جوزي وقفني
المحتويات
في إنشاء المبادرة، إذا تم العثور عليها.
أميرة قرأت السطر أكثر من مرة.
وقالت بصوت مبحوح
أنا ما عملتش حاجة تستحق كل ده.
ابتسم عادل.
الناس أوقات بتقلل من أثر الكلمة الطيبة... لكن والدي كان شايف غير كده.
ثم أخرج علبة صغيرة من الدرج.
فتحها.
كان بداخلها قلم حبر قديم، محفوظ بعناية.
وقال
ده القلم اللي والدي وقّع بيه أول قرار لإنشاء المبادرة.
ناولها القلم.
كان نفسه يسلمهولك بنفسه.
أميرة مسكته بإيدين مرتعشتين.
...
في نفس الوقت...
كان حسام داخل مقر شركته.
استقبله السكرتير وقال
الأستاذ منتظرك.
دخل المكتب.
رئيس مجلس الإدارة كان قاعد، وأمامه جهاز لوحي مفتوح.
لف الشاشة ناحية حسام.
كانت مواقع الأخبار كلها بتنقل نفس العنوان
رجل يسخر من زوجته على المسرح... وموقف غير متوقع يشعل مواقع التواصل.
وفيه مقاطع مصورة للحظة المزاد.
رئيس مجلس الإدارة قال بهدوء
أنا مش مستدعيك علشان أحاسبك على حياتك الشخصية.
سكت لحظة، ثم أكمل
لكن أنت كنت بتمثل الشركة في المناسبة دي.
ابتلع حسام ريقه.
قال الرجل
إحنا محتاجين نفهم الصورة كاملة قبل ما ناخد أي قرار.
وقبل ما حسام يرد...
رن هاتف رئيس مجلس الإدارة.
استمع لثوانٍ، ثم قال
وصلوا؟ خليهم يدخلوا.
بعد لحظات...
فتح الباب.
ودخل ثلاثة من أعضاء مجلس الإدارة، ومعهم ملف كبير.
ووضعوه على الطاولة أمام الرئيس.
نظر الرئيس إلى حسام وقال
واضح إن الموضوع أكبر من مجرد فيديو انتشر.
ثم فتح الملف على أول صفحة...
وتغيرت ملامحه فجأة.
يتبع...رئيس مجلس الإدارة فضل يقلب في الملف ببطء.
ثم رفع عينه ناحية حسام وقال
إنت عارف إحنا بقالنا كام سنة بنتكلم عن احترام بيئة العمل وصورة الشركة قدام المجتمع؟
حسام حاول يبرر بسرعة.
يا فندم... اللي حصل كان هزار، والناس كلها كانت بتضحك.
أحد أعضاء المجلس رد بهدوء
في فرق بين إن الناس تضحك... وإن حد يكون هو محل السخرية.
فتح عضو آخر الملف.
وقال
إحنا جمعنا تسجيلات الحفلة من أكتر من زاوية.
وشغل مقطع قصير.
في الفيديو، كان واضح إن أميرة واقفة ساكتة، بينما القاعة كلها بتضحك.
لكن الكاميرا التقطت حاجة محدش ركز فيها وقتها...
واحدة من الحاضرات كانت بتقول للي جنبها بصوت واضح
واضح إنها متعودة... دي مش أول مرة.
ساد الصمت في القاعة.
رئيس المجلس قفل الفيديو وقال
اللي شوفناه مش موقف عابر.
...
في الوقت نفسه...
كانت أميرة بتهم تقوم من عند عادل.
قال لها
خدي وقتك في التفكير. مفيش أي قرار مطلوب منك النهارده.
شكرته، وأخدت الملف والقلم والظرف القديم.
ولما خرجت من الشركة...
اتفاجأت بوجود عدد من الصحفيين عند البوابة.
لكن رجال الأمن فتحوا لها طريق بهدوء، من غير أي زحام.
ركبت العربية، وطلبت من السائق يرجعها البيت.
...
ولما وصلت...
