جوزي وقفني

لمحة نيوز

إلى باب القاعة...
وقال بصوت هادئ
واضح إن عندنا ضيفًا لم يكن ضمن المدعوين.
والأنظار كلها اتجهت إلى الباب...
يتبع...القاعة كلها سكتت.
الرجل مشى بخطوات هادئة لحد المنصة، وحط الظرف قدام عادل.
عادل بص للختم، واتغيرت ملامحه.
قال باستغراب
الختم ده... خاص بأرشيف المؤسسة القديم.
رد الرجل
بالضبط. والظرف ده كان محفوظ في خزنة مقفولة من أكتر من سبعة وعشرين سنة.
فتح عادل الظرف بحذر.
كان جواه ورقة واحدة، ومعاها محضر اجتماع قديم.
بدأ يقرأ في صمت، ثم رفع رأسه وقال
دي نسخة من محضر اجتماع مجلس الأمناء سنة... تسعة وتسعين.
أحد الحاضرين سأله
فيه إيه؟
رد عادل
فيه قرار اتكتب بالإجماع... لكنه ما اتعلنش.
أميرة كانت بتتابع في صمت.
قال عادل وهو يقرأ
تُمنح صاحبة الرسالة الفائزة حق اختيار المشروع الخيري السنوي للمؤسسة، متى تم العثور عليها.
همهمات بدأت تنتشر في القاعة.
أحد الأعضاء قال
يعني مدام أميرة هي اللي هتحدد المشروع الجديد؟
هز عادل رأسه.
ده اللي مكتوب.
ثم التفت إليها وقال
لكن القرار يرجعلك. لو حبيتي تعتذري، ده حقك.
أميرة أخدت نفسًا طويلًا.
وقالت
أنا عمري ما كنت بدور على منصب ولا تكريم.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.
لكن لو أقدر أساعد ناس فعلًا... يبقى ليه لأ.
القاعة انفجرت بالتصفيق.
وفي آخر الصف...
كان حسام بيصفق هو كمان.
لكن تصفيقه كان مختلف.
ماكانش علشان الناس حواليه بتسقف.
كان لأنه لأول مرة يشوف أميرة واقفة بثقة، والناس كلها بتسمعها باحترام.
بعد انتهاء الاجتماع...
ناس كتير اتجمعت حواليها تشكرها، وتحكي لها إزاي اتأثروا بكلامها.
ولما القاعة بدأت تفضى...
قرب منها عادل وقال
فيه حاجة أخيرة.
ناولها صندوقًا صغيرًا من الخشب.
وقال
ده كان من ضمن أمانات والدي.
فتحت الصندوق.
كان جواه ميدالية فضية صغيرة، محفور عليها كلمتان فقط
لا تيأسي.
ابتسمت أميرة وهي تمسكها.
وقالت
واضح إن الرسالة دي كانت بتستناني أنا كمان.
ابتسم عادل، وقال
أوقات الإنسان بيفكر إنه ضيّع عمره... ثم يكتشف إن الخير اللي عمله زمان لسه بيكبر من غير ما يحس.
خرجت أميرة من القاعة وهي رافعة رأسها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
كانت ماشية وهي حاسة بقيمتها، مش لأن حد مدحها...
لكن لأنها افتكرت أخيرًا هي مين.
يتبع...باب القاعة اتفتح ببطء.
الكل بص ناحية الداخل.
دخل رجل في منتصف الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وماكانش معاه أي حرس ولا مظاهر رسمية.
عادل أول ما شافه، نزل من على المنصة بنفسه واستقبله.
وصافحه باحترام.
وده خلّى الحضور يستغرب أكتر.
قال عادل
كنت فاكر إنك مش هتقدر تيجي.
ابتسم الرجل وقال
وعد قديم... وكان لازم أوفي بيه.
ثم التفت ناحية أميرة.
وبهدوء قال
مساء الخير يا مدام أميرة.
ردت باحترام
أهلًا بحضرتك.
قال
إحنا ما اتقابلناش قبل كده... لكن أنا أعرف حكاية رسالتك من أول يوم.
