جوزي وقفني

لمحة نيوز

الباب، وعينه معلقة بالصندوق الخشبي.
همس من غير ما يحس
مستحيل...
أميرة بصتله باستغراب.
إنت تعرف الصندوق ده؟
اتلخبط للحظة، لكنه بسرعة حاول يغير ملامحه وقال
لا... شبه صندوق شوفته قبل كده.
عادل لاحظ ارتباكه، لكنه ما علقش.
قال بهدوء
اتفضل اقعد يا أستاذ حسام.
حسام رد بعصبية
أنا مش جاي أقعد... أنا جاي أفهم إيه اللي بيحصل.
عادل أشار لأميرة وقال
اللي بيحصل يخصها هي.
سكتت الغرفة كلها.
وبعدين عادل فتح الصندوق ببطء.
كان جواه ملفات قديمة، وألبوم صور، وساعة يد نسائية متوقفة عند الساعة الرابعة وعشر دقائق.
وفي قاع الصندوق...
كان فيه دفتر صغير جلده بني.
أميرة أول ما شافته، شهقت.
الدفتر ده...
مدت إيديها عليه بتردد.
أنا كنت بكتب في واحد زيه وأنا صغيرة.
ابتسم عادل وقال
مش زيه... هو نفسه.
فتحت أول صفحة.
كان مكتوب بخط طفلة
اسمي أميرة، ولما أكبر نفسي أبقى إنسانة الناس تفتخر بيها.
ابتسمت رغم دموعها.
وقلبت الصفحة اللي بعدها.
كانت مليانة رسومات، وأحلام، وأسماء مدرسين وزملاء.
وفجأة...
وقفت عند صفحة عليها ظرف صغير ملزوق.
مكتوب عليه
مايتفتحش إلا بعد عشرين سنة.
أميرة بصت لعادل.
مين حطه؟
قال
إنتِ.
استغربت.
أنا؟
أيوه... كتبتيه بإيدك، وطلبتي من مديرة المدرسة وقتها تحتفظ بيه.
حسام قال بضيق
وإيه أهمية كل ده؟
عادل رد بهدوء
لأن الجواب ده هو السبب اللي خلاني أدور على مدام أميرة كل السنين دي.
أميرة فتحت الظرف ببطء.
طلعت منه ورقة واحدة.
الورقة كانت مطوية بعناية.
ولما فردتها...
لقيت كلام بخطها وهي طفلة.
بدأت تقرأ بصوت منخفض، ومع كل سطر كانت ملامحها بتتغير.
وبعد ثوانٍ...
وقفت فجأة.
وقالت وهي تبص لعادل
إزاي... الجواب ده وصل لحضرتك؟
ابتسم عادل لأول مرة ابتسامة واسعة.
وقال
لأن الشخص اللي استلمه أول مرة... كان والدي.
ساد الصمت.
وأضاف
وأبويا قبل وفاته وصاني وصية واحدة... قال لي إذا لقيت يومًا البنت دي، سلمها الأمانة بنفسك.
وفي اللحظة دي...
رن هاتف أميرة.
رقم غير مسجل.
ردت بتردد.
وجالها صوت ست كبيرة في السن، قالت جملة واحدة
يا بنتي... أوعي تمشي قبل ما تشوفي الصورة الأخيرة في الألبوم.
ثم أغلقت الخط مباشرة.
أميرة بصت بسرعة ناحية الألبوم.
ولما فتحته على آخر صفحة...
اتسعت عيناها في ذهول.
لأن الصورة الأخيرة كانت تجمعها وهي طفلة...
مع عادل المنشاوي...
لكنها لم تكن تتذكر أبدًا أنها قابلته في حياتها.
يتبع...أميرة فضلت باصة للصورة كأنها بتحاول تستخرج منها ذكرى ضاعت مع السنين.
الصورة كانت قدام مبنى مدرسة قديم.
هي واقفة في النص، ماسكة شهادة تقدير.
وعلى يمينها راجل في الأربعينات وقتها، مبتسم وهو بيسلم عليها.
