ريحة اللحمه
ريحة اللحمة المحمرة والتقلية، ريحة رجعتني لزمان... لأيام ما كنا لسه عيلة، قبل ما كل حاجة تتشقلب.
في الأيام العادية، أكلنا كله بيبقى أي كلام... بانيه من السوبر ماركت ولا أي حاجة تتعمل بسرعة. لكن النهارده البيت كانت روايحه تجنن ...
يا ليلى... خلصتي السفرة؟
أمي نادت من المطبخ.
من نبرة صوتها عرفت إنها متوترة، نفس النبرة اللي بتطلع منها أول ما سيرة أبويا تيجي.
أيوه يا ماما، خلاص كل حاجة جاهزة.
حكايات منال علي
وأنا برص طقم الصيني أبو حروف دهبي... الطقم اللي متشال في النيش من سنين، ومبيطلعش غير في المناسبات، والتراب تقريبًا بقى صاحبه.
سكت شوية وأنا ببصله.
بعد عشرين سنة طلاق... أمي لسه مش بتعرف تنطق اسم أبويا من غير ما صوتها يتغير.
هي نفسها اللي أصرت على الطلاق زمان، وكانت مقتنعة إنه راجل فاشل، وإن عمره ما هيبقى له قيمة. وكانت كل شوية تقول لصاحباتها
حكايات منال علي
ده عايش في الأحلام... عمره ما هيعمل حاجة.
في اللحظة دي دخلت ريهام وقالت وهي باصة لي من فوق لتحت
حصري على صفحه روايات واقتباسات
هو إنتِ ناوية تستقبلي بابا بالهدوم دي بجد؟!
بصيت لنفسي في المراية.
جينز قديم... وبروفل وبر من كتر الغسيل... وكوتشي عادي.
قولت وأنا برفع كتفي
مالها؟ هو أنا رايحة أتقدم لوظيفة؟!
أمي بصتلي بضيق وقالت
يا ليلى... كان يجرالك إيه لو اهتميتي بنفسك شوية؟ مرة واحدة بس.
ابتسمت وسكت.
أصل ده الكلام اللي متعودة أسمعه من وأنا صغيرة.
الساعة جابت سبعة بالظبط... وجرس الباب رن.
زي ما قال... بالثانية.
أبويا عمره ما اتأخر عن ميعاد، ويبان إن الغربة في أوروبا غيرت فيه حاجات كتير... إلا الحكاية دي.
أمي جريت على الباب وهي بتفك المريلة وبتسوي شعرها بسرعة.
أنا وريهام بصينا لبعض من غير كلام.
إحساس غريب... هنشوف راجل بقالنا سنين مشوفناهوش، وكل اللي باقي بينا وبينه كام ذكرى باهتين من الطفولة.
دخل أبويا...
أول حاجة شدتني فيه إن صوته كان هادي... كله دفا وحنية.
لا فيه عتاب...
ولا لوم...
ولا حتى زعل.
أمي قالت وهي مرتبكة
اتفضل يا سامي... الأكل جاهز.
وقعدنا على السفرة.
في الأول الكلام كان ماشي على استحياء.
حكى إنه عاش في ألمانيا، واشتغل في المقاولات والبناء، ومع الوقت ربنا كرمه وبقى عنده شركة ونجح نجاح كبير.
وأنا كنت شايفة الذهول في عين أمي.
الراجل اللي كانت بتقول عليه فاشل...
طلع أنجح بكتير مما كانت متخيلة.
بعدها بص لنا وقال بابتسامة
وأخباركم إيه؟
ريهام اتكلمت عن شغلها في الإعلانات، والسفر، والمشاريع.
وأمي قالت كام كلمة عن شغلها في الحضانة، وبعدها رجعت تتكلم عن نجاحات ريهام.
بعدين بصلي وقال
وإنتِ يا ليلى؟ عاملة إيه؟
قولت
الحمد لله... شغالة في ال IT، ومأجرة شقة أوضة وصالة في مدينة السلام.
استغرب شوية... لكن ابتسم وقال
كويس... أهم حاجة إن الواحد يعتمد على نفسه.
الكلام كان ماشي واحدة واحدة، وكل واحد فينا بيحاول يفهم اللي قدامه.
وأمي كل شوية تدخل سيرة إنها ربتنا لوحدها، وإنها تعبت معانا.
حكايات منال علي
وفجأة...