أول حاجة عملتها إنها دخلت أوضة صغيرة في آخر الشقة.
الأوضة دي كانت من سنين مقفولة، وما بيدخلهاش حد.
فتحت دولاب خشبي قديم.
وطلعت صندوق كرتون صغير.
جواه صور، وكشاكيل، وشهادات قديمة.
وبينهم...
لقيت كشكول أزرق باهت.
ابتسمت وهي تمسح عنه التراب.
لسه موجود...
قعدت على الأرض، وبدأت تقلب صفحاته.
وفي آخر صفحة...
كان فيه عنوان مكتوب بخط يد مديرة المدرسة.
وتحته جملة
لو قابلتِ الأستاذ عادل أو والده يومًا، قولي لهم إن الأمل عمره ما بيضيع.
أميرة اتجمدت.
لأنها كانت ناسية الكشكول ده تمامًا.
وفي اللحظة نفسها...
سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.
رجع حسام.
لكن خطواته كانت بطيئة على غير عادته.
وقف عند باب الأوضة.
شاف أميرة قاعدة وسط ذكرياتها.
ولأول مرة منذ سنوات...
ما عرفش يقول ولا كلمة.
يتبع...حسام فضل واقف عند باب الأوضة.
أميرة رفعت عينها ناحيته، ثم رجعت تبص للكشكول من غير ما تتكلم.
عدت ثواني طويلة.
أخيرًا قال بصوت منخفض
ممكن نتكلم؟
ردت بهدوء
اتفضل.
دخل وقعد على الكرسي المقابل لها.
كانت أول مرة من سنين يقعد قدامها من غير موبايل في إيده، ومن غير استعجال.
قال
النهارده اكتشفت إن في حاجات كتير عنك أنا معرفهاش.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
وأنا اكتشفت إن في حاجات كتير عن نفسي كنت نسيّاها.
نزل حسام عينه.
ثم قال
أنا... غلطت.
لكن أميرة ما ردتش.
فضلت تقلب في الكشكول.
طلع منه ظرف صغير كانت نسيته بين الصفحات.
كان مكتوب عليه
يُفتح بعد مرور سنوات.
فتحت الظرف بهدوء.
كان جواه ورقة واحدة.
فيها كلمات كتبتها وهي في المرحلة الإعدادية
لو في يوم حسيت إني بقيت بخاف أتكلم، أو بقيت أقبل الإهانة علشان أرضي الناس... يا رب فكرني أنا كنت مين.
سكتت أميرة.
وقرأت الجملة مرة تانية.
وبعدين قفلت الورقة بهدوء.
أما حسام...
فكان سامع كل كلمة.
وحس إن الرسالة دي كأنها مكتوبة النهارده، مش من سنين.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب.
فتح حسام.
لقى مندوب واقف ومعاه ظرف كبير مختوم بشعار مؤسسة عادل المنشاوي.
استلم الظرف، ودخله.
فتحته أميرة.
كان جواه دعوة رسمية لاجتماع مجلس الأمناء، ومعاها خطاب قصير.
قرأته بصوت مسموع
إلى السيدة أميرة عبد الرحمن... ندعوكِ لتكوني ضيفة الشرف في الاجتماع السنوي، تقديرًا للأثر الذي تركته رسالتك منذ سنوات، ونأمل أن تشاركينا رؤيتك للمبادرات القادمة.
وفي آخر الخطاب...
كانت جملة بخط يد عادل
في المرة دي... الكل هييجي يسمعك، مش يضحك عليك.
أميرة طوت الخطاب بعناية.
وحطته جوه الكشكول الأزرق.
ثم قامت وقفت قدام الشباك.
الشمس كانت بتغيب.
لكن لأول مرة من سنين...
حست إن بداية جديدة ممكن تكون قريبة.
وفي الخلف...
كان حسام واقف في مكانه، وعارف إن الأيام الجاية هتفرض عليه مواجهة كل تصرفاته الماضية.
لكن لسه...