أما على الشمال...
فكان شاب صغير، ملامحه قريبة جدًا من ملامح عادل.
رفعت الصورة وقالت
ده حضرتك؟
ابتسم عادل وهز رأسه.
لا... ده أخويا الأكبر، محمود.
وأنا كنت بعمل إيه معاكم؟
عادل سحب نفسًا عميقًا.
في السنة دي، مدرستكم عملت مسابقة عن الأمانة وخدمة الناس. كل طفل كتب رسالة يحكي فيها عن حلمه أو عن موقف أثر فيه.
أميرة بدأت تسترجع صورًا متقطعة.
فصل المدرسة...
السبورة...
ومدرسة اللغة العربية وهي تجمع الأوراق.
قال عادل
رسالتك كانت مختلفة. ما طلبتيش لنفسك حاجة، ولا اتكلمتي عن لعبة أو رحلة. كتبتي إن نفسك كل طفل يتعلم، وكل أسرة محتاجة تلاقي حد يساعدها من غير ما يحرجها.
أميرة نزلت عينيها على الورقة.
فعلاً...
الكلمات كانت بخط طفلة، لكنها كانت تعبر عن نفس المبادئ اللي عاشت بيها عمرها كله.
أكمل عادل
والدي كان راعي للمسابقة. ولما قرأ رسالتك، قال جملة عمرنا ما نسيناها.
سكت لحظة، ثم قال
قال البنت دي لما تكبر، هتبقى مثال للإنسان المحترم.
ابتسمت أميرة بحزن.
واضح إنه كان غلطان.
هز عادل رأسه فورًا.
لا... الغلط إنك انشغلتي بخدمة كل الناس، ونسيتي تنصفي نفسك.
ساد الصمت.
في الوقت نفسه...
كان حسام واقف بعيد، يتابع الكلام، وملامحه بدأت تتغير.
لأول مرة، سمع حد بيتكلم عن أميرة باعتزاز حقيقي.
مش باعتبارها زوجته...
لكن باعتبارها إنسانة لها قيمة.
وفجأة دخل مساعد عادل وهو يحمل ملفًا أزرق.
قال
يا فندم، ده الملف اللي طلبته من أرشيف المؤسسة.
فتح عادل الملف.
أخرج منه نسخة قديمة من قرار رسمي.
ثم وضعه أمام أميرة.
وقال
والدي أنشأ صندوقًا خيريًا لدعم التعليم، وكتب في لائحته إن أول من يتولى الإشراف المعنوي عليه، إذا تم العثور عليها، هي صاحبة الرسالة التي ألهمته.
أميرة رفعت رأسها بدهشة.
تقصد... أنا؟
ابتسم عادل وقال
أيوه.
وقبل أن تكمل أي سؤال...
دخلت سكرتيرة المكتب على عجل.
وقالت
يا فندم... فيه مجموعة من الصحفيين برة، ويبدو إن خبر المزاد انتشر على مواقع التواصل، وكلهم بيسألوا عن حقيقة اللي حصل.
نظر عادل إلى أميرة وقال بهدوء
من هنا وطالع، كل كلمة هتتقال هتغير حياة ناس كتير... ولازم نختارها بعناية.
يتبع...أميرة بصت لعادل، ثم للملف اللي قدامها.
كانت حاسة إن كل دقيقة بتكشفلها جزء جديد من حياتها، لكنها لسه مش فاهمة ليه كل ده ظهر دلوقتي.
قالت بهدوء
لو الكلام ده حقيقي... ليه محدش وصلني قبل كده؟
عادل فتح ملفًا آخر.
كان فيه مراسلات قديمة، وإيصالات بريد، وصور لإعلانات منشورة في جرائد من سنين.
وقال
حاولنا أكتر من مرة.
مد لها أول ورقة.
كانت نسخة من خطاب مرسل على عنوان قديم.
وبجانبه ختم كبير مكتوب عليه
تعذر الوصول إلى المرسل إليه.
ثم أخرج خطابًا ثانيًا.
وده رجع بنفس السبب.
أما الثالث...
فكان مكتوب عليه بخط اليد
الأسرة انتقلت من العنوان.
أميرة أغمضت عينيها.
افتكرت اليوم اللي والدها اضطر يبيع البيت القديم وينتقلوا بسرعة بعد أزمة مالية مرت بيهم.
وقتها كانت لسه في المرحلة الإعدادية.
قالت بصوت منخفض
إحنا فعلًا سبنا البيت فجأة...
هز عادل رأسه.
ومن اليوم ده... انقطعت كل أخبارك.
ثم أخرج من الملف صورة قديمة لقاعة كبيرة مليانة أطفال.
وأشار إلى ركن في الصورة.
شايفة البنت دي؟
قربت أميرة الصورة.
كانت بنت صغيرة واقفة بتوزع كتب على أطفال أصغر منها.
ابتسمت رغم نفسها.
دي أنا...
قال عادل
أبويا كان يقول إن قيمة الإنسان مش في فلوسه... لكن في أثره. ورسالتك وأفعالك وقتها كانوا سبب إن المؤسسة تبدأ برنامج تعليم استمر لسنين.
حسام كان ساكت تمامًا.
ولأول مرة، حس إنه ما كانش يعرف زوجته أصلًا.
كل اللي كان يعرفه عنها إنها بتنظم البيت، وبتسكت، وبتتحمل.
لكن عمره ما سألها عن طفولتها...
ولا عن أحلامها...
ولا عن الحاجات اللي كانت بتحبها.
وفجأة...
مد عادل الملف ناحية أميرة.
وقال
فيه اجتماع بعد أسبوع لمجلس أمناء المؤسسة.
سكت لحظة، ثم أكمل
وكل الأعضاء وافقوا بالإجماع على دعوتك تحضري الاجتماع كضيفة شرف، وتحكي بنفسك قصة الرسالة اللي غيرت مسار المؤسسة.
أميرة اتفاجئت.
أنا؟ قدام كل الناس؟
ابتسم عادل.
المرة دي... هتطلعي على المسرح علشان يتسمع صوتك، مش علشان حد يهزر على حسابك.
وفي اللحظة دي...
رن هاتف حسام.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
المتصل كان رئيس مجلس إدارة الشركة اللي بيشتغل فيها.
رد بسرعة.
وسكت وهو بيسمع.
ثم قال بصوت متوتر
حضرتك... إزاي الخبر وصلكم؟
وساد الصمت في المكتب كله، بينما ملامح حسام كانت بتتبدل مع كل كلمة بيسمعها...
يتبع...حسام قفل المكالمة ببطء.
وشه كان شاحب، وإيده بترتعش لأول مرة.
أميرة بصتله وقالت
خير؟
اتردد ثواني، ثم قال
رئيس مجلس الإدارة... طلب يشوفني حالًا.
عادل سأله بهدوء
في سبب قاله؟
حسام هز رأسه.
قال إن في موضوع يخص اللي حصل امبارح... وإن وجودي ضروري.
ساد الصمت.
عادل قام من مكانه وقال
يبقى روح. وأنا هكمل كلامي مع مدام أميرة.
حسام بص لأميرة كأنه مستني منها تقوم معاه.
لكنها فضلت قاعدة.
لأول مرة...
ما قامتش تمشي وراه من غير سؤال.
خرج حسام من المكتب، وقفل الباب وراه.
...
بعد خروجه، قال عادل
أنا مش هدخلك في أي خلاف بينك وبين جوزك. ده أمر يرجعلكم.
ثم دفع الملف ناحيتها.
لكن قبل ما تمشي، في حاجة لازم تكون عندك.
فتح الملف على آخر صفحة.
كانت وثيقة تأسيس مبادرة رسالة أمل، وهي مبادرة خيرية لدعم تعليم الأطفال غير القادرين.
وفي آخر الصفحة، كان فيه بند مكتوب بخط والد عادل
يُخصص مقعد دائم لصاحبة الرسالة التي كانت سببًا
تم نسخ الرابط