الحضور كله بدأ يركز.
أما حسام، اللي كان قاعد في آخر القاعة بعد ما وصله دعوة بصفته زوج أميرة، فكان بيتابع في صمت.
الرجل أخرج ملفًا جلديًا قديمًا.
وقال
من سبعة وعشرين سنة، كنت عضوًا في اللجنة اللي قيمت رسائل الأطفال.
فتح الملف.
وأخرج ورقة مكتوب عليها أسماء الفائزين.
وأشار إلى أول اسم.
صاحبة المركز الأول... أميرة عبد الرحمن.
أميرة ابتسمت بخجل.
لكن الرجل أكمل
الناس كلها فاكرة إن الجائزة كانت شهادة تقدير فقط.
وسكت لحظة.
لكن كان فيه قرار تاني... ما اتنفذش.
القاعة سكتت تمامًا.
حتى عادل كان مركز معاه.
قالت أميرة باستغراب
قرار إيه؟
رد
كان فيه اتفاق بين أعضاء اللجنة على إنشاء منحة تعليمية باسم صاحبة أفضل رسالة، تفضل مستمرة طول حياتها العلمية.
أميرة اتفاجئت.
أنا أول مرة أسمع الكلام ده.
هز الرجل رأسه.
لأن المشروع اتوقف وقتها بسبب ظروف المؤسسة، وبعدها ضاعت أخبارك.
ثم سلّم الملف لعادل.
وقال
أنا احتفظت بالأوراق دي كل السنين دي، وقلت لو ربنا جمعنا يومًا بصاحبة الرسالة... لازم أوصلها.
عادل أخذ الملف، ثم نظر إلى أميرة وقال
واضح إن القدر كان بيرتب اللقاء ده من زمان.
وفي هذه اللحظة...
وقف أحد أعضاء مجلس الأمناء وقال
طالما كل الأوراق ظهرت، أقترح إن المنحة اللي اتأجلت تتنفذ من السنة دي، وتحمل اسم الرسالة اللي بدأت كل الحكاية.
ساد الهدوء.
كل العيون اتجهت إلى أميرة.
أما هي...
فما قدرتش تتكلم.
كانت متأثرة لدرجة إنها اكتفت بهزة رأس خفيفة.
لكن قبل ما يعلن عادل القرار...
وقف شخص آخر في آخر القاعة، وقال بصوت واضح
قبل أي قرار... عندي مستند واحد لازم الكل يشوفه.
والأنظار اتجهت إليه...
وكان في إيده ظرف قديم، عليه نفس الختم الموجود على الظرف الأول الذي استلمته أميرة.
يتبع...بعد انتهاء الاجتماع...
رفضت أميرة كل طلبات التصوير والمقابلات.
قالت بابتسامة هادئة
النهارده مش يومي... النهارده يوم الفكرة.
خرجت من القاعة، وكانت ماسكة الصندوق الخشبي الصغير.
أما حسام...
فكان واقف عند الباب، مستنيها.
أول ما شافها، قال بهدوء
ممكن أوصلك؟
بصتله ثواني، ثم قالت
إحنا راجعين نفس البيت... اتفضل.
طول الطريق...
العربية كانت ساكتة.
ولا واحد فيهم نطق بكلمة.
لحد ما حسام وقف بالعربية قدام البيت، لكنه ما نزلش.
فضل ماسك الدريكسيون، وقال بصوت مكسور
أنا كل السنين دي... كنت فاكر إن النجاح يعني الناس تعرف اسمي.
سكت لحظة.
لكن النهارده فهمت إن الناس كانت بتحترمك إنتِ... حتى وإنتِ ماكنتيش تعرفي.
أميرة ما ردتش.
فتحت الباب، ونزلت.
لكن قبل ما تقفله...
قال
لو رجع بيا الزمن... عمري ما كنت هقول اللي قولته على المسرح.
التفتت إليه.
وقالت بهدوء
الزمن عمره ما بيرجع يا حسام.
ثم دخلت البيت.
...
في الأيام التالية...
بدأت أميرة تزور مشروعات المؤسسة.