ماكانش يعرف إن الاجتماع المنتظر هيحضره شخص واحد، ظهوره هيقلب كل الحسابات من جديد، وهيكشف سرًا قديمًا يخص الرسالة نفسها... وليس أميرة فقط.
يتبع...مرّ أسبوع كامل.
أميرة قضته في هدوء.
ما خرجتش في أي لقاء إعلامي، ولا ردّت على التعليقات المنتشرة، ولا حاولت تبرر اللي حصل.
كل تركيزها كان على الدعوة اللي قدامها.
...
وجاء يوم الاجتماع.
القاعة كانت مليانة رجال وسيدات من مختلف المحافظات، كلهم مرتبطين بالمؤسسة أو بالمشروعات الخيرية.
أميرة دخلت بهدوء، من غير أي استعراض.
عادل استقبلها بنفس الابتسامة الهادئة.
وقال
المكان مستني صاحبة الفكرة من سنين.
ابتسمت بخجل، وجلست في الصف الأول.
وبعد دقائق...
بدأ الاجتماع.
عادل وقف على المنصة وقال
قبل ما نتكلم عن خطط السنة الجديدة، عندنا أمانة لازم نرجعها لصاحبتها.
وأشار ناحية أميرة.
القاعة كلها صفقت لها.
لكنها ما قامتش.
كانت متوترة جدًا.
ابتسم عادل وقال
متقلقيش... مش هنطلب منك غير الحقيقة.
قامت أميرة ببطء.
ووقفت على المنصة.
أول ما مسكت الميكروفون...
افتكرت الليلة اللي وقفها فيها حسام على مسرح تاني، قدام ناس كانوا بيضحكوا عليها.
لكن المرة دي...
مافيش ضحك.
كان فيه إنصات.
قالت بهدوء
أنا ما كنتش أعرف إن رسالة كتبتها وأنا طفلة ممكن تعيش كل السنين دي.
وسكتت لحظة.
ولو في حاجة اتعلمتها، فهي إن الكلمة الطيبة ممكن تغيّر حياة حد... حتى لو صاحبها نسيها.
القاعة صفقت بحرارة.
وفي آخر الصفوف...
كان فيه راجل كبير في السن، لابس جلابية بسيطة وعكاز في إيده.
من أول الاجتماع وهو ساكت، وماحدش كان واخد باله منه.
رفع إيده وقال
لو تسمحيلي أسأل سؤال.
عادل ابتسم.
اتفضل يا عم حسن.
الراجل وقف بصعوبة.
وبص لأميرة.
وقال
فاكراني؟
أميرة دققت في وشه.
وحاولت تفتكر.
لكنها هزت رأسها.
ابتسم وقال
طبيعي... كان عندك عشر سنين.
ثم طلع من جيبه صورة صغيرة قديمة.
ورفعها قدامها.
الصورة دي... إنتِ اللي اديتهالي.
أميرة قربت منها.
ولما شافتها...
شهقت.
لأن الصورة كانت لنفس يوم المسابقة.
لكنها كانت مع طفل صغير لا تتذكره.
قال عم حسن
الطفل اللي في الصورة... كان ابني.
وساد الصمت في القاعة.
وأضاف
في اليوم ده، ابني كان هيسيب المدرسة علشان ظروفنا كانت صعبة.
ثم ابتسم وهو ينظر إلى أميرة.
إنتِ اللي شجعتيه يتمسك بحلمه، واديتيه كتبك القديمة من غير ما تعرفي حد.
أميرة نزلت دموعها لأول مرة.
كانت تفتكر إنها عملت موقف بسيط...
لكن واضح إن أثره فضل سنين.
ثم أكمل عم حسن
وابني... هو دلوقتي واحد من أكبر الأطباء المتطوعين مع المؤسسة.
القاعة كلها انفجرت بالتصفيق.
لكن في اللحظة دي...
دخل أحد موظفي المؤسسة مسرعًا، واتجه مباشرة إلى عادل.
وهمس في أذنه بكلمتين فقط.
تغيّرت ملامح عادل فورًا.
ثم نظر
متابعة القراءة