أبويا بصلي وقال
فاكرة يا ليلى وإنتِ صغيرة؟ كنتِ نفسك تبقي مهندسة معمارية.
اتجمدت.
إزاي فاكر؟
أنا نفسي كنت نسيت.
وأنا عندي عشر سنين كنت بقعد أرسم بيوت وكباري بالساعات.
قلت وأنا بضحك
فاكرة... بس دخلت IT... أضمن.
قال بهدوء
الأمان حلو... بس الحلم أغلى، حتى لو الناس كلها قالتلك سيبيه.
ريهام ضحكت وقالت
ليلى كانت حالمة أوي... بس ماما فوقتها بسرعة.
وأمي هزت راسها
لازم الواحد يبقى واقعي.
أبويا مسك نفسه وسكت.
فسألته بسرعة
طب احكيلنا عن شغلك.
ابتسم وقال بحماس
إحنا دلوقتي بنبني كومباوندات صديقة للبيئة... بدأنا بمشروع صغير، ودلوقتي عندنا تلات مشاريع كبيرة.
ريهام قالت
أكيد أسعارها نار... مش أي حد يقدر عليها.
رد
دلوقتي آه... لكن دي بقت بيوت المستقبل.
أمي كانت لسه باصة له بنفس النظرة القديمة...
نظرة إنها شايفة كل كلامه مجرد أحلام.
وفجأة سألته
إنت... اتجوزت هناك؟
قال بكل هدوء
لأ... كرست حياتي للشغل... وللبنات اللي كان لازم أفضل مسؤول عنهم.
وبصلي أنا وريهام.
مكنش عندي وقت أفكر في نفسي.
استغربت وقولت
إنت كنت بتصرف علينا؟! أنا كنت فاكرة إن ماما هي اللي كانت شايلانا لوحدها.
أمي شرقِت في الشاي.
وريهام اتجمدت.
أمي قالت بسرعة
أكيد كان بيساعد... مصاريف دراسة وهدوم يعني.
أبويا هز راسه وقال
لأ... أنا كنت ببعت كل شهر. وكمان من تلات سنين حولت مبلغ كبير... عشان كل واحدة من البنات تشتري شقة تمليك.
حسيت الأرض بتميد بيا.
قولت بصوت مخنوق
شقة؟!
أيوه... شقة لكل واحدة. قولت البنات كبروا، وكل واحدة لازم يبقى ليها بيت.
بصيت لريهام...
وشها اصفر.
قولت بهدوء
مش إنتِ قولتيلي إنك مأجرة في المهندسين؟
ما ردتش.
ريهام... ردي.
قالت وهي مكسوفة
الموضوع... مش بسيط.
قومت من مكاني وأنا بزق الكرسي بعصبية.
حكايات_منال_علي
لا بسيط جدًا... بابا بعت فلوس شقتين... وإنتِ وماما خبيتوا عليا! وأنا بدفع نص مرتبي إيجار كل شهر... وإنتِ قاعدة في شقة تمليك؟!
أبويا بص لأمي بصدمة وقال
شقة في المهندسين؟! أنا باعت تمن شقتين متوسطين.
أمي حاولت تبرر
ريهام شغلها هناك... وكانت محتاجة مستوى معين.
رد عليها ببرود
يعني خدتوا فلوس البنتين... وجبتوا شقة واحدة لريهام؟!
قالت بسرعة
كنا هنجيب لليلى بعدين.
ضحكت ضحكة كلها وجع.
بعدين؟! بقالى تلات سنين بحوش من أكلي وشربي... وإنتوا كل مرة تقولوا بعدين؟!
وبصيت لأبويا وقولت
إنت بعت الفلوس عشان تتقسم بينا بالعدل.
ساعتها بص لأمي، وصوته كان هادي... بس يخوف
يا هدى... فهميني... فلوس شقتين اختفوا إزاي وبقوا شقة واحدة؟
أمي اتلخبطت...
وأنا حسيت إن كل اللي كنت فاكرة إني عارفاه عن حياتي... كان كدب.
بصيت لها بعين مليانة دموع وسألتها
قوليلي يا ماما... الكلام ده بجد؟ !!!
أكمل
أمي فضلت ساكتة، وبصت في طبقها كأنها بتدور على إجابة مكتوبة بين حبات الرز.