كانت تقعد مع الأطفال، وتسمع المدرسين، وتكتب ملاحظاتها بنفس الكشكول القديم.
وفي كل مكان تروحه...
كانت تلاقي حد يقول لها
إحنا سمعنا عن الرسالة.
لكنها كانت ترد دائمًا
الأهم من الرسالة... اللي هنكتبه بعد كده.
وفي أحد الأيام...
وأثناء اجتماع لمناقشة المشروع السنوي...
قال عادل
إحنا مستنيين اقتراحك.
فتحت أميرة الكشكول.
وكانت أول مرة تكتب فيه من سنين.
كتبت عنوانًا واحدًا
مكتبة في كل قرية.
رفعت رأسها وقالت
في أطفال كتير عندهم أحلام... لكن ماعندهمش كتاب واحد يفتح لهم بابها.
ساد الصمت.
ثم بدأ الحاضرون يصفقون.
ابتسم عادل وقال
واضح إن الرسالة لسه بتكتب فصول جديدة.
وفي آخر القاعة...
كان عم حسن يبتسم وهو يقول
أهو الخير... لما يطلع من القلب، عمره ما بيخلص.
يتبع...مرّت ثلاثة أشهر.
ومشروع مكتبة في كل قرية بدأ يتحول من مجرد فكرة إلى واقع.
أول مكتبة اتفتحت في قرية صغيرة، وكان الافتتاح بسيط جدًا.
أميرة أصرت إن ميبقاش فيه شريط أحمر ولا كاميرات كتير.
قالت
الباب اللي هيفتحه أول طفل أهم من أي احتفال.
...
في نفس اليوم...
وصل لحسام ظرف بالبريد.
فتحه، ولقي دعوة لحضور افتتاح المكتبة.
استغرب.
وقال لنفسه
بعد كل اللي حصل... لسه باعتالي دعوة؟
قرر يروح.
ولما وصل...
شاف أطفال بيجروا بين الأرفف، وكل واحد ماسك كتاب.
وأميرة كانت قاعدة على الأرض وسطهم، بتحكيلهم قصة.
ولا كانت لابسة فستان غالي.
ولا واقفة على منصة.
كانت مبتسمة من قلبها.
وقف بعيد يتفرج.
وفجأة، طفل صغير شد إيد أميرة وقال
يا طنط... هو انتي صاحبة المكتبة؟
ضحكت وقالت
لا يا حبيبي... المكتبة دي بتاعتكم كلكم.
الكلمة دي هزّت حسام من جواه.
لأنه افتكر كام مرة قال قدام الناس
البيت بتاعي... الشركة بتاعتي... النجاح بتاعي...
وعمره ما قال
بتاعنا.
...
بعد انتهاء الزيارة...
قرب من أميرة.
وقال
المكان جميل.
ابتسمت باختصار.
الحمد لله.
ثم أشار إلى الأطفال وقال
واضح إنهم بيحبوكي.
ردت
الأطفال بيحبوا أي حد يسمعهم.
سكت لحظة.
ثم قال
أنا كنت طول الوقت مستني الناس تسمعني... ونسيت أسمع أقرب إنسانة ليا.
أميرة ما علقتش.
لكن ملامحها كانت أهدى من قبل.
في تلك اللحظة...
جري طفل صغير ناحيتهم، وكان ماسك ورقة مطوية.
وقال
يا طنط أميرة... أنا كتبت رسالة.
ابتسمت وأخذتها.
فتحتها.
وكان أول سطر فيها يقول
لما أكبر... نفسي أعمل خير يخلي حد يفتكرني بالخير.
أميرة ابتسمت، ودموعها لمعت في عينيها.
ناولت الورقة لعادل، اللي كان واقف قريب منهم.
قرأها، ثم ابتسم وقال
واضح إن رسالة واحدة من سبعة وعشرين سنة... لسه بتكتب رسائل جديدة.
ورفعت أميرة رأسها نحو الأطفال، وقالت
طالما الخير بينتقل من قلب لقلب... يبقى الحكاية لسه ما خلصتش.
تمت.

تم نسخ الرابط