكت.
كملت
أنا كنت فاكر إن الكرم إن الواحد يطلب، وإن اللي قدامه لما ينفذ يبقى مبسوط... لكن فهمت إن الكرم الحقيقي إنك تراعي ظروف اللي قدامك قبل ما تطلب منه.
بص لي طويلًا.
ثم قال
أنا كنت زعلان على بنتي... لكن كنت مستني أشوف هل هتتعلم ولا هتفضل تبرر.
دخلت خطيبتي.
كانت هادية.
قالت
أنا مش هنسى اللي حصل... بس كمان مش هنسى إنك وقفت قدام غلطك واعترفت بيه.
مرت أسابيع.
ما رجعناش زي الأول في يوم وليلة.
كان فيه كلام كتير، ومواقف كتير، وثقة كان لازم تتبني من جديد.
وأول جمعة رحت لهم بعد الصلح...
دخلت البيت.
أمها سألتني بابتسامة تحب نعمل لك إيه النهارده؟
ضحكت وقلت
أي حاجة تعملوها من إيدكم أنا هاكلها... أهم حاجة نقعد سوا.
بصوا لبعض وابتسموا.
وقتها فهمت إن أبسط سفرة ممكن تكون أغلى من أغلى الأكلات...
لأن قيمتها مش في اللي عليها.
قيمتها في الناس اللي قاعدين حواليها.
وبعد فترة تم الجواز.
والدرس اللي فضل معايا طول عمري
الفقر عمره ما كان عيب... العيب إن الإنسان يحسس حد إنه أقل منه بسبب ظروفه.
أما الكرامة، لما تنكسر... محتاجة وقت طويل عشان ترجع.
والحمد لله إني اتعلمت قبل ما أخسر ناس كانوا بيحبوني بجد.

تم نسخ الرابط