أبويا كرر سؤاله، المرة دي بصوت أهدى
هدى... أنا بسألك. فلوس الشقتين راحت فين؟
أمي بلعت ريقها وقالت
يا سامي، الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
ضحكت بسخرية وأنا واقفة.
أمال زي إيه؟ أنا اللي مش فاهمة؟ أنا اللي بدفع إيجار شقتي من تلات سنين؟
ريهام قامت فجأة وقالت
ليلى، اقعدي... الموضوع مش مستاهل كل ده.
لفيت لها.
مش مستاهل؟! إنتِ عايشة في شقة تمنها نص عمري، وأنا كنت فاكرة إني أقل واحدة في البيت عشان مفيش معايا فلوس!
أبويا رفع إيده.
ريهام... سيبي أختك تتكلم.
سكتت.
أبويا بص لأمي وقال
أنا حولت الفلوس باسمك لأنك أمهم، وكنت واثق إنك هتوزعيها بينهم بالعدل. عندي إيصالات التحويل كلها.
أمي اتوترت.
وإنت جاي تحاسبني بعد عشرين سنة؟
قال بهدوء
أنا مش بحاسبك على الماضي. أنا بس عايز أعرف فلوس بناتي راحت فين.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
جزء من الفلوس اتصرف على ريهام.
شهقت.
اتصرف عليها إزاي؟
أمي ما ردتش.
أبويا قال
يعني إيه اتصرف عليها؟
هنا ريهام بدأت تعيط.
ماما كانت بتقول إن ليلى مش محتاجة شقة دلوقتي.
بصيت لها بصدمة.
إنتِ كنتِ عارفة؟
هزت راسها وهي بتعيط.
كنت عارفة إن بابا بعت فلوس... بس ماما قالت إن نصيبك محفوظ.
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
محفوظ؟ فين محفوظ يا ريهام؟
وقبل ما حد يرد، أمي قامت من مكانها واتجهت ناحية النيش.
فتحت الدرج الصغير اللي عمرنا ما كنا بنفتحه.
طلعت ظرف بني قديم.
حطته قدام أبويا.
ده كل اللي باقي.
أبويا فتح الظرف...
وأول ما شاف الورق اللي جواه، ملامحه اتغيرت تمامًا.
بصلي.
وبعدين بص لريهام.
ثم قال جملة خلتني أحس إن اللي حصل طول السنين اللي فاتت كان مجرد أول الخيط
إنتوا الاتنين اتضحك عليكم.
اتجمدت.
يعني إيه؟
أبويا طلع ورقة من الظرف وحطها على السفرة.
كانت ورقة شراء عقار.
لكن اسم المشتري...
مش اسم ريهام.
ومش اسم أمي.
كان اسم شخص غريب تمامًا.
بصيت لأبويا وأنا مش فاهمة
مين ده؟
أبويا ما ردش فورًا.
فضل باصص للاسم كأنه شافه قبل كده.
وبعدين قال بصوت منخفض
أنا قابلت الاسم ده قبل كده... من سنين.
أمي فجأة صرخت
سامي، اقفل الورق ده!
أبويا رفع عينه لها.
ليه؟
وشها شحب.
عشان... عشان الموضوع أكبر من اللي إنت متخيله.
وفي اللحظة دي، موبايل أبويا رن.
بص للشاشة...
وسكت تمامًا.
وبعدين قام من على الكرسي، ومشي بعيد عن السفرة، ورد.
سمعناه بيقول
ألو؟
ثواني صمت.
ثم تغير صوته
إنت؟!
رجع بص لنا، ووشه لأول مرة من ساعة ما دخل البيت كان فيه خوف حقيقي.
وقال
أنا عايز أشوفك... حالًا.
قفل المكالمة.
وبص لأمي.
بعد عشرين سنة... إنتِ أخيرًا هتقولي الحقيقة.
أمي بدأت تنهار في العياط.
أما أنا...
فكنت لسه ببص على الورقة.
لأن تحت اسم الشخص الغريب كان فيه عنوان عقار تاني...
وعنوانه كان هو نفس عنوان الشقة اللي أنا عايشة فيها بالإيجار بصيت للورقة تاني، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
بابا... العنوان ده عنوان شقتي.
أبويا قرب الورقة منه، وبدأ يقرأ العنوان حرف حرف.
إنتِ ساكنة هنا بقالك قد إيه؟
تلات سنين.
سألني
وعقد الإيجار باسم مين؟
رديت